عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Feb-2019

ترامب يشن حربه على أوروبا! - محمد مهدي عبدالنبي
الجزيرة 
 
في مايو 2018 طلب الرئيس دونالد ترامب من وزارة التجارة الامريكية أعداد تحقيقا استقصائيا عن "أثر الواردات على الأمن القومي للولايات المتحدة"، وأستمر التحقيق مع إشارات ترامب لفرض تعريفات جمركية على واردات الاتحاد الأوروبي من السيارات أسوة بتعريفاته على واردات الصين التي تراجع عن بعضها مؤقتا خلال الهدنة التجارية التي شارفت على الانتهاء.
 
وبعد ستة أشهر في نوفمبر 2018 تزامنا مع الانتخابات النصفية الامريكية رفعت وزارة التجارة أولى تقاريرها عن الواردات لإدارة ترامب وفروع الحكومة المختصة، إلا سيد البيت الابيض طالبهم بالمزيد من التحقيق وتسليم التقرير النهائي في 18 فبراير 2019، لاتخاذ قرار في خلال 90 يوم بشأن فرض تعريفات جمركية على واردات السيارات من اليابان وكوريا الجنوبية و"الاتحاد الأوروبي" تحديدا لتحقيق هدفين، الأول رفع معدل التوظيف الأمريكي، والثاني خفض العجز التجاري مع الاتحاد وحثه على تخفيف موانعه التجارية ضد الصادرات الامريكية
 
في فبراير 2019 وقعت الاتفاقية الأوروبية اليابانية التي تمحو نحو 94 في المائة من الرسوم الجمركية على واردات الاتحاد الأوروبي إلى اليابان، مما يوفر على الشركات الأوروبية نحو مليار يورو سنويا
خلال اليومين الماضيين جرت تسريبات عن فحوى تحقيق وزارة التجارة الأمريكية مفادها أن إدارة ترامب في طريقها لفرض تعريفات جمركية مضاعفة على السيارات الأوروبية ومكوناتها تصل إلى 25 في المائة بعد اعتبار تلك الواردات تهديدا للأمن القومي الأمريكي، حسب تسريبات التقرير الذى انتقدته على الفور المستشارة الالمانية انجيلا ميركل بقولها "أن مصنع BMW الألمانية يوجد داخل الولايات المتحدة نفسها وتحديدا في ولاية ساوث كارولينا وليس في بارفاريا الألمانية، ونحن نفخر بسيارتنا وأي تعريفات أمريكية عليها يثير القلق جدا ويعمق معاناة المستهلكين في العالم، لذلك أدعوا ترامب للحوار بهذا الشأن"
 
يأتي إثارة ملف ورادات السيارات الأوروبية إلى الولايات المتحدة في توقيت معقد للغاية حيث مفاوضات الهدنة التجارية الشاقة بين الجانبين الأمريكي والصيني وكذلك التداعيات السلبية لأزمة بريكست المستمرة والتي ساهمت خلال عام 2018 في تراجع إنتاج السيارات في بريطانيا بنسبة 9.1 في المائة ليصل إلى 1.52 مليون سيارة، مع تراجع حجم الاستثمارات بنحو 45.5 في المائة لتصل إلى 588.6 مليون إسترليني، بالإضافة تراجع نشاط التصنيع في منطقة اليورو لأدنى مستوياته خلال أربع سنوات ماضية، وهو ما يستدعى المرور على بعض تفاصيل مشهد الواردات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الامريكية من خلال النقاط التالية
 
أولا، أكثر من 56.5 مليار دولار هي حجم الصادرات الاوروبية من السيارات ومكوناتها للأسواق الامريكية وهذا جزء من صورة كبيرة جدا من تجارة الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة التي تبلغ أكثر من 1.1 تريليون دولار سنويا.
 
ثانيا، نحو 294 مليار دولار هي قيمة الصادرات الامريكية التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرض رسوما جمركية عليها ردا على خطوة ترامب حال رفع رسومه على سيارات الاتحاد إلى 25 في المائة، وهو رقم كبير للغاية يمثل نحو 19 في المائة من اجمالي الصادرات الامريكية
 
ثالثا، في فبراير 2019 وقعت الاتفاقية الاوروبية اليابانية التي تمحو نحو 94 في المائة من الرسوم الجمركية على واردات الاتحاد الأوروبي إلى اليابان، مما يوفر على الشركات الاوروبية نحو مليار يورو سنويا من الرسوم الجمركية، وفى المقابل تتمتع واردات اليابان إلى الاتحاد الأوروبي بتخفيض بنحو 99 في المائة من الرسوم الجمركية، على أن يتم الغاء الرسوم كاملة على بعض المنتجات "منها الأجهزة الإلكترونية والسيارات" بين عامي 2024 و2026، وهو الأمر الذى يثير قلق كبير حاليا لكلا من الولايات المتحدة والصين على حد سواء تجاه هذا التحالف الأوروبي الياباني المؤثر.
 
