عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Sep-2022

دروس للفلسطينيين من نضال السود في جنوب أفريقيا‏

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة‏‏

‏‏‏ران غرينشتاين* – (مجلة 972+) 11/9/2022
‏مع تزايد المقارنات بين نظامي الفصل العنصري الإسرائيلي والفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يجب أن ننظر في الاستراتيجيات المختلفة التي اعتمدتها كلتا حركتي المقاومة.‏
 
* * *
يجب أن يُعرف هندريك فيروورد، رئيس وزراء جنوب أفريقيا السابق الذي يعد “مهندس سياسة الفصل العنصري”، بأنه أحد المهندسين الأصليين لمقارنة الفصل العنصري الإسرائيلي بالجنوب أفريقي أيضاً. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1961، أعلن في صحيفة راند ديلي ميل: “إن إسرائيل، مثل جنوب أفريقيا، هي دولة فصل عنصري”، بعد الاستيلاء على فلسطين من العرب الذين “عاشوا هناك لمدة ألف عام”. وكان فيروود يقصد أن يكون هذا ثناء على إسرائيل، بطبيعة الحال. لكن ذلك كان، بالنسبة للآخرين، سببًا آخر لإدانة إسرائيل في ‏‏المحافل الأفريقية والعالمية‏‏ بسبب احتلالها للأراضي الفلسطينية في العام 1967 وغيره من انتهاكاتها للحقوق الفلسطينية.‏
‏‏منذ ذلك الحين، ركز تشبيه الفصل العنصري الإسرائيلي بالجنوب أفريقي إلى حد كبير على سياسات النظام -التمييز في القوانين، والقمع السياسي، ونزع ملكية الأرض- كما هو موضح في التقارير الأخيرة التي أعدتها جماعات حقوق الإنسان ‏‏المحلية‏‏ ‏‏والعالمية‏‏، مرددة صدى عمل المفكرين والمنظمات الفلسطينية والجنوب أفريقية من قبل. وبالمثل، فإن التفاعلات العلمية مع هذا التشبيه، والحملات السياسية المحيطة به، تظهر اهتمامًا حصريًا تقريبًا بالمقارنة بين سياسات الفصل العنصري في كل من جنوب أفريقيا وإسرائيل.‏
ولكن على أرض الواقع، ثمة بُعد آخر لهذا التشبيه كان واضحاً منذ فترة طويلة. منذ العام 1948 -وهو العام الذي أعلنت فيه إسرائيل استقلالها وأنشأت فيه جنوب أفريقيا رسميًا نظام الفصل العنصري- تزامنت الانتفاضات الفلسطينية ضد الحكم الوحشي ومصادرة الأراضي مع أعمال احتجاجية مماثلة قام بها السود في جنوب أفريقيا. فعلى سبيل المثال، تزامن ‏‏احتجاج يوم الأرض‏‏ الفلسطيني في آذار (مارس) 1976 مع انتفاضة سويتو في حزيران (يونيو) من العام نفسه؛ وبعد عقد من الزمان، تزامنت ثورة البلدات الجنوب أفريقية في الثمانينيات مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي بدأت في كانون الأول (ديسمبر) 1987.‏
في كلا المكانين، بدا أن بإمكان انتفاضة عفوية يقودها الشباب، مدعومة من المنظمات المجتمعية والنقابات العمالية، أن تركِّع نظام الهيمنة العرقية. وفي حين أن ذلك حدث بالفعل في جنوب أفريقيا، فإن النجاح في فلسطين كان أكثر محدودية. وقد تم التراجع الآن عن تخفيف في الحكم العسكري الإسرائيلي المباشر خلال عملية أوسلو أثناء الانتفاضة الثانية وبعدها، مع تكثيف إسرائيل سياساتها المتمثلة في نزع الملكية، والاستيطان ‏‏و”الحفرادة”‏‏ (حرفيًا، الفصل العنصري).‏
