الغد
جون سوبيل* - (الإندبندنت) 2026/2/4
يمتلك الرئيس دونالد ترامب، على الرغم من خطابه المتنمر، حدساً سياسياً يجعله يتراجع حين يواجه خطر الإذلال، فيما تؤدي اندفاعات فريقه الأمني المتطرف وفضائح "آيس" في مينيابوليس إلى أزمة سياسية تعمق مأزقه وتكشف حقيقة المحيطين به.
نعرف جميعاً السردية الشائعة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصفته متنمراً: فهو رجل يستخدم نفوذه، ويلجأ إلى الترهيب والتهديد، ويعمل على تقويض أي أحد يقف في طريقه، ويؤمن بأن القوة هي معيار الحق. وقد رأينا هذا النمط يتكرر مراراً عدة خلال العام الماضي. ويمكن ملاحظة ذلك حتى في ملامح وجهه: من خلال الشفتين المضمومتين بإحكام، وعينيه المقطبتين كما فتحتي أنفه، وقبضتي يديه المستندتين إلى مكتبه "ريزولوت" في البيت الأبيض، يبدو الرئيس وكأنه يستشعر مواطن الضعف لدى خصمه من على بعد 100 خطوة.
إلا أن الجانب الأقل تقديراً وشهرة في شخصية دونالد ترامب والذي يجعله سياسياً أكثر براعة ودهاء مما توحي به الصورة الكاريكاتيرية الشائعة عنه، يتمثل في امتلاكه حساً مرهفاً تجاه الخطر. كما هو الحال مع ظباء "كودو" الأفريقية التي تحرك آذانها بطريقة دائرية وتبدأ بالارتعاش مثل رادار إنذار مبكر عندما تدرك أن حيواناً مفترساً يقترب منها، فإن دونالد ترامب يتمتع بقدرة حادة تتيح له استشعار الموقف الذي قد يعرضه لإذلال سياسي.
هذا في الواقع ما يميزه عن المهرجين والبلطجية ذوي النزعة الفاشية الذين أحاط نفسه بهم في هذه الإدارة. في عهده الرئاسي الأول، كان هناك من يجرؤ على الاعتراض داخل غرف الاجتماعات، وعلى التنبيه إلى عيوب سياسات معينة وأخطارها. أما هذه المرة، فالكلمتان الوحيدتان اللتان يسمعهما سيد البيت الأبيض من مساعديه هما: "نعم، سيدي". لا بل إن هؤلاء المساعدين يسعون إلى كسب المزيد من نقاط الرضا عبر المضي إلى أبعد مدى وبسرعة، وبقدر أكثر بكثير مما طلب منهم في الأساس.
سنعود بعد قليل لتسليط الضوء على مجموعة الشخصيات غير المؤهلة التي أسهمت في تفاقم الكارثة السياسية التي تعانيها مدينة مينيابوليس، لكن ما يجري لا يقتصر على الأحداث التي شهدتها ولاية مينيسوتا الواقعة في شمال الغرب الأوسط للولايات المتحدة، والتي كانت في يوم من الأيام مثالاً على الحياة الرتيبة والروتين الممل.
خلال الأسبوعين اللذين سبقا كتابة هذه السطور، شهدنا الرئيس الأميركي وهو يهدد بتفكيك "التحالف الدفاعي الغربي" (الناتو)، من خلال إصراره على ضم جزيرة غرينلاند. كان متمسكاً بذلك بأي وسيلة، مع تهديد واضح بأنه سيستولي على ذلك الإقليم الدنماركي السيادي بالقوة إذا ما اقتضت الحاجة. لكنه سرعان ما تراجع تماماً عن تهديداته بعد أن اصطدم بتضامن أوروبي (وهو أمر نادر الحدوث). ويبدو أنه قد يحصل على نوع من الاتفاق لتعزيز وجود القوات الأميركية على تلك البقعة الجليدية من القطب الشمالي، لكن هذا المخرج كان دائماً مطروحاً.
