عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Jan-2026

الدولة المارقة: حين تنقلب الديمقراطية على ذاتها - قراءة مركبة*حسن الدعجة

 الغد

في مقالته المثيرة للجدل «America the Rogue State in Imperialism» التي نُشرت أولًا على موقع Countercurrents.org في 6/1/2026، ثم أعادت صحيفة الغد الأردنية نشرها مترجمة في 7/1/2026، يضع الصحفي والمفكر الأميركي كريس هيدجز مرآة قاسية أمام الولايات المتحدة. ليست مرآة أخلاقية فحسب، بل سياسية وتاريخية وتحليلية، تعكس مسارًا متدرجًا لتحول القوة الأعظم في العالم من نموذج ديمقراطي مُلهم إلى فاعل دولي يتصرف، في كثير من الأحيان، كـ»دولة مارقة» ترتدي ثوب الفضيلة وتغلف قراراتها بلغة القيم والمبادئ.
 
 
على مدى عقود، صاغت واشنطن سردية راسخة عن نفسها: حامية الديمقراطية، حارسة حقوق الإنسان، ومهندسة النظام الدولي القائم على القواعد. هذه السردية لم تكن مجرد خطاب رسمي، بل بنية فكرية وإعلامية ودبلوماسية شكّلت تصورات العالم عن الدور الأمريكي. غير أن العقدين الأخيرين كما يبيّن هيدجز: شهدا تآكلًا متسارعًا لهذه الصورة، ليس بفعل خصوم أميركا وحدهم، بل نتيجة سياساتها هي نفسها. ما كان يُقدَّم بوصفه استثناءات مؤقتة في زمن الأزمات تحول إلى نمط ثابت من السلوك، وما كان يُبرَّر باعتبارات أمنية عابرة تحوّل إلى استراتيجية حكم دائمة تُطبع بالقوة وتُسوّغ بالقانون الانتقائي والخطاب الأخلاقي المزدوج.
الدولة المارقة، في التحليل الذي يقدمه هيدجز، ليست مجرد دولة تنتهك القانون الدولي صراحة. إنها كيان يوظف القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي بصورة انتقائية، ويختار متى يلتزم بالقواعد ومتى يدهسها، بينما يلوّح بخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان كغطاء أخلاقي لفرض الإرادة. المفارقة أن هذا التعريف، الذي طالما استخدمته واشنطن لوصم إيران أو كوريا الشمالية أو روسيا، بات ينطبق بشكل متزايد على السلوك الأميركي ذاته.
داخليًا، تعيش الديمقراطية الأميركية أزمة بنيوية عميقة تتجاوز الخلافات التقليدية بين اليمين واليسار. لم يعد الاستقطاب مجرد تنافس سياسي مشروع، بل انقسامًا هوياتيًا وجوديًا يهدد العقد الاجتماعي نفسه ويعيد تعريف معنى المواطنة والانتماء. الأحزاب لم تعد تتنافس على البرامج والسياسات العامة، بل تتصارع على شرعية الطرف الآخر بوصفه تهديدًا للنظام لا خصمًا سياسيًا. القضاء بات ساحة صراع حزبي مفتوح، تُقرأ أحكامه من خلال الانتماء الأيديولوجي لا المعايير القانونية، فيما فقدت وسائل الإعلام موقعها كحكم محايد وتحولت إلى أدوات تعبئة واستقطاب. في المقابل، تراجعت ثقة المواطنين في الانتخابات والمؤسسات الدستورية إلى مستويات غير مسبوقة.
لحظة اقتحام الكونغرس في 6 كانون الثاني (يناير) 2021 لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل زلزال سياسي كشف هشاشة النظام الدستوري الأميركي. للمرة الأولى في التاريخ الحديث، حاول رئيس منتهية ولايته وأنصاره تعطيل انتقال سلمي للسلطة، ما كشف استعداد جزء من النخبة والجمهور لتقويض القواعد حين لا تخدم مصالحه، ونسف الأسطورة الأمريكية عن الديمقراطية الاستثنائية.
خارجيًا، تبدو الازدواجية الأمريكية أكثر فجاجة واتساعًا. فالولايات المتحدة ترفع راية حقوق الإنسان في المحافل الدولية وتنتقد الانتهاكات أينما وقعت، لكنها في الوقت ذاته تدعم - سياسيًا وعسكريًا وماليًا - حلفاء استبداديين حين يخدمون مصالحها الاستراتيجية أو يشكلون أدوات نفوذ إقليمي. تفرض واشنطن عقوبات قاسية وشاملة على دول بأكملها باسم الأخلاق والقانون الدولي، لكنها نادرًا ما تتحمل الكلفة الإنسانية لهذه الإجراءات على المدنيين العاديين. ولم تعد العقوبات مجرد أداة ضغط سياسية محدودة، بل تحولت إلى حرب اقتصادية صامتة تُجوع المجتمعات، وتُفكك النسيج الاجتماعي، وتُضعف الدول من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة.
الأخطر هو التعامل الانتقائي مع القانون الدولي. واشنطن ليست طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية، لكنها تطالب الآخرين بالمثول أمامها. تتحدث عن النظام القائم على القواعد، لكنها تحتفظ لنفسها بحق استخدام القوة دون تفويض أممي، كما حدث في العراق 2003 وليبيا 2011 وسورية لاحقا. هذه الازدواجية لا تُضعف النظام الدولي فحسب، بل تُفرغه من مضمونه، وتجعل القواعد أداة بيد الأقوى لا مرجعية جامعة للبشرية.
في هذا السياق، لا يمكن اختزال الأزمة في إدارة ترامب أو بايدن أو أي رئيس بعينه. إنها أزمة بنيوية لدولة إمبراطورية اعتادت صياغة القواعد ثم كسرها حين لا تناسبها. ومع صعود قوى منافسة مثل الصين وعودة روسيا كلاعب مركزي، تلجأ واشنطن إلى مزيد من الضغط العسكري والاقتصادي لتعويض تراجع نفوذها، بدلًا من التكيف مع عالم متعدد الأقطاب.
توصيف أمريكا بـ»الدولة المارقة» لم يعد خطابًا أيديولوجيًا راديكاليًا، بل قراءة واقعية لسياسات قائمة: حروب بلا تفويض، عقوبات جماعية، تسييس المؤسسات الدولية، وتراجع معايير الديمقراطية في الداخل. السؤال لم يعد: هل تنتهك واشنطن القواعد؟ بل: من يستطيع محاسبتها في نظام دولي غير متكافئ؟
الأثر الأعمق لهذا التحول ليس ما تفعله الولايات المتحدة بالآخرين فحسب، بل ما تفعله بالديمقراطية نفسها. حين تتحول القيم إلى شعارات، والحقوق إلى أدوات ضغط، تصبح الديمقراطية قناعًا للقوة لا إطارًا للعدالة. وفي عالم كهذا، لا تخسر الدول الضعيفة فقط، بل يخسر النظام الدولي برمّته، وتخسر فكرة الديمقراطية معناها الأخلاقي.
في مقال هيدجز ليس هجومًا على أميركا بقدر ما هو جرس إنذار: إمّا أن تستعيد واشنطن جوهر قيمها، أو ستصبح مثالًا حيًا على كيف يمكن للديمقراطية أن تنقلب على ذاتها وتولد دولة مارقة باسم الحرية.