في حين شهد العقدان الماضيان في فلسطين ترسيخًا إضافيًا للهيمنة الإسرائيلية، كان هناك انتقال في جنوب أفريقيا نحو الديمقراطية والمساواة في الحقوق القانونية والسياسية (وإن كان ذلك مع عدم المساواة الاقتصادية الشديدة والتفاوتات العرقية المستمرة). ولا عجب في أن نجاح النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أصبح بارزا كموضوع تاريخي للتشبيه، وكدرس أخلاقي واستراتيجية للتغيير. ولكن، إلى أي مدى يتناسب التشبيه بين حركات المقاومة حقًا، وما الدروس التي يمكن استخلاصها من اختلافاتها؟‏
‏تشكيل هوية وطنية جامعة
‏يولي كتابي الجديد، “المقاومة المناهضة للاستعمار في جنوب أفريقيا وإسرائيل/ فلسطين: الهوية والقومية والعرق”، (روتليدج، 2022)، اهتمامًا خاصًا لتصورات واستراتيجيات المقاومة على مدار القرن الماضي في البلدين.‏
ويختلف المنظور الوارد في الكتاب عن منظور الدراسات المقارنة الأخرى لجنوب أفريقيا وإسرائيل/ فلسطين في ثلاثة جوانب رئيسية. أولاً، يركز الكتاب على طبيعة المقاومة بدلاً من التركيز على نظام الهيمنة. ثانيًا، ينظر الكتاب إلى الحركات ذات التوجهات القومية واليسارية الراديكالية على أنها قوى دينامية استجابت للتحديات الاجتماعية والتاريخية، بدلاً من تقديم مجموعة ثابتة من المبادئ القانونية والسياسية. وثالثًا، يعتبِر المسار السياسي لجنوب أفريقيا موضوعًا في حد ذاته، أكثر من كونه معيارًا يُستخدم لدراسة النضال الفلسطيني.‏
تأخذ الكثير من الأدبيات الحالية أولوية تحالف حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” (ANC) في النضال ضد الفصل العنصري كشيء مسلم به، من دون دراسة العملية التاريخية لصعوده إلى مثل هذا الموقف. وعلى النقيض من ذلك، أدرس صعوده باعتباره نتيجة للمنافسة مع القوى السياسية الأخرى، وخاصة “الأفريكانية” و”الوعي الأسود”، التي كانت تتمتع بنفس قوته في فترات معينة.‏
يتطلب تكشُّف المقاومة المناهضة للهيمنة فهم وجهة نظر النشطاء والمثقفين الذين كانوا ينتمون إلى حركات مناهِضة للاستعمار، والذين عملوا في الغالب خارج حدود الأكاديمية. ولعل الأكثر أهمية هي الطرق التي نظَّروا بها لشروط نضالاتهم، وتعرفوا بها إلى الحلفاء المحتملين والأعداء الفعليين، وحددوا بها الاستراتيجيات والحلول، وواجهوا بها القمع بطريقة خلاقة من خلال صياغة مواقف مبدئية وبرامج عمل قابلة للتطبيق.‏
بالنظر إلى الوراء الآن، ربما يظهر قوس تاريخي عظيم في المشهد. في جنوب أفريقيا، بدأت المقاومة من أساس هزيل. كان السود في جنوب أفريقيا مجزئين سياسيًا وذائبين اجتماعيًا، في وضع التابع الخاضع، في دولة تم بناؤها من خلال التعاون بين مختلف مجموعات المستوطنين البيض. ومع اكتساب النشطاء السود الثقة بسبب التعبئة المحلية المستوحاة من النضالات الإقليمية المناهضة للاستعمار وغيرها من التطورات العالمية، غيرت الحركة أهدافها: من السعي إلى الاندماج في الهياكل التي يهيمن عليها البيض إلى المطالبة بإصلاح شامل للصرح السياسي بأكمله.‏
‏استندت الاستراتيجية النضالية في جنوب أفريقيا إلى أساس مادي متين: مركزية العمال السود كمزوِّدين للعمالة الرخيصة التي لا غنى عنها لربحية رأس المال وازدهار البيض. وقد مكنهم ذلك من استخدام موقعهم الاقتصادي كوسيلة ضغط لإحداث التغيير السياسي داخل النظام. ولهذا السبب، كان من الواضح أن موقع أهم الحملات السياسية والاجتماعية كان داخل البلد؛ كما لعبت أعمال المناصرة والأعمال العسكرية التي قامت بها القيادة في المنفى وحركات التضامن في الخارج أدوارًا مهمة أيضاً، لكن إنجازاتها كانت تتوقف على تقدم النضال الشعبي الداخلي.‏
في هذه العملية، تم إنشاء هوية وطنية شاملة: كانت جنوب أفريقيا مفتوحة، بالإمكان، لجميع أفراد شعبها بغض النظر عن خلفيتهم العرقية والإثنية، على الرغم من التركيز السياسي المتباين على اللاعنصرية و”الأفريكانية” و”الوعي الأسود”. وجمع خطاب النضال -وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي على وجه الخصوص- بين النداءات الموجهة إلى فئات جماهيرية محددة معرَّفة بهويتها وبين الرسائل التي خاطبت المفاهيم العالمية عن الطبقة، والحرية، والديمقراطية والعدالة. وقد سهَّل هذا النهج تحركاً نحو حل تفاوضي والانتقال السياسي في التسعينيات الذي أنهى الفصل العنصري.‏
القوميات المتباينة في فلسطين/ إسرائيل‏
‏في الوقت نفسه، تحركت الحركة الوطنية الفلسطينية في اتجاه مختلف إلى حد ما. بدأ الفلسطينيون، المهددون بفقدان وطنهم بسبب تطلعات الحركة الصهيونية، بالمطالبة بالسلطة السياسية باعتبارهم الأغلبية الديموغرافية والمالك التاريخي للبلاد. وعلى الرغم من أنهم كانوا على استعداد لاستيعاب اليهود كأقلية، إلا أن ذلك كان يجب أن يتم من موقع القوة -كتنازل- من دون إضعاف المُلكية العربية للأرض.‏
جعلت حقيقة امتلاك الفلسطينيين الغالبية العظمى من الأرض حتى العام 1948، وأن عدداً قليلاً منهم فقط كانوا يعملون لدى اليهود الذين لم يصبحوا بدورهم معتمدين على عملهم الخاص أبداً، من مطالبتهم التاريخية بالاستقلال أقوى. لكن الأهم من ذلك، أن ذلك حرمهم أيضًا من نوع الرافعة المتاحة لنظرائهم السود في جنوب أفريقيا.‏
‏تم تحطيم هذا الموقف مع نكبة العام 1948. ومع ذلك، بمجرد أن بدأت الحركة الفلسطينية في التعافي من الهزيمة العسكرية وتشتُّت شعبها، واصلت المطالبة بالمُلكية الوحيدة للبلاد. وفي الوقت نفسه، بدأت في تغيير موقفها فيما يتعلق بالمستوطنين اليهود الذين لم يعودوا أقلية في البلد: إنهم ما يزالون يعتبرون غرباء استندت سيطرتهم إلى استخدام القوة غير المشروعة، ولكن لا بد من استيعابهم في أي ترتيب مستقبلي -كتنازل للواقع، وليس كحق.
كان شعار فلسطين ديمقراطية علمانية يعيش فيها الجميع على قدم المساواة، والذي تبنته حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، باختلافات طفيفة، منذ العام 1970 اختراقا مفاهيميا كبيرا. لكنه صيغ ضمن إطار قومي عربي أو فلسطيني-عربي لم يعتبره اليهود الإسرائيليون أبدًا شاملا حقا. وفي حين أن القومية المناهِضة للاستعمار في جنوب أفريقيا شملت جميع السكان، على الأقل من الناحية النظرية، لعبت القومية العرقية في إسرائيل/ فلسطين دورًا تقسيمياً.‏
‏‏لم تظهر بعد هوية وطنية شاملة يمكن أن تشمل كل المجموعات، حتى لو كان ذلك من الناحية النظرية فقط. وفي غياب مثل هذه الهوية، اتخذت الحلول التوفيقية منذ أواخر التسعينيات فصاعدًا شكل سيادة منفصلة -لفلسطينيين على أساس إقليمي يتقلص باستمرار- بدلا من المشاركة داخل الهياكل السياسية الشاملة، كما هو الحال في جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري. وسواء كان الهدف دولة واحدة أو ثنائية القومية، أو اتحادا فيدراليا أو كونفدراليا، فمن المرجح أن يستند الحل المستدام إلى الاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية، استنادا إلى هويات وطنية متمايزة.‏
هل هناك طريق للمضي قدما؟‏
