عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Mar-2026

"عمان.. عبق الزمان والمكان".. رحلة وجدانية بين التوثيق والحنين

 الغد-عزيزة علي

 بحكايات وصور ومشاهد من الحياة اليومية في وسط البلد خلال ستينيات القرن الماضي، يستعيد الباحث الأردني عامر كامل السلايمة ملامح عمّان القديمة وذاكرتها الاجتماعية، في كتابه "عمان.. عبق الزمان والمكان: حكايات عن المدينة والناس"، الصادر عن دار أسامة للنشر والتوزيع.  
 
 
ويقدم المؤلف في هذا العمل رحلة وجدانية تمزج بين التوثيق والحنين، مستحضراً تفاصيل المدينة كما عاشها أهلها: أصوات الباعة، ورائحة الخبز والبهارات، وحكايات الأزقة والحارات، في محاولة للحفاظ على ذاكرة المكان والناس قبل أن يطويها النسيان.
وفي تمهيد الكتاب، الذي جاء في ثلاثة عشر فصلاً، يشير السلايمة إلى أن فكرة إنجاز هذا المشروع رافقته منذ أكثر من أربعين عاماً، منذ تخرجه في الجامعة الأردنية العام 1982، إلا أن السفر والغربة ومتطلبات العمل كانت من أبرز أسباب تأجيل تنفيذه. ويستحضر المؤلف في ذاكرته مشاهد تعود إلى العقد السادس من القرن الماضي؛ وجوه لأناس رحل بعضهم مع تعاقب السنوات، ومحال أغلقت أو تغيرت طبيعة تجارتها، وملامح شارع الملك طلال الذي عاش فيه نحو عشرة أعوام قبل أن تنتقل أسرته من وسط البلد إلى أحد الجبال القريبة.
ورغم انتقال الأسرة، لم تنقطع صلته بوسط المدينة، إذ ظل يحرص على المرور بها وكأنه لم يغادرها، وغالباً ما كان هذا المرور بدافع الحنين والشوق أكثر من أي مصلحة أخرى. مضيفا أن ذاكرته لا تحتفظ بصور مبعثرة عن المدينة القديمة التي أحبها فحسب، بل تختزن نفحات روحية عزيزة تسللت إلى أعماقه، ترافقها دائماً مشاعر عميقة من الغبطة الممتزجة بالشوق والحنين.
ويتابع السلايمة حديثه عن ذكريات الشوارع العتيقة في وسط البلد، وصوت الأذان، وأصوات الباعة، ورائحة الخبز المنبعثة من المخابز القريبة، إلى جانب الحركة الدؤوبة في الشوارع والأسواق والأدراج التي تصل بين الجبال ووسط المدينة، كانت جميعها مصدر إلهام داخلي دفعه لكتابة هذا العمل المعنون "عمان.. عبق الزمان والمكان: حكايات عن المدينة والناس".
ويؤكد المؤلف أنه حاول في هذا الكتاب ألا يكون مؤرخاً يسرد الوقائع أو راوياً للحكايات فحسب، رغم أن التاريخ والأدب جزء من تكوينه العلمي والوجداني. ويشير إلى أن حضور التاريخ والسرد في فصول الكتاب جاء لخدمة هدفه الأساسي، وهو أن يعيش القارئ معه أجواء الحياة العمانية القديمة، ويشاركه متعة التجوال في الأزقة والحارات واستعادة ملامح المدينة وناسها.
ويضيف السلايمة أن هدفه أن يشارك القارئ أجواء تلك الأيام؛ فيصغي معه إلى أصوات الباعة، ويستنشق رائحة البن والبهارات المطحونة الممتزجة بروائح اللحوم والخضار والفاكهة، ويستعيد ذكريات الأطفال والصبية وهم يلعبون في الأحياء ويترنمون بأهازيج المناسبات. ويؤكد أن غايته إحياء الماضي الجميل بكل ما يحمله من مشاعر وأحاسيس.
ويبين أن الكتاب يتناول مدينة عمّان العتيقة، أو ما يعرف اليوم بـ"وسط البلد"، كما يستحضر إنسانها؛ ذلك الطفل أو الصبي الذي كانه المؤلف، ومعه كل من عاش تلك المرحلة من أبناء الأجيال المتعاقبة في المكان نفسه. ويرى أن الكتاب لا يمثل سيرة شخصية بقدر ما هو سيرة لمدينة عاش تفاصيلها أحد أبنائها الذين ولدوا ونشأوا فيها، ولذلك قسم مادته إلى فصول متكاملة، يضيء كل فصل منها جانباً من جوانب الذاكرة.
ويؤكد السلايمة أن كتابه "عمّان.. عبق الزمان والمكان: حكايات عن المدينة والناس"، ليس موجهاً للمؤرخين أو الرواة فحسب، ولا لأبناء جيله فقط، بل لكل من يهمه نبض المدينة وحياة الناس فيها؛ فالمدن تُعرف أيضاً من تفاصيلها اليومية: من بائع اللبن على طرف الطريق، إلى طفل يلهو بكرة من الجوارب، وأم ترسل صغيرها بخبزها إلى فرن الحارة، ورجل مسن يروي حكاياته في المساء، وأحاديث الناس على شرفات المقاهي وفي الأسواق.
ويوضح المؤلف أن فترة استدعاء الذاكرة في الكتاب تتركز بين 1960 و1969، وهي الأعوام التي اختزن خلالها معظم التجارب والذكريات التي شكلت عشقه لمدينة عمان العتيقة. ومع ذلك، يشير إلى أنه استحضر أحياناً أحداثاً من أعوام سبقت هذه الفترة أو لحقتها، عندما يقتضي السياق استكمال صورة المكان والزمان.