يبدو أن مخاطر اقدام أدارة ترامب على تنفيذ توصيات تقرير وزارة التجارة بفرض تعريفات جمركية على واردات السيارات الأوروبية هو ما يضر فعلا بالأمن القومي الأمريكي وليس العكس
رابعا، نحو 300 مليار دولار هو حجم صادرات المانيا من السيارات للعالم وهو جزء مهم جدا في قطاع الصناعة الألماني الذى يعد الرافد الاول للناتج الإجمالي لألمانيا بنحو 22.9 في المائة، بالإضافة إلى أن عدد السيارات المنتجة خارج المانيا الاتحادية تعادل ضعف السيارات المنتجة داخلها وهو الأمر الذى يضر برلين جدا في حال استمرار تبادل لكلمات التعريفات الجمركية بين امريكا والصين التي تستورد سنويا نحو 155 ألف سيارة المانية مصنعة في الولايات المتحدة من ماركات BMW ومرسيدس، كما صدرت المانيا نحو 470 ألف سيارة فقط من أصل 18 مليون سيارة بيعت في الولايات المتحدة الامريكية خلال عام 2018.
 
خامسا، نحو 299 مليار دولار هو فائض المانيا الجاري خلال عام 2018 وهو الأكبر عالميا بعد تفوق قوتها التصديرية على وارداتها بنحو 265 مليار دولار، وعلى جانب أخر يحتل العجز الجاري الأمريكي المركز الاول عالميا بنحو 420 مليار دولار، وهو المشهد المؤلم جدا لترامب والمحفز الرئيسي لفرض تعريفات جمركية على واردات السيارات الالمانية تحديدا التي تصيبها خسائر فورية بنحو 21 مليار دولار سنويا ويهددها بشبح ركود اقتصادي ويقلص من توقعات النمو للاقتصاد الألماني من 2.25 في المائة إلى 1.7 في المائة فقط، رغم أن التواجد الخارجي لشركات السيارات الألمانية في الأراضي الأمريكية خلق نحو 114 ألف فرصة عمل أمريكية خلال 2018.
 
سادسا، يبدو أن مخاطر اقدام أدارة ترامب على تنفيذ توصيات تقرير وزارة التجارة بفرض تعريفات جمركية على واردات السيارات الأوروبية هو ما يضر فعلا بالأمن القومي الأمريكي وليس العكس، وهذا ما أكده تقرير مركز أبحاث السيارات في متشيجان حيث الجانب الإيجابي الوحيد هو بدء رواج مؤقت لأسواق السيارات المستعملة، لتتعدد الجوانب السلبية الاخرى من خسائر الوظائف الامريكية في هذا القطاع لقوة عمل كبيرة قد تصل إلى 367 ألف وظيفة بالإضافة إلى تراجع مبيعات السيارات في الولايات المتحدة بنحو 1.3 مليون سيارة سنويا وزيادة أسعارها في المتوسط بنحو 2750 دولار.
 
سابعا، في مايو 2019 يصادف أخر موعد لتفعيل تعريفات أمريكية على سيارات الاتحاد الأوروبي حال عدم التوصل لاتفاق بهذا الشأن، وهو نفس الشهر الذي ينتهي فيه الاعفاء الأمريكي لثمان دول من استيراد النفط الإيراني الذى تحاول المانيا وفرنسا تفعيل قناة مالية للالتفاف على العقوبات الأمريكية ضد طهران، وهو أيضا شهر انتخابات البرلمان الأوروبي بعد انفصال بريطانيا رسميا وصعود موجة شعبوية أوروبية محتملة، وربما يكون الشهر الذى تنتهى فيه هدنة جديدة بين أمريكا والصين!
 
ختاما، أمام تلك الغيوم الثقيلة كلها هل تبدو الحلول المنطقية قريبة، ومتى يتنفس الاقتصاد العالمي الصعداء؟
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات