عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Feb-2026

تاريخ الأردن.. من سيكتبه؟*موفق ملكاوي

 الغد

في مطلع القرن العشرين، بدأ الفلاحون في إحدى قرى الشمال، وبمبادرة أهلية خالصة، ببناء مدرسة لتجنيب أبنائهم مشقة السفر إلى المدن البعيدة طلبا للعلم. تلك كانت قريتي ملكا التي دشنت مدرستها في العام 1916، لتغدو لاحقا مركزا معرفيا خدم الأهالي والقرى المجاورة حتى يومنا هذا. المؤلم أن هذا النوع من التاريخ لا يحظى بالانتشار أو التوثيق الكافي، وكأنّ ما صنعه الناس بأيديهم لا يستحق دائرة الضوء، رغم أنه يكشف انحيازا مبكرا لدى الأردنيين للتعليم بوصفه طريقا لتحسين شروط الحياة.
 
 
التاريخ الذي كتب عن الأردن ركز، في معظمه، على التحولات السياسية الكبرى، وبناء الدولة، والأحداث العسكرية، وهي بلا شك محطات مفصلية لا يمكن تجاهلها. لكن الاقتصار عليها يجعل السردية تبدو مبتورة، فخلف هذه العناوين عاش الناس تفاصيل يومهم، فقد بنوا مدارسهم، وحفروا آبارهم، واختاروا نوعية زراعاتهم، وأسسوا جمعياتهم التعاونية، وابتكروا أشكالا من التضامن الاجتماعي صنعت المعنى الحقيقي للحياة المشتركة. 
التاريخ الاجتماعي لا يمكن اعتباره هامشا مكملا للتاريخ السياسي، فهو الأرض التي شهدت الوقائع الكبرى، مثل وعي الناس بالتعليم، وأنماط العيش، والتحولات بالعلاقات الاقتصادية والثقافية، كلها عناصر تشكل الإطار العميق لأي سردية وطنية، والذاكرة في هذا السياق لم تتحول بعد إلى مادة تسهم في صياغة فهم أشمل للمجتمع الأردني.
حين يطرح مفهوم «السردية الأردنية»، غالبا ما ينصرف النقاش إلى تثبيت تسلسل زمني للأحداث الكبرى، أو إلى تأكيد الهوية، لكن السردية لا تتشكل فقط من الخطوط العريضة، بل من التشعبات الصغيرة التي صنعتها مجتمعات محلية مختلفة. فالهجرة الداخلية والخارجية، لم تكن مجرد حركة اقتصادية، بل أعادت تشكيل العلاقات العائلية، وغيرت أنماط السكن، وخلقت طبقات اجتماعية جديدة، وأسهمت في إعادة تعريف مفهوم المدينة والريف في المخيال الجمعي.
تاريخ الحرف والأسواق الشعبية، لا يقل أهمية، حيث تشكلت ذاكرة المدن والبلدات. فالحرفي الذي حافظ على مهنته لعقود، والبائع الذي فتح دكانه الصغير في زقاق قديم، والمعلم الذي حمل حقيبته متنقلا بين القرى، جميعهم جزء من سردية لم تكتب بعد.
تجاهل هذه التفاصيل يجعل التاريخ يبدو وكأنه قصة نخبوية مغلقة، فالاشتباك المفاهيمي مع فكرة السردية الأردنية يقتضي إعادة النظر في أدوات الكتابة التاريخية ذاتها. فالأرشيف الرسمي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لرسم صورة مكتملة. الصور القديمة، الرسائل الشخصية، سجلات المدارس والجمعيات، الأغاني الشعبية، وحتى الحكايات المتوارثة، كلها مصادر قادرة على إضاءة زوايا ظلت معتمة، ويتوجب دمجها في سياق بحثي رصين.
الجامعات ومراكز البحث مدعوة لتوسيع اهتمامها بهذا الحقل، باعتباره مدخلا لفهم التحولات العميقة التي مر بها المجتمع الأردني، والأكاديميون مطالبون بتوجيه طلبتهم نحو توثيق الحياة اليومية للناس، لأن الزمن يمضي سريعا، والذاكرة الشفوية مهددة بالاندثار.
السردية الأردنية لا تبنى عبر خط واحد مستقيم، بل عبر شبكة من القصص المتداخلة التي أسهمت مجتمعات متعددة في صياغتها. فالأردن تشكل عبر أنماط معيشية وثقافية متراكمة، صنعتها قرى ومدن وأجيال متعاقبة، وحين نعيد الاعتبار للتاريخ الاجتماعي، فإننا لا ننافس سردية الدولة، بل نثريها ونمنحها أفقا أوسع يعكس تجربة الإنسان الأردني بكل تنوعها.
إنها دعوة لتوسيع مفهوم الكتابة التاريخية، بحيث يصبح كل من يحمل ذاكرة شريكا في حفظها، فالتاريخ الذي يكتبه المؤرخون، لا بد أن يسهم بوضعه المعلم والفلاح والحرفي والطالب، وكل من ترك أثرا في المكان، وربما آن الأوان لأن نعيد النظر في قيمة التفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية، لكنها في الحقيقة تشكل النسيج العميق للصورة الكبرى.
قد لا تكون مدرسة ملكا عام 1916 حدثا سياسيا لامعا، لكنها مثال حي على ما يمكن أن نكتشفه حين نغوص في التاريخ الاجتماعي للأردن. هناك مئات القصص المشابهة، تنتظر من يفتح دفاترها المغلقة ويعيدها إلى الوعي العام. فحين نكتب تاريخ المجتمع، فإننا نكتب تاريخ الإنسان نفسه، وحين نحفظ هذه الذاكرة، فإننا نوثق الماضي، ونرسم ملامح سردية أكثر اتساعا وعدلا لما كان عليه الأردن، وما يمكن أن يكون عليه في المستقبل.