في طريق عودته من "منتدى دافوس"، أجرى دونالد ترامب مقابلة جمعت بين الوقاحة المثيرة للذهول والجهل الصارخ بالدور الذي قامت به قوات "حلف شمال الأطلسي" في أفغانستان. وقال في المقابلة إن تلك القوات "ظلت بعيدة بعض الشيء عن خطوط القتال الأمامية". وبغض النظر عن وقاحة رجل لم يرتد زياً عسكرياً قط، فإن كلامه كان خاطئاً للغاية. فقد دفع أكثر من 450 بريطانياً حياتهم ثمناً لما حدث في أفغانستان، وعاد كثيرون آخرون إلى بلادهم بإصابات غيرت مجرى حياتهم إلى الأبد.
مع تصاعد الغضب وردود الفعل العنيفة، تراجع ترامب ونشر على حسابه في منصته الاجتماعية منشوراً أشاد فيه بشجاعة المقاتلين البريطانيين الذين حاربوا جنباً إلى جنب مع نظرائهم الأميركيين. كان يعلم أنه أخطأ في إعلان موقفه من هذه القضية، وقام بتصحيح المسار.
الآن، ثمة شيء واحد ينبغي فهمه فيما يتعلق بتراجع ترامب، هو أن أحداً لن يسمع منه أبداً كلمة "آسف"، كما لن يسمعه أحد يقول: "لقد ارتكبت خطأً". صحيح أن الأمر قد يبدو أكثر لياقة لو فعل، لكن ذلك لن يحدث، ببساطة. لكنّ الحقيقة تتمثل في أن ترامب قادر فعلاً على التراجع عن مواقفه، وإعادة النظر فيها. فهو يدرك تماماً حدود ما يمكنه الإفلات به.
وهذا يعيدنا من جديد إلى أحداث مينيابوليس. وقائمة الشخصيات المشاركة فيها من فريق ترامب تتجاوز حدود القتامة. هناك شخص في "إدارة الهجرة والجمارك" (اختصاراً "آيس" ICE) كان مسؤولاً عن العملية عند إطلاق النار على أليكس بريتي مرات عدة بينما كان ملقى على الأرض في وضع يعجز فيه عن الدفاع عن نفسه، ومن دون أن يبدي أي مقاومة. وكان ذلك اختياراً غير موفق على الإطلاق، حيث قاموا بانتقاء الشخص الخطأ لبناء روايتهم عن "إرهابي محلي". كان بريتي ممرضاً يعمل في قسم العناية المركزة بمستشفى للمحاربين القدامى، وليس له أي سجل جنائي.
الرجل المسؤول عن العصابات التي روعت سكان المدينة هو غريغ بوفينو صاحب العضلات المفتولة، الذي يشبه إلى حد كبير شخصية ستيفن جي لوكجو التي جسدها شون بين في فيلم "معركة تلو الأخرى". ويعمل بوفينو تحت إشراف كريستي نويم وزيرة الأمن الداخلي الأميركية، التي تبدو في ظهورها الإعلامي وكأنها شاركت في فيلم "باربي"، حيث ترتدي دائماً زياً جديداً يتناسب ومهام "إدارة الهجرة والجمارك" -من قبعات رعاة البقر الكبيرة إلى الملابس العسكرية المزيفة.
غير أن العقل المدبر الحقيقي وراء حملة القمع هذه هو ستيفن ميلر، الذراع اليمنى لدونالد ترامب. فهو شخص مثير للاستفزاز، ويبدو مستعداً لإشعال حرب في شوارع مينيابوليس لتبرير اتخاذ مزيد من الإجراءات المتطرفة، أملاً في أن تصب في مصلحة ترامب في انتخابات التجديد النصفي المقبلة في تشرين الثاني (نوفمبر). إنه نسخة معاصرة من شخصية "دكتور سترينغلوف" (المستشار العلمي النازي المقعد، في الفيلم الساخر للمخرج ستانلي كيوبريك).
