عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Dec-2020

الربيع العربي غير كل شيء في أوروبا

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 
أنشال فوهرا* – (فورين بوليسي) 24/12/2020
بعد عقد من بدء العرب ثورة شاملة على مستوى الإقليم، لن تعود القارة المجاورة أبدا كما كانت.
* * *
بعد مرور عقد على بدء “الربيع العربي”، لم يتحسن الكثير بالنسبة لأولئك الذين ثاروا ضد الأوتوقراطيين في الشرق الأوسط وطالبوا بحياة أفضل. ما تزال معظم البلدان التي اندلعت فيها المظاهرات ثم أعمال عنف تحكمها أنظمة استبدادية، والتي تُعتبر ممارسات القمع والفساد في ظلها روتينا، بينما استمرت الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها المواطنون في الضغط بلا هوادة.
ومع ذلك، أصبحت أوروبا الآن قارة مختلفة عما كانت عليه قبل العام 2011 -ولأسباب تتعلق مباشرة بالثورات الفاشلة في الجوار. أولا، أصبحت أوروبا منقسمة. كان تصويت المملكة المتحدة على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، في جزء منه، رد فعل على أزمة اللاجئين التي أثارتها الانتفاضة السورية والحرب الأهلية التي نجمت عنها. وأصبحت الأحزاب السياسية الشعبوية في جميع أنحاء أوروبا في صعود، مستفيدة من المخاوف المتزايدة من الإسلام والتطرف.
وقد تغيرت السياسة الخارجية الأوروبية بشكل ملموس أيضاً، حيث تحتضن البلدان على نحو متزايد الديكتاتوريين الجدد الذين ظهروا على الحدود الجنوبية للقارة، متجردة حتى من ورقة التوت الاخيرة من الأخلاقيات الليبرالية، التي كانت تستحضرها وتسترشد بها ذات مرة. وباختصار، لم يُقتصر الأمر على فشل أحداث الربيع العربي في جعل الدول العربية أكثر استقرارا فحسب، وإنما جعلت الدول الأوروبية أقل استقرارا أيضاً.
في العام 2015، وجدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن من المستهجن حرمان السوريين الذين دمرت منازلهم ومدنهم بأكملها في موجة قصف جنونية شنها النظام في بلدهم من الملجأ. وفتحت أبواب ألمانيا أمام اللاجئين، حيث ددخلها ما يقرب من مليون شخص. وقد أشاد الكثيرون بهذا القرار باعتباره الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. لكن تداعياته كانت عريضة وبعيدة المدى.
تقول إيما سكاي، الزميلة الرفيعة في معهد جاكسون بجامعة ييل، أن الحد من الهجرة كان دافعاً رئيسياً وراء القرار البريطاني بمغادرة الاتحاد الأوروبي، وتذكرت كيف أثار الشعبويون المخاوف من انعدام الأمن ووظفوها لصالحهم. وتضيف: “تم تصوير نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة اليميني المتطرف، وهو يقف أمام ملصق ضخم يصوّر لاجئين سوريين على الحدود بين سلوفينيا وكرواتيا. وكانت الإشارة واضحًة: ما لم تغادر المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي وتستعيد السيطرة على حدودها، سوف يتدفق اللاجئون على بريطانيا. وكانت هناك تغطية إعلامية متواصلة وكثيفة للاشتباكات في ‘الغابة’-مخيم اللاجئين المؤقت في كاليه- بين الشرطة الفرنسية والمهاجرين اليائسين الذين يسعون للوصول إلى المملكة المتحدة”.
بينما استقل مئات الآلاف من اللاجئين القوارب، وساروا على الأقدام وقضوا شهوراً وسنوات في المعسكرات المكتظة من أجل الوصول إلى بر الأمان، رأى الشعبويون -الذين كانوا حتى ذلك الحين على هوامش السياسة الأوروبية- فرصتهم. واستغلوا مخاوف العديد من الأوروبيين من أن احتمال أن تُعطى وظائفهم للاجئين، أو من إمكانية أن يؤدي وجود أناس من ثقافات مختلفة بوضوح –ومن دين واحد غالب، هو الإسلام- إلى تغيير أسلوب حياتهم. ونشأ العداء تجاه اللاجئين من “رهاب الإسلام” المتأصل بعمق في أذهان العديد من الأوروبيين. ومع ذلك، قدّم ظهور تنظيم “داعش”، وسلسلة الهجمات الإرهابية التي نفذها أعضاء التنظيم أو مؤيدوه في أوروبا، مزيداً من المساعدة للشعبويين. وأدت الهجرة إلى تفاقم المخاوف من وقوع هجمات يشنها المتطرفون وغيرت وجه السياسة الأوروبية، ربما إلى الأبد.
الآن، غالبًا ما تكون المحادثات اليومية التي تجري على طاولات القهوة في أوروبا، حتى في المدن التي تُعتبر مراكز للأفكار الليبرالية مثل باريس وبرلين، معادية للأجانب. وينقسم النظام السياسي بشكل عام بين أولئك الذين يشعرون بأنهم يميلون، أخلاقياً، إلى مساعدة اللاجئين، وأولئك الذين يرونهم عبئاً؛ بين أولئك الذين يفرقون بشدة بين الإسلام والتطرف الإسلامي، وأولئك الذين يرفضون الإسلام علانية ويكشفون عن أعراض الإسابة بـ”رهاب الإسلام”.
