عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Dec-2019

“لوحة لذيذة” وقلم “آداب الأردنية” - موفق ملكاوي

 

الغد-  الأسبوع الحالي، التهم ممثل “لوحة” كاملة كانت معروضة على جدار في أحد الجاليريهات في معرض “آرت بازل” بولاية ميامي الأميركية. في الحقيقة اللوحة كانت سخيفة للغاية، وتنم عن إفلاس إبداعي، فقد كانت عبارة عن موزة تم تثبيتها بلاصق على لوحة، وعلقت على الجدار. لكن الغريب في الأمر أن هذه المهزلة بيعت بمبلغ 120 ألف دولار، قبل أن يلتهمها الممثل الزائر، معتبرا أنها “لوحة لذيذة”!
خطر موضوع هذه اللوحة، وأنا أقرأ على السوشال ميديا عن “مبادرة” قام بها طلبة كلية الآداب في الجامعة الأردنية، تمثلت في إلصاق قلمي حبر على ورقة بيضاء، وتعليقها على الحائط، فيما كتب تحتها: “إزا ما معك قلم خد واحد. وإزا معك زيادة تبرع فيه”.
هذه “الحركة” التي تكاد تكون فارغة، أريد لها أن تكون عبارة عن “مبادرة كاملة” من طلبة كلية الآداب، وأنهم استطاعوا تلمس الحاجات الأساسية لزملائهم ومحيطهم، والتحديات التي تواجههم، فخرجوا بهذه الحل السحري!
لا أريد أن أتحدث عن الركاكة وفراغ المخيلة فيما هو مكتوب على “لوحة الأقلام”، وهي ركاكة يجب أن يحاسب عليها من يدرس في كلية آداب عريقة مثل الجامعة الأردنية التي احتضنت مئات المبدعين، مثل الدكتور خالد الكركي الذي يرأس اليوم مجمع اللغة العربية، وبمثابة الأمين على لغتنا، وهو بالتأكيد سيحزن كثيرا حين يرى هذا النوع الرديء من استخدام اللغة العربية في كليته الحبيبة!
لكن هؤلاء الطلبة قد يكونون ضحايا هم أيضا نتيجة لاختلاط كثير من المفاهيم، خصوصا عن معنى العمل العام، وكيف نستطيع توجيهه لكي يستطيع خدمة الصالح العام، لا أن يكون مجرد استعراض آخر نقدمه للإعلام من دون أن يكون له أي أثر مرجو.
هم أيضا، ضحايا عدم تمسك المجتمع بتقديس لغته، والتي ما يزال قسم كبير من المجتمع ينظر إليها على أنها “غير ضرورية” في ظل تقدم العلوم والمعرفة، وأنها لم تعد من اللغات التي تقدم قيمة إضافية للفرد بتعلمها، لذلك تم إهمالها لمصلحة لغات أخرى باتت تشكل تهديدا حقيقيا للغة العربية التي تراجعت في الحياة العامة لدينا. ويكفي أن تشارك باجتماع في إحدى الشركات أو المؤسسات الحديثة، لكي تعرف تماما الخطر الذي يتهددنا، حين ترى أن نصف الحديث يتم باللغة الإنجليزية، وأن جميع العروض التقديمية لا تجد فيها أي عرض عربي.
أيضا، هم ضحايا غياب التفكير الجدي الناضج، وهو غياب أدى إلى عجزهم عن تقديم أي أفكار جدية لمبادرات تلمس الحاجات الأساسية لمجتمعهم، فـ”القلم”، وعلى أهمية رمزيته، إلا أنه لن يشكل تحديا حقيقيا لمجتمع الطلبة، فبالضرورة هناك قضايا أساسية يعاني منها هذا المجتمع، وهو في حاجة إلى تخطيها من خلال مبادرات تستطيع أن تفتح أفقا آخر أمامه.
هذه النقطة بالذات، تفتح الباب على النتيجة التي وصل إليها هؤلاء الطلبة، وهو استسهال الاستعراض السطحي، واستقصاء الترويج الإعلامي في زمن السوشال ميديا. ففي هذا الزمن، يريد الجميع أن يكونوا نجوما. لكن، وللأسف الشديد، فحتى معايير النجومية اختلفت نتيجة حراكات مجتمعية بدلت كثيرا من المفاهيم، واستقصت الهشاشة والخفة والسطحية والاستعراض اللحظي بعيدا عن العمق، وهو ما لا يمكن أن يمكث في الأرض.. ولا أن يفيد الناس.
هذا ما يحدث في الأردن اليوم، بسبب “فوضى المبادرات” التي تابعت العشرات منها، وكنت دائما أحتار لماذا يصر أصحابها على إحراج أنفسهم بـ”مساخر” لا يمكن لها أن تحقق أي نتيجة. صحيح أن هناك مبادرات؛ رسمية وشعبية استطاعت أن تصنع فرقا في حياة بعض المجتمعات، ولكنني أتحدث عن غالبية المبادرات التي لم يكن يدور في ذهن أصحابها سوى الاستعراض الإعلامي والمجتمعي بعيدا عن تلمس الحاجات الحقيقية للمجتمع!
سيكون خالد الكركي حزينا على المستوى اللغوي لطلبة الجامعة الأردنية.. وسنكون نحن حزينين، أيضا، على الإفلاس الذي وصل إليه جيل اليوم.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات