عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Jan-2026

نهج الإرباك.. الوجه الجديد لسياسة واشنطن تجاه إيران

  الغد

ماري ديجيفسكي - (الإندبندنت) 2026/1/19
 
 
 
على الرغم من وعود دونالد ترامب لجموع المتظاهرين في إيران بأن "المساعدة في طريقها إليهم"، يبدو أن بعضهم دفع الرئيس الأميركي إلى تبنّي نهج أكثر حذراً وربما أكثر جدوى، يقوم على إبقاء إيران في حالة غموض وترقّب عبر التهديدات والتصعيد الكلامي لردع القمع من دون تدخل مباشر، ضمن مقاربة براغماتية تعتمد عمليات محدودة ومحسوبة، تراعي الحسابات الانتخابية والإقليمية، وتتجنب الانزلاق إلى مغامرة عسكرية واسعة أو تغيير شامل للنظام.
 
 
منذ مطلع العام، أصبح من النادر أن نستيقظ من دون أن يطالعنا خبر عن استعراض جديد ومباغت للقوة الأميركية. ومع ذلك، كان هذا ما في الأيام الأخيرة –أو بالأحرى، ما لم يحدث.
بينما كنا نستعد لتدخل أميركي محفوف بالأخطار في إيران، استيقظنا هذا الصباح لنجد أن.. حسناً -أن شيئاً لم يحدث. قد تكون إدارة ترامب أعلنت أن الولايات المتحدة "مستعدة ومتأهبة وجاهزة للتحرك"، لكنها لم تتحرك -أو لم تتحرك بعد. فما هو السبب؟
لا يمكن قول أن دونالد ترامب يتحاشى استخدام القوة، فقد أظهرت الأسابيع الأخيرة العكس بوضوح لافت. من الضربات التي تم تنفيذها يوم عيد الميلاد دفاعاً عن المسيحيين في شمال نيجيريا، مروراً بعملية الاعتقال الدرامية لرئيس فنزويلا وزوجته في الأيام الأولى من العام الجديد، ووصولاً إلى الاستيلاء على ناقلة نفط مرتبطة بفنزويلا ترفع علم روسيا في شمال شرقي المحيط الأطلسي، علاوة على تنفيذ سلسلة من الضربات الانتقامية ضد أهداف تابعة لتنظيم "داعش" في سورية.. كان الجيش الأميركي منشغلاً على نحو غير مسبوق.
ووسط كل هذه الأحداث، لم يتوقف ترامب عن التعليق على الاحتجاجات في إيران، بدءاً بتعهده بأن "الولايات المتحدة الأميركية ستهب لنجدة المتظاهرين السلميين إذا استخدمت الحكومة القوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين". وتحدث ترامب أيضاً عن اتخاذ "إجراءات صارمة للغاية" إذا ما شرعت إيران في شنق المحتجين.
وتابع كلامه على نحو بدا وكأنه تشجيع صريح لـ"الوطنيين الإيرانيين" على "مواصلة الاحتجاج والاستيلاء على مؤسساتكم"، مؤكداً أن "المساعدة في طريقها إليكم". وعلى الرغم من عدم تحديد طبيعة هذه المساعدة، فإن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أوضحت أن الدبلوماسية تظل الخيار الأول بالنسبة إلى ترامب، لكن "الضربات الجوية ستكون أحد الخيارات المتعددة المطروحة على الطاولة".
وبعد يوم واحد، قال ترامب إنه تلقى معلومات موثوقة تفيد بأن عمليات القتل انحسرت، ولا توجد خطط لإعدامات "واسعة النطاق"، كما لو أن ذلك يبرر تراجعه. وفي مساء ذلك اليوم، ظهر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، على قناة "فوكس نيوز" الموالية لترامب، ليقول أن إيران "لا تخطط على الإطلاق لإعدام أي شخص شنقاً... الإعدام شنقاً أمر غير وارد على الإطلاق".
ويُشار إلى أن الولايات المتحدة لا تربطها أي علاقات دبلوماسية بإيران منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979، كما شنت أيضًا غارات جوية على المنشآت الإيرانية النووية في حزيران (يونيو) 2025، على الرغم من أن آثار هذه الغارات ما تزال غير معروفة بشكل دقيق حتى الآن. ولذلك، فإن استضافة قناة تلفزيونية أميركية لمسؤول إيراني رفيع المستوى في ما يمكن اعتباره تصريحاً علنياً موجهاً للجمهور الأميركي يعد حدثاً مهماً.
ويبدو الآن أن أي تدخل مباشر في إيران قد عُلق، وإن كانت نية التدخل موجودة فعلاً في السابق، مما يطرح السؤالين التاليين: لماذا، وماذا بعد الآن؟
لا بد أن تكون الإجابة الأولية حذرة. فما يزال التدخل العسكري بصورة ما وارداً. وقد يكون أحد أهداف ترامب إبقاء الكثير من الخيارات مفتوحة وإبقاء الجميع، وبخاصة الملالي، في حالة من الحيرة والترقب -وهذا، من ناحية ما، سياسة بحد ذاته.
علاوة على ذلك، يمكن المجادلة بأن هذه السياسة لم تكُن بلا نتائج. فهل قيدت تهديدات ترامب سلوك السلطات الإيرانية؟ وهل يمكن، مهما بدا ذلك مستبعداً من منظور غربي، أنها دفعتها إلى تخفيف استخدامها للقوة خشية العواقب المحتملة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يكون ترامب قد أنقذ فعلاً بعض من اعتُقلوا من الإعدام؟ في هذه الحالة، سيصبح من الصعب على إيران الآن الشروع في تنفيذ إعدامات، في ظل التصريحات العلنية المباشرة التي أدلى بها وزير خارجيتها على شاشات التلفزيون الأميركي، إلا إذا ظهرت دلائل صريحة على وجود انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية.
ومن المحتمل أن يكون السبب الأهم أن ترامب، على الرغم من كل خطابه التصعيدي العلني، يتصرف في الجوهر بعقلية براغماتية. وقد أدرك أن التدخل في نزاع ما يزال في أساسه شأناً داخلياً، وإن كان يقترب من التحول إلى ثورة، قد يفضي إلى عواقب وخيمة وغير محسوبة في بلد كبير شديد المركزية الإدارية. وفي مثل هذه الظروف، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة هو كبح القمع، ولو بقدر محدود.
يتسق هذا التقدير مع موقف ترامب المعلن الذي لا يخفي ازدراءه للتدخلات الأميركية في العراق وليبيا وأفغانستان. أما العمليات التي نفذها، سواء خلال ولايته الأولى أو اليوم، فجاءت محدودة النطاق ومحسوبة بعناية: من اغتيال قاسم سليماني، قائد أحد أفرع الحرس الثوري الإيراني، في العام 2020، إلى إخراج نيكولاس مادورو من فنزويلا، مروراً بسلسلة من الغارات الجوية. وهي جميعها تحركات اختيرت لأنها قابلة للتنفيذ، ولأن مكاسبها المتوقعة تفوق أخطارها.
ويمكن أن نلاحظ أيضاً أن ترامب، على الرغم من كل خطاباته الرنانة، لم يدخل في تغيير مباشر للنظام. ففي فنزويلا، اكتفت الولايات المتحدة حتى الآن بالإطاحة برأس النظام من دون إسقاط النظام نفسه.
في كل ما قاله ترامب عن إيران، كان حريصاً على عدم الانضمام إلى الدعوات المطالبة بإعادة النظام الملكي، على الرغم من أن هذا المطلب يرفعه بعض المتظاهرين، ويطالب به أيضاً وريث الشاه الراحل، رضا بهلوي، من منفاه. وقال ترامب صراحة إنه يشك بحجم الدعم الذي يحظى به بهلوي -وهو السبب نفسه الذي استند إليه لعدم استبدال مادورو بزعيمة المعارضة الحائزة على "جائزة نوبل"، ماريا كورينا ماتشادو.
وربما تكون اعتبارات القدرة على التنفيذ مقابل الأخطار هي التي دفعت ترامب إلى توخي الحذر في شأن تقديم مزيد من الدعم العسكري الأميركي لأوكرانيا.
من الممكن أن يبدو ترامب مغامراً، لكن وصفه لنفسه بأنه صانع صفقات ربما يكون أقرب إلى الواقع. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة لن تتدخل في إيران مستقبلاً، لكن أي خطوة من هذا القبيل ستعتمد على حساب دقيق لاحتمالات النجاح وإمكانية انتقال السلطة بطريقة منظمة، وعلى تجنب أي تورط عسكري بري.
ولعل الاعتبارين التاليين يقومان بدور أيضاً: أولاً، قرب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس حيث يمكن أن يكون الاستعراض الناجح (مادورو) مفيداً، فيما يشكل التدخل الفوضوي (في إيران) مخاطرة كبيرة؛ وثانياً، الديناميات الإقليمية، في ظل محاولة الولايات المتحدة الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطتها للشرق الأوسط.
عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية الأميركية، ربما يجدر بنا أن نحاول النظر إلى ما وراء تصريحات دونالد ترامب المدوية التي يكتبها بأحرف كبيرة، كي نتبين الحسابات الدقيقة والدبلوماسية الأكثر رصانة التي قد تكمن وراءها.
 
*ماري ديجيفسكي Mary Dejevsky: صحفية وكاتبة بريطانية بارزة، وكاتبة عمود في صحيفة "الإندبندنت" وعضو منتظم في "مجلس مراجعة الصحافة البريطانية". لها مساهمات في مؤسسات إعلامية عدة مثل "الغاديان" و"التايمز". عملت سابقًا مراسلة أجنبية لصحيفة "الإندبندنت" في موسكو وباريس وواشنطن، وكسبت بذلك خبرة واسعة في الشؤون الدولية، خصوصًا في السياسة الروسية والأوروبية والأميركية.