كان العقد الماضي اختباراً لقيم السياسة الخارجية الأوروبية المعلنة ذاتياً أيضاً. إنها تدافع عن الحرية والديمقراطية، ولكنها تفتقر باطّراد إلى إرادة ترويجهما وتعزيزهما في الخارج. ويشعر العديد من الشباب العرب الذين تطلعوا إلى أوروبا في السابق بخيبة أمل، ويرون الحكومات الأوروبية بشكل متزايد على أنها تخدم مصالحها الذاتية فحسب.
يقول جوليان بارنز-داسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن الربيع العربي قدم فرصة لإعادة تشكيل التطورات على الأرض، لكن أوروبا فشلت في تحقيق ذلك. وأضاف: “التركيز الأوروبي يضيق بشكل متزايد ليتركز على تحديات الأمن والهجرة مع تراجع الثقة بالنفس عندما يتعلق الأمر بأي قدرة على دفع النظام السياسي في المنطقة في اتجاه أكثر إيجابية. بعد عشر سنوات من الانتفاضات، يعيد بعض الأوروبيين الآن تبني فكرة الاستقرار الاستبدادي، كما يتجلى في الاحتضان المتزايد لأوتوقراطيين معروفين في المنطقة”.
في ليبيا، أطاح تدخل حلف الناتو بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة بمعمر القذافي. ولكن، بينما أفضى فراغ السلطة الناجم إلى نشوب حرب مستمرة بين مختلف أصحاب المصلحة –الإسلاميين، والمتطرفين، والقبائل، ونجل القذافي سيف القذافي، والمارشال خليفة حفتر- انزلقت ليبيا إلى حالة من الفوضى العارمة. بعد القذافي، كان من المتوقع أن تدير أوروبا التداعيات وتقود ليبيا نحو انتقال سياسي ديمقراطي. لكنها بقيت غير فعالة في هذا الصدد، بشكل رئيسي لأنه ليست لديها مصلحة ولا خطط لتحقيق الاستقرار في البلد؛ لقد أدارت وجهها ببساطة إلى الاتجاه الآخر. ويكشف الصراع الدائر هناك الآن عن خصومات إقليمية أوسع بين تركيا وقطر، اللتين تدعمان الحكومة المعترف بها دوليا والمدعومة أيضا من الإسلاميين السياسيين من جهة؛ والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اللتين تعتبران الإسلاميين السياسيين عدوهما، وتنظران إلى حفتر باعتباره الرجل الذي يمكن أن يقاتل هذا العدو.
يدعم الأوروبيون ظاهريا عملية سلام في ليبيا تتوسط فيها الأمم المتحدة، لكن بعض سياساتهم تطيل أمد الحرب الأهلية في البلد فقط. وتفيد التقارير أن ألمانيا، على سبيل المثال، باعت أسلحة لكلا الطرفين المتحاربين في الصراع الليبي، لكنها، مثل إيطاليا، لا تدعم أياً منهما سياسيًا. ومع ذلك، تُتهَم فرنسا بتسليح قوات حفتر سراً. ويراهن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الرجل القوي، حفتر، لاحتواء المهاجرين -والمتطرفين من بينهم- الذين يحاولون عبور البحور والوصول إلى أوروبا. وقال محللون فرنسيون أن عدم الاستقرار الداخلي في فرنسا مرتبط بالتشدد الإسلامي في بعض الدول الأفريقية الواقعة في حزام الصحراء والساحل، التي كانت مستعمرات فرنسية سابقة.
وكانت لأوروبا علاقة معاملاتية مماثلة مع القذافي مثل التي تبنيها الآن مع حفتر وغيره من الرجال الأقوياء في شمال أفريقيا. في العام 2010، طالب القذافي الدول الأوروبية بدفع خمسة مليارات يورو سنويًا إذا أرادت منه وقف الهجرة الأفريقية غير الشرعية وتجنب تكوُّن “أوروبا سوداء”، كما قيل. لكن القمع الذي مارسه كان هو السبب الذي أدى في النهاية إلى التمرد والحرب الأهلية، والهجرة الجماعية إلى أوروبا.
استخدم الدكتاتوريون عبر البحر الأبيض المتوسط مرة أخرى التهديد بفتح أبواب المهاجرين الاقتصاديين والمتطرفين كطريقة لابتزاز أوروبا، وقدموا أنفسهم على أنهم لا غنى عنهم لتأمين حدودها. وأظهر الربيع العربي أن استمرار العمل كالمعتاد مع الأنظمة الديكتاتورية كان سياسة انهزامية لأوروبا. ومع ذلك، فإن هذا هو بالضبط النهج الذي يبدو أن العديد من الدول الأوروبية تتبناه مرة أخرى.
