ترامب.. عراب خطاب الكراهية
الغد-د. رشا سلامة و د. صدام المشاقبة
لا يمكن اعتبار عفوية ترامب في الحديث نتاج سذاجة سياسية أو اندفاع غير مدروس، بل هي استراتيجية اتصالية واعية تهدف إلى ضرب "التصنّع النخبوي" في مقتل، من خلال تبنّي لغة شعبية تفتقر إلى التجميل الدبلوماسي؛ إذ إن هذه العفوية هي المحرّك الرئيس لتيار واسع داخل الحزب الجمهوري، وتنسجم مع لغة العصر المبنية على البساطة والمكاشفة والخطاب المباشر. ويرى أنصار هذا الخطاب أن "اللباقة السياسية" لم تكن سوى قناع يرتديه السياسيون التقليديون لإخفاء الحقائق، بينما يمثّل ترامب "الحقيقة الواضحة" مهما كانت قسوتها.
نجح التيار "الترامبي" في إعادة تعريف مفهوم "الزعيم الجريء" كبديل للنموذج الرئاسي التقليدي الذي يلتزم شاشات الملقّن والكلمات المنتقاة بعناية، حيث برز ترامب كقائد يعتمد نهجًا اتصاليًا مدروسًا يحاكي لسان القاعدة الشعبية في أميركا التي تتبنّى صورًا نمطية سلبية تجاه فئات مجتمعية داخل البلاد وخارجها؛ وهو ما جعل تصريحاته تثير جدلًا واسعًا حول حدود الخطاب السياسي في الدولة الحديثة، مؤكِّدة أن ترامب ليس صوتًا منفردًا، بل واجهة لتيار عريض داخل الحزب الجمهوري يتبنّى رؤية قومية متشددة تجاه الهوية الوطنية والحدود، ويرى في الدبلوماسية التقليدية نوعًا من الضعف السياسي الذي يجب تجاوزه.
لقد استطاع ترامب، عبر هذا النهج الاتصالي المدروس، كسر اللغة البروتوكولية الرصينة التي التزم بها الرؤساء الأميركيون لعقود، مستبدلًا إياها بلغة مباشرة وصدامية تتجاوز اللباقة السياسية المتعارف عليها، حيث استهدف في خطاباته دولًا بعينها في أفريقيا والكاريبي بأوصاف حادة خلقت حالة من الصدمة الدولية. ولم يكن هذا التحوّل في الأسلوب مجرد تغيير في "التكتيك" الإعلامي، بل تكريسًا لسياسة "أميركا أولًا" التي تضع الاعتبارات القومية فوق أي التزامات أخلاقية أو بروتوكولية، مما مهّد الطريق لشرعنة لغة الإقصاء كأداة مشروعة في العمل السياسي الجماهيري.
إن هذا الانزلاق المقصود من النهج الاتصالي المدروس إلى الصدام اللفظي قاد بالضرورة إلى ما يمكن تصنيفه ضمن "خطاب الكراهية" الممنهج، خاصة بحق المهاجرين الذين تعرّضوا لعمليات شيطنة" واسعة عبر وصفهم بـ"المجرمين" و"الحيوانات" والادّعاء بامتلاكهم "جينات سيئة". ولم يكتفِ هذا الخطاب بنقد سياسات الهجرة، بل تجاوز ذلك إلى التحريض المباشر ضد جماعات بشرية بناءً على أصولها العرقية والجغرافية، مما حوّل المهاجر إلى "عدو وجودي" في نظر القاعدة الترامبية، وأسهم في تفكيك قيم التسامح والتعددية لصالح خطاب تعبوي يقوم على الكراهية وتغذية الانقسامات المجتمعية العميقة.
ففي عام 2018، نقلت تقارير إعلامية استخدامه لمصطلحات وصفت تلك الدول بـ"القذرة"، وهو ما لم يعد مجرد تسريب صحفي، بل أكّده ترامب شخصيًا في مناسبات لاحقة عام 2025 أمام أنصاره. ولم يقتصر الأمر على توصيفات عابرة، بل امتد ليشمل دولًا مثل الصومال التي وُصفت بأنها "أماكن كارثية ومقززة"، مما يعكس رغبة واضحة في تنميط جغرافيا معينة وربطها بالانحلال الأمني والاجتماعي.
تثير هذه التوجّهات تساؤلات حول كيفية تحوّل الخطاب السياسي إلى أداة للفرز البشري بناءً على الأصل القومي، وهو نهج يعيد إلى الأذهان سياسات أميركية تاريخية اتسمت بالانغلاق والعنصرية. فبالعودة إلى التاريخ، لم يكن ترامب الوحيد الذي واجه اتهامات بالعنصرية؛ فالرئيس أندرو جاكسون عُرف بسياساته القمعية تجاه السكان الأصليين، بينما تعرّض وودرو ويلسون لانتقادات حادة بسبب دعمه لسياسات الفصل العنصري. وحتى في العصر الحديث، واجه رؤساء مثل رونالد ريغان انتقادات لاستخدامه خطابًا رمزيًا اعتبره البعض موجّهًا ضد الأقليات، غير أن ترامب ذهب أبعد من ذلك بكسر كل الحواجز اللفظية والبروتوكولية.
من أكثر الجوانب حدّة في هذا الخطاب الميل نحو "نزع الصفة الإنسانية" عن بعض الفئات، حيث استُخدمت مفردات مثل "حيوانات" لوصف مهاجرين، مما يعزّز الانقسام المجتمعي الحاد. كما أن الإشارة إلى امتلاك المهاجرين "جينات سيئة" تمثّل تحوّلًا خطيرًا يربط الجريمة بالصفات الوراثية، وهو منطق يرفضه العلم الحديث والدراسات السوسيولوجية التي تركّز على البيئة والظروف الاقتصادية.