‏من خلال تقديمه سرداً تاريخياً، لا يمكن لكتابي أن يقدم وصفة للتقدم المستقبلي في النضال الفلسطيني. لكنّ من الممكن تحديد الدروس المستفادة من تجربة جنوب أفريقيا، والتي تبرز ثلاثة منها على وجه الخصوص.‏
الأول هو الحاجة إلى التعبئة الجماهيرية داخل البلاد باعتبارها القوة المركزية التي تمارس الضغط على النظام وتضغط من أجل التغيير، والتي تشمل العمال، والطلاب، وأعضاء المجتمع، والتجمعات الدينية، والمنظمات غير الحكومية وغيرها من هياكل المجتمع المدني. وقد لعب الكفاح المسلح -الذي يقوم به عادة مقاتلون متمركزون خارج البلد- دورًا، وزاد التضامن الخارجي من الضغط، لكنّ الدور الرئيسي في الصراع ظلت تضطلع به القوى الداخلية.‏
الدرس الثاني هو الحاجة إلى التنظيم على أساس غير طائفي لتسهيل حركة تتجاوز الانقسامات العرقية والإثنية التي تفرضها الدولة. ولعل أحد أعظم أصول حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي سمح له بأن يصبح مهيمنا، كان منظوره غير العنصري الذي سلط الضوء على الدور المركزي للجماهير السوداء المضطهدة، لكنه خلق مساحة لجميع الذين يرغبون في العمل من أجل الديمقراطية والعدالة، بغض النظر عن خلفياتهم. وبهذه الطريقة، تم تشجيع شريحة صغيرة -ولكنها مهمة- من المجموعة المهيمنة -الشباب البيض على وجه الخصوص، وإلى حد ما قسم من مجتمع الأعمال- على فك الارتباط مع النظام، وتقويض شرعيته، وتقديم الدعم للحركة الجماهيرية.‏
الدرس الأخير، الذي يتعارض إلى حد ما مع النقطة السابقة، هو الحاجة إلى صياغة نداءات متزامنة محددة إلى الجماهير التي تُنظَّم عادة على أساس العرق والإثنية والدين، ضمن مجموعة من المبادئ العالمية للعدالة والإنصاف وحقوق الإنسان والمساواة والديمقراطية. وهذا يعني الجمع بين الشواغل القائمة على الهوية للمجموعات، والتي هي ضرورية للتعبئة الجماهيرية المحلية، والشواغل الأوسع نطاقًا، التي تظل ضرورية لعبور حدود المجموعات وتعبئة الدعم الخارجي. وهذا يساعد على جعل النضال المحلي أكثر شمولا، ويسهل جهود التضامن العالمية.‏
أما إلى أي مدى يمكن تطبيق الدروس المستفادة من حالة معينة على حالة أخرى، فيظل بطبيعة الحال سؤالا مفتوحا. ولكن بالنظر إلى المكانة الأيقونية التي اكتسبها النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، فإنه ربما يكون قادراً على اقتراح طريقة للمضي قدمًا. ويبقى القرار النهائي فيما يتعلق بالدروس التي تعد صالحة، وكيف يمكن تطبيقها في النضال الفلسطيني، في أيدي أولئك الذين يعملون في الخطوط الأمامية.‏
 
*ران غرينشتاين Ran Greenstein: هو أستاذ مشارك في علم الاجتماع في جامعة ويتواترسراند في جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا. من بين منشوراته ‏‏”الصهيونية وسخطها: قرن من المعارضة الراديكالية في إسرائيل‏‏/ فلسطين” Zionism and its Discontents: A Century of Radical Dissent in Israel/Palestine، (بلوتو، 2014)، ‏‏و”المقاومة المناهضة للاستعمار في جنوب إفريقيا وإسرائيل/ فلسطين: الهوية، والقومية، والعرق”‏‏ Anti-Colonial Resistance in South Africa and Israel/Palestine: Identity, Nationalism, and Race، (روتليدج، 2022)‏.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What lessons can Palestinians really take from the struggle of Black South Africans?