وعن الهدف من هذا الكتاب، يؤكد السلايمة أنه: دعوة القارئ إلى التأمل معه في تلك المدينة الوادعة التي احتضنتها سبع تلال أطلق عليها سكانها اسم "الجبال"، حباً واعتزازاً. ويرى أن هذا العمل ليس سوى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة قبل أن يطويه النسيان، في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتغمره تحولات العولمة.
وبعنوان "بين يدي الكتاب"، يوضح السلايمة أن استدعاء الذاكرة، سواء كانت شخصية أم جمعية، تجربة ممتعة لكنها ليست سهلة؛ إذ تفرض على الكاتب مسؤولية كبيرة في توثيق الذكريات والتحقق من صحتها وربطها بسياقها الزمني. ويضيف أن من أبرز الصعوبات التي واجهته ندرة المصادر التي تتناول تفاصيل الحياة اليومية في عمان القديمة، فهذه التفاصيل لم توثق في الكتب الرسمية أو الوثائق الحكومية، رغم أنها شكلت جزءاً أساسياً من نسيج المدينة وذاكرتها الاجتماعية.
ويتحدث المؤلف عن الصعوبات التي واجهته أثناء إعداد الكتاب، مشيراً إلى أن من أبرزها ندرة المصادر التي توثق تفاصيل الحياة اليومية في عمان القديمة. ويوضح أنه لا يقصد نقص المعلومات المتعلقة بالجغرافيا أو التاريخ أو الوثائق الرسمية، بل غياب توثيق الأفعال والمواقف والذكريات التي شكلت جزءاً من نسيج الحياة الاجتماعية للمدينة، والتي لم تُدوَّن في الكتب أو السجلات الحكومية.
ويضيف أن حكايات الناس وصورهم المتناثرة في الألبومات العائلية كانت من أهم المصادر التي اعتمد عليها، لكنها غالباً ما ضاعت أو تفرقت بين البيوت، ما جعل الوصول إليها أمراً صعباً ويتطلب جهداً كبيراً.
كما يشير إلى تحديات تتعلق بالصور الفوتوغرافية؛ إذ كان التصوير قبل خمسة أو ستة عقود نادراً ويقتصر غالباً على المناسبات الكبيرة أو الصور المقصودة في محال التصوير الثابتة أو لدى مصوري الصناديق الخشبية الذين كانوا يتواجدون في ساحة المسجد الحسيني، لذلك قلما وثقت الصور ملامح الحياة الشعبية اليومية.
ويلفت أيضاً إلى مشكلة فقدان الأصول السلبية للصور القديمة قبل عصر التصوير الرقمي، ما أدى إلى تلف كثير منها أو ضعف جودتها، الأمر الذي جعل بعضها غير صالح للنشر. ويضيف أنه حاول الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة تصور بعض المواقف والأحداث الشخصية، خاصة تلك التي وقعت في حارته القديمة.
ويشير السلايمة إلى أن من التحديات التي واجهته أيضاً تباين الذاكرة البشرية؛ فلكل شاهد روايته وتفاصيله الخاصة، ما يفرض على الباحث مهمة التحقق من الروايات وتمحيصها وجمعها في سياق متماسك يقترب قدر الإمكان من الحقيقة، مع احترام اختلاف التجارب وزوايا النظر.
ويقول السلايمة إن الكتاب ليس توثيق الماضي، بل هو استحضار زمن جميل سكن ذاكرته وذاكرة كثيرين ممن عاشوا تلك المرحلة. فهو محاولة لاستعادة صور الطفولة والصبا التي جمعته بأصدقاء الحي في الأزقة والشوارع وساحة المسجد الحسيني، قبل أن تفرقهم السنوات وتقلبات الحياة. ويقول إنه يكتب وفي قلبه رجاء أن يكون هذا العمل مناسبة لاستعادة تلك الذكريات، أو على الأقل لقاءً رمزياً يجمعهم بين صفحات الكتاب.
كما أنه ثمرة جهد يجمع بين البحث والحنين، في محاولة لمواجهة ندرة المصادر بالصبر والاستقصاء، حتى يبقى الماضي حاضراً في الذاكرة الجمعية.
وفي خاتمة الكتاب، يوضح المؤلف أن ما يقدمه ليس وصفاً لمدينة بقدر ما هو بوح ذاكرة ومحاولة لالتقاط خيوط الحنين قبل أن تتبدد مع مرور الزمن. فعمان العتيقة، كما يراها، ليست مجرد شوارع وخرائط، بل وجوه الناس وروائح البيوت الحجرية وضحكات الأطفال في الأزقة.
وتستعيد الصفحات مشاهد الحياة اليومية في وسط البلد: صخب الباعة، أحاديث المقاهي، وقع الخطوات على الأدراج التي تصل بين الحارات. إنها مدينة تنبض بحكايات أهلها بقدر ما تنبض بحجارتها، مدينة احتضنت أفراح الناس وأتراحهم حتى غدت مرادفة للذاكرة نفسها.
ويؤكد السلايمة أن كتابه ليس تاريخاً جامداً، بل سرد وجداني لتفاصيل الحياة الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير: لعبة طفل في الساحة، فنجان قهوة في مساء شتوي، حديث عابر عند باب بيت، أو لحظة أمل بين عاشقين. ومن خلال هذه التفاصيل تتجاوز النصوص حدود المكان لتلامس وجدان كل من يعرف معنى الانتماء والحنين إلى البدايات الأولى.
ويختتم بأن الكتاب دعوة للحفاظ على الذاكرة حية وتدوين ما قد يتبدد من ذكرياتنا، موجهاً رسالة للأجيال القادمة: هكذا كانت عمّان.. وهكذا كنا نحن فيها.