حاول هؤلاء الثلاثة الترويج لرواية لم يصدقها أحد: أن الممرض أليكس بريتي كان على وشك ارتكاب مجزرة. وقد أشيع أنه كان مسلحاً (صحيح أنه كان يحمل مسدساً، لكنه لم يحاول إخراجه من الجراب الذي كان مربوطاً على فخذه، مع العلم أن مينيسوتا هي من الولايات الأميركية التي تسمح بحمل السلاح علناً، لذا كان الأمر قانونياً تماماً)، وأنه كان لا بد من إيقافه. وقد تحدثت الرواية عن أن ما حصل كان دفاعاً عن النفس من جانب عناصر "إدارة الهجرة والجمارك"، الذين شعروا بأن حياتهم كانت في خطر.
السبب في عدم تصديق أحد هذه السردية هو أن بريتي وسائر المتظاهرين كانوا يمتلكون أسلحة أشد فتكاً من أي مسدس من عيار 9 ملم: هواتفهم الذكية، التي وثقت من كل زاوية تقريباً تسلسل الأحداث التي قادت إلى وفاته المبكرة.
وهكذا وجد مهندسو الدعاية في البيت الأبيض أنفسهم مهزومين ومكشوفين، بعدما أمضوا العام الماضي في محاولة إعادة تشكيل الواقع وصياغته وفق أهوائهم بغض النظر عن الحقائق، لتتحول أكاذيبهم الفاضحة حول هذه الحادثة إلى مادة للسخرية. وقد أدرك دونالد ترامب أن الأمور تنزلق بسرعة نحو الخروج عن السيطرة، وأن ما يجري ينطوي على أخطار سياسية أوسع نطاقاً. أما مساعدوه، فلم يستوعبوا ذلك.
من أبرز المهارات الأخرى التي يتمتع بها ترامب حدسه الغريزي في ما يتعلق باتجاهات الرأي العام. كان وعده بالتشدد في مواجهة الهجرة غير النظامية أحد الأسباب الأساسية لفوزه في الانتخابات الأميركية الأخيرة. غير أن الطريقة التي انتهجها لتنفيذ هذا الوعد أثارت موجة واسعة من الاستياء: فرق اعتقال خاطفة، وجوه مغطاة بالأقنعة، عنف مفرط، وسقوط مدنيين أميركيين كانوا يمارسون حقهم المشروع في الاحتجاج. وكانت هذه جميعها مشاهد صادمة لكثيرين، لأنها كانت في جوهرها مناقضة للقيم الأميركية.
لذا، ليس مستغرباً أن يشعر ترامب بالقلق. لقد أفضى إصراره على إحاطة نفسه بدائرة من الأشخاص "المطيعين" إلى كارثة سياسية يحتمل أن يكون ثمنها باهظاً عليه. كما أن خصومه باتوا الآن يلمسون هذا الضعف.
*جون سوبيل Jon Sopel: صحفي ومذيع بريطاني بارز. شغل منصب محرر شؤون أميركا الشمالية في "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي. بي. سي) بين العامين 2014 و2021، حيث واكب من واشنطن أبرز التحولات السياسية، بما في ذلك رئاسة دونالد ترامب. بدأ مسيرته المهنية في إذاعة (بي. بي. سي) المحلية قبل أن يتدرج في مناصب تحريرية وتقديمية داخل المؤسسة، حيث قدّم برامج إخبارية وتحليلية معروفة. انضم بعد مغادرته إلى محطة "غلوبال" ليشارك في إطلاق وتقديم بودكاست سياسي ناجح بعنوان "ذا نيو إيجنت"، حيث يقدّم تحليلات يومية معمّقة للأحداث السياسية البريطانية والدولية. يُعرف بأسلوبه التحليلي الرصين وحضوره الإعلامي المؤثر في تغطية القضايا العابرة للأطلسي.