يقول يوست هيلترمان، مدير برنامج مجموعة الأزمات الدولية للشرق الأوسط، أن أوروبا أساءت فهم طبيعة الربيع العربي منذ البداية كحركة تتعلق بالديمقراطية. لم يكن الناس في الساحات والميادين يثورون من أجل الديمقراطية في المقام الأول، لكن الأوروبيين أرادوا منهم أن يفعلوا ذلك. لقد أراد المتظاهرون حكمًا أفضل كثيراً، وإذا فشلوا في ذلك، أرادوا الإطاحة بالأنظمة الفاسدة وغير المستجيبة لتطلعات مواطنيها. وعندما أسفرت الاحتجاجات عن نتائج عنيفة وفوضوية، أصبح الأوروبيون أكثر حذرًا، وألقوا باللوم على الإسلام باعتباره المتسبب في غياب التقدم الديمقراطي، وشددوا الضوابط الحدودية ضد اللاجئين والمهاجرين، الذين اشتبهوا في أن يكون بينهم جهاديون يحاولون الوصول إلى أوروبا”.
وأضاف هيلترمان: “في النهاية، أعادت الحكومات الأوروبية تبني نموذج الاستقرار (دعم الأنظمة الاستبدادية –على أساس فكرة “الشيطان الذي تعرفه”) الذي كان قد أدى إلى اندلاع الانتفاضات الشعبية العربية في المقام الأول”.
فيما يتعلق بالمسألة السورية، تبدو أوروبا موحدة رسميًا، حيث جعلت توفير الأموال لإعادة الإعمار فيها مشروطًا بالتحول السياسي على أساس خطوط قرار الأمم المتحدة 2254، الذي يدعو إلى إشراك الثوار في السياسة السورية، والإفراج عن السجناء السياسيين، والمساءلة عن جرائم الحرب. ولكن، وراء الأبواب المغلقة، دعا الشعبويون في إيطاليا وعدة دول أخرى إلى استئناف العلاقات مع النظام الحالي. وبينما تريد إيطاليا التنسيق مع أجهزة مخابرات النظام السوري بشأن المتطرفين الذين ربما يكونون قد عبروا حدودها، يؤكد حزب المعارضة الألماني الرئيسي “البديل من أجل ألمانيا”، على أن السوريين أصبحوا آمنين في عهدة النظام، وأن الوقت قد حان لمغادرة اللاجئين. وهكذا، بدلاً من تغيير النظام، خفضت أوروبا توقعاتها إلى تغيير سلوك النظام.
يقول أوليفييه غيتا، وهو رئيس شركة أمنية تقدم المشورة للحكومات في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، أن رفض أوروبا التدخل عسكريًا في سورية هو الخطيئة الأساسية التي دفعت الغربيين المسلمين إلى أحضان تنظيم “داعش”. ويضيف: “كان الأساس المنطقي لإقناع الشباب الغربيين (بالانضمام إلى تنظيم داعش) بسيطًا: من المفترض أن حكومتك تدافع عن حقوق الإنسان، ولكن عندما يتعلق الأمر بإنقاذ حياة المسلمين، فإنها لا تهتم. نحن في حاجة إلى مساعدتك، تعال وانضم إلينا. وتخبرني أجهزة الأمن الأوروبية أن مستوى التهديد اليوم أعلى مما كان عليه في ذروة عمل ‘داعش’ و‘دولته’ في العام 2015، التي شهدت شن الهجمات الكبرى في أوروبا”.
ومع ذلك، استشهد خبراء آخرون بانهيار ليبيا ولم يوافقوا على أن العمل العسكري في سورية كان هو المسار الصحيح للعمل. كانت ساحة المعركة السورية أيضًا مليئة بجميع أنواع الجماعات بما في ذلك الجهاديون، وليس المعتدلين من الجيش السوري الحر فحسب. وعلاوة على ذلك، كان المتظاهرون الديمقراطيون والليبراليون قوة غير منظمة. وكان نظام البعث قد حكم بقبضة من حديد ولم يسمح أبدًا لأي معارضة سياسية ذات مغزى بالظهور. وجعلت الحقائق على الأرض من الصعب على أوروبا والولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية حاسمة ضد النظام هناك.
على الرغم من كل إخفاقاتها، أرسلت أوروبا مليارات الدولارات كمساعدات، وظلت ثابتة بشأن الإبقاء على بعض حركات المجتمع المدني التي انبثقت من الربيع العربي على قيد الحياة، حتى لو كان حاملو الشعلة يعيشون في المنفى.
يقول بارنز-داسي، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “يبدو أن الدرس الحقيقي هو أن الإصلاح الهادف يحتاج إلى رؤية أطول مدى للتغيير -واحدة تركز بشكل أكبر على ترسيخ التحول من القاعدة إلى القمة بدلاً من سحب البساط فجأة من تحت أقدام الأنظمة القائمة”.
*Anchal Vohra: كاتبة عمود في مجلة “فورين بوليسي”، مقرها العاصمة اللبنانية، بيروت، ومراسلة تلفزيونية مستقلة ومعلقة مختصة في شؤون الشرق الأوسط.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Arab Spring Changed Everything—in Europe