عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Mar-2026

وهم السلام بالقوة*جمال الكشكي

 الغد

مشعلو الحرائق عادة يندفعون نحو أهداف بعينها، يشعلون النار وهم يظنون أنهم قادرون على ضبط مسارها، لكن النار حين تخرج من عقالها لا تعترف بحدود، أو حسابات. 
 
 
تبدأ شرارة صغيرة في غرفة مغلقة، ثم سرعان ما تجد طريقها إلى الريح، فتتحول إلى حريق واسع، لا يعرف الذين أشعلوه كيف يطفئونه، ولا كيف يعيدونه إلى النقطة الأولى.
في ضوء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وما أعقبه من رد إيراني أخذ يتوسع إقليميا، دخلت المنطقة منعطفا استنزافيا خطيرا، تتبدل فيه قواعد الاشتباك، ويتسع فيه المسرح الجغرافي للحرب.
لم يعد الأمر مجرد ضربة محدودة أو رد محسوب، كحالة فنزويلا في يناير الماضي، فالمواجهة صارت أقرب إلى حلقة من حلقات الاستنزاف الطويل، حيث تتآكل القدرات تدريجيا، وتتشابك الجبهات، وتتضاعف احتمالات الخطأ وسوء التقدير.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، هل أدرك العالم أخيرا خطورة ما يسمى بالسلام بالقوة، ذلك المفهوم الذي يقوم على فرض الوقائع بالقصف والردع والهيمنة، وليس بالتسويات العادلة. 
التاريخ القريب والبعيد يقول إن السلام الذي يفرض بالقوة لا يدوم، لأنه يزرع في داخله بذور الانفجار القادم، فالقوة قد تفرض وقفة مؤقتة، لكنها لا تصنع استقرارا دائما، ولا تعالج جذور الأزمات.
محاولة تحقيق أحلام غير مشروعة عبر الحروب، سواء كانت أحلام الهيمنة الإقليمية، أو فرض نظام أمني يخدم طرفا واحدا، أو إعادة تشكيل خرائط المنطقة بالقوة، هي وصفة مفتوحة للفوضى.
إن كل تجربة مشابهة في التاريخ انتهت إلى نتيجة واحدة، توسيع دائرة الصراع بدلا من إغلاقه، وإنتاج خصومات جديدة بدلا من إنهاء القديمة.
ما يحدث الآن يضع المنطقة أمام عدة نهايات محتملة، كلها مفتوحة على درجات مختلفة من الكارثة.
الاحتمال الأول، اتساع الحرب إقليميا، حين تتحول الضربات المتبادلة إلى شبكة من الجبهات المتصلة، من الخليج إلى شرق المتوسط، تصبح المنطقة كلها ساحة اشتباك غير مباشر، وفي هذه الحالة لن يكون أي طرف قادرا على تحقيق نصر حاسم، لكن الجميع سيدفع كلفة باهظة اقتصاديا وأمنيا.
الاحتمال الثاني، الاستنزاف الطويل، وهو السيناريو الأكثر ترجيحا في مثل هذه الحروب، حيث تتجنب القوى الكبرى المواجهة المباشرة الشاملة، لكنها تسمح للصراع بأن يستمر في مستوى منخفض أو متوسط من العنف، وفي هذا النمط من الحروب تتآكل الاقتصادات، وتتعطل طرق الطاقة والتجارة، وتتحول المنطقة إلى حزام توتر دائم.
الاحتمال الثالث، الانفجار غير المقصود. الحروب المركبة، التي تتداخل فيها الجيوش النظامية مع الفاعلين غير الدوليين، تحمل دائما احتمال الخطأ الكبير، ضربة تتجاوز الخطوط الحمراء، أو حادث عسكري يجر أطرافا إضافية إلى المواجهة، مثل هذه اللحظات قد تدفع العالم فجأة إلى حرب أوسع مما كان مخططا لها.
الاحتمال الرابع، العودة المتأخرة إلى التفاوض، لكن بعد أن تكون المنطقة قد دفعت ثمنا هائلا، وكثيرا ما تنتهي الحروب الكبرى إلى طاولة المفاوضات نفسها التي كان يمكن الوصول إليها قبل الحرب، لكن بعد سنوات من الدمار والاستنزاف.
في مواجهة هذه النهايات المفتوحة، لا يملك العرب ترف الانتظار أو الاكتفاء بدور المتفرج، فالمنطقة العربية هي المسرح الجغرافي الأساسي لأي تصعيد كبير، وهي التي تدفع غالبا الكلفة الأكبر من اضطراب الطاقة والتجارة والأمن.
أول ما يحتاجه العرب هو استعادة فكرة الإقليم كمنظومة مصالح مشتركة، وليس ساحات متفرقة للنفوذ الخارجي، فكلما تشرذمت المواقف العربية، أصبحت المنطقة أكثر قابلية للتحول إلى ميدان صراع بالوكالة.
ثاني ما يحتاجونه هو صياغة رؤية أمن إقليمي مستقلة نسبيا عن الاستقطابات الدولية، فالأمن في هذه المنطقة لا يمكن أن يبنى فقط عبر تحالفات عسكرية مع القوى الكبرى، إنما من خلال ترتيبات إقليمية تقلل من فرص الانفجار وتخلق قنوات دائمة للحوار.
ثالثا، الدفاع عن مبدأ توازن الردع لا توازن الفوضى، فوجود قوة إقليمية واحدة مهيمنة تماما لا يصنع استقرارا، كما أن انتشار الفوضى المسلحة لا يصنع توازنا، والاستقرار الحقيقي يقوم على توازنات دقيقة تمنع الانفراد وتمنع الانهيار في الوقت نفسه.
رابعا، إعادة ربط كل هذه الصراعات بجذرها السياسي الأعمق، وهو غياب تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، فكل محاولة لبناء نظام إقليمي يتجاوز هذه العقدة المركزية ستظل محكومة بعدم الاستقرار.
المفارقة أن مشعلي الحرائق غالبا ما يكتشفون متأخرين أن النار التي أشعلوها لم تعد أداة في أيديهم، وقد صارت واقعا مستقلا يفرض منطقه على الجميع، وعند تلك اللحظة يبدأ البحث عن المخارج السياسية التي كان يمكن الوصول إليها قبل أن تتسع دوائر النار.
لكن التاريخ يعلمنا درسا واضحا، هو أن الحروب تبدأ دائما بوهم السيطرة، وتنتهي غالبا بفوضى لا يستطيع أحد التحكم في مسارها، وما يجري في الإقليم اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، لكنه اختبار خطير لفكرة السلام المفروض بالقوة، تلك الفكرة التي أثبتت التجارب مرة بعد أخرى أنها لا تصنع استقرارا، ولكن تؤجل الانفجار قليلا.
فالحروب قد تبدأ بقرار، لكن نهاياتها نادرا ما تكون بقرار. والنار، حين تشتعل في الإقليم، لا تحرق خصومها وحدهم، إنما تمتد ألسنتها لتطال الجميع.