تطرح تساؤلات ترامب المتكرّرة حول سبب تفضيل المهاجرين من دول أوروبية مثل النرويج على غيرهم رؤية واضحة تفضّل الهجرة القائمة على "الخلفية الثقافية الغربية" معيارًا للقبول. وبينما يرى منتقدوه أن هذا التوجّه ينسف قيم التعددية، يصرّ مؤيدوه داخل الحزب الجمهوري على أن هذه اللغة تمثّل "الصراحة المطلوبة" لحماية الأمن القومي والحفاظ على استقرار الهوية الاجتماعية.
لعلّ الآنف يعيد المتلقي إلى سؤال جوهري: ما هو خطاب الكراهية؟ ومتى يكون بالإمكان اعتبار خطاب ما منطويًا على كراهية؟ وهل حين تلمّح نساء الحي إلى جنسية الجارة العزباء الجديدة يمكن اعتبار ذلك خطاب كراهية ضد جنسية ما وضد المرأة؟ وهل يرقى هذا إلى المستوى ذاته من خطاب الكراهية الذي يتحدّث به رئيس أقوى دولة في العالم حيال المتسلّلين المكسيكيين عبر الحدود؟
خطاب الكراهية هو تعبير شفوي أو مكتوب ينطوي على رأي سلبي حيال فئة ما، وقد يكون موجّهًا ضد فرد على محمل تمثيله لجماعة ما. ويستهدف عِرقًا بعينه، أو جنسًا، أو ميولًا جنسية، أو جنسيات، أو مجموعات عرقية أو دينية. وبالمجمل، يمكن أن تكون أي فئة عرضة لخطاب الكراهية، وله سمات رئيسة يمكن للمتلقي معرفته من خلالها، من بينها: الوصم، والتنميط، والتحريض، والتجييش، والقدح، والذم.
لكن متى يكون بالإمكان اعتبار خطاب ما منطويًا على كراهية إلى حدّ يجدر تسليط الضوء عليه إعلاميًا للتوعية حوله؟ بدايةً، حين يكون مطلق هذا الخطاب شخصية اعتبارية ذات تأثير؛ فحين يُقدم داعية أو أكاديمي أو إعلامي أو سياسي على تصدير خطاب كراهية، فإنه يملك تأثيرًا قويًا وحقيقيًا، ولا بدّ من مناقشة خطورته عبر وسائل الإعلام والمنابر الرسمية. ولا يعني ذلك أن خطاب الكراهية الذي قد يصدر عن أفراد عاديين ليس خطيرًا، لكنه يختلف في آليات التعامل معه تبعًا لمكانة صاحبه وانتشار خطابه والوسيلة المستخدمة في نقله، فضلًا عن السياق الذي ورد فيه.
كثيرًا ما ترتكب وسائل الإعلام خطأً، بدافع حسن النية أو السعي إلى سبق صحفي، يتمثّل في إعادة إنتاج وتدوير خطاب الكراهية. وقد حدث ذلك إبان الاعتداء على المسجد في نيوزيلندا عام 2019، حين لم تكتفِ بعض التغطيات بإيراد مقتطفات من خطاب منفّذ الهجوم، بل أفردت مساحة واسعة لنقل ما كتبه مؤيدوه، وما دوّنه على أسلحته، مع إحالات تاريخية مكثّفة، وهو ما شكّل مخالفات مهنية جسيمة أسهمت في تكريس الصور النمطية والتحريض.
وثمّة أخطاء إعلامية أخرى قد تقود إلى خطاب كراهية أو أفعال كراهية، من بينها ذكر جنسية الجاني، ما قد يسفر عن تشكيل صور نمطية تجاه جنسية بعينها، ويؤدي أحيانًا إلى أفعال ثأرية تندرج ضمن جرائم الكراهية. وقد شهد الإعلام العربي في أعوام خلت تغطيات أظهرت جنسية الجاني في عدد من الجرائم، من بينها مقتل الكاتبة أمل منصور، ما أفضى إلى موجة واسعة من خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لعلّ الثغرة الأكبر في التعامل مع خطاب الكراهية حتى اللحظة هي غياب القوانين الرادعة؛ إذ لا يوجد نص قانوني واضح يرسي أطرًا محددة له ويفرض عقوبات عليه، باستثناء بعض الجزئيات المتعلقة بالقدح والذم. وقد أفضى هذا الغياب إلى حالة من الاستسهال في تداول خطاب الكراهية وترويجه، بل وانخراط أكاديميين وكتّاب بارزين فيه، كما في حادثة ابنة رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز، حين جرى اجتزاء تصريح لها قبل تولّي والدها المنصب، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من خطاب الكراهية.
عود على بدء، يتضح أن ما فعله ترامب لم يكن مجرد تغيير في طريقة الكلام، بل نهج اتصالي مدروسًا يمهّد لتغيير القوانين والأنظمة التي قامت عليها أمريكا. فكسر بروتوكولات الحديث واللباقة الدبلوماسية ليس إلا خطوة أولى؛ فمن يملك الجرأة على تحدّي "أصول الكلام" الرئاسية، يملك القدرة ذاتها على تحدّي المؤسسات والقوانين، سعيًا لإعادة صياغة موازين القوى خارج القواعد التقليدية.
إن خطورة هذا المشهد تكمن في أن خطاب الكراهية لم يعد مجرد كلام في الشارع، بل بات يصدر من قلب السلطة، ليبرّر تجاوز القوانين بحجة تنفيذ إرادة الشعب، مهدّدًا الداخل الأميركي ومؤثرًا في شكل النظام الدولي القائم، عبر تهميش المؤسسات واستبدالها بخطاب تعبوي يقوم على الإقصاء والقوة.