عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jan-2026

ماذا يجرى في ايران... احتجاجات عابرة أم ثورة شعبية؟؟!* رجا طلب
الرأي -
مرة أخرى، تعود إيران إلى واجهة الاحداث وبضراوة، لا عبر برنامجها النووي أو أدوارها الإقليمية، بل من داخل شوارعها وأسواقها.
 
خلال الأيام الأخيرة، شهدت مدن إيرانية موجة احتجاجات ومواجهات أعادت طرح السؤال القديم المتجدد... هل ما يجري احتجاجات اجتماعية اعتاد النظام على احتوائها، أم اننا أمام حالة مختلفة تحمل دلالات أعمق داخليًا وإقليميًا؟.
 
الإجابة على هذا السؤال لا تكون عبر الانفعال أو التوصيف السريع، بل عبر تفكيك الأسباب والسياق، وربط الداخل الإيراني ببيئته الإقليمية والدولية وفي هذا الاطار اعتقد ان اي تحليل لما يجري في المدن الايرانية يحتاج الى تفكيك ما يلي:
 
اولا: الاقتصاد والذي هو شرارة الأزمة لا كل حكايتها، فلا خلاف على أن العامل الاقتصادي هو المحرك المباشر لما يجري، فالتضخم مرتفع، وتدهور متواصل في قيمة العملة، غلاء معيشة، وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، والمواطن الايراني العادي لا يحتج لأنه يطالب بتحسين نوعي في حياته، بل لأنه بات عاجزًا عن تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار ومتطلبات العيش، والمهم الاشارة الى ان هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكم سنوات من العقوبات، وسوء الإدارة، وتقديم اعتبارات السياسة الخارجية على الداخل، وهنا يصبح الاقتصاد مرآة لمأزق أعمق في نموذج الحكم نفسه.
 
الاختلاف الجوهري بين موجة الاحتجاج هذه عن غيرها لا يكمن فقط في الأسباب، بل في الفاعلين، دخول تجار البازار على خط الاحتجاج ليس تطورا هامشيا و تاريخيًا، فلبازار هو أحد أعمدة التوازن الاجتماعي، وحين يخرج عن صمته، فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت الأطراف وبلغت قلب المنظومة الاقتصادية، إلى جانب ذلك يعد انخراط طلاب الجامعات واتساع رقعة الاحتجاجات جغرافيًا، تطورا مهما ونوعيا في طبيعة هذه الاحتجاجات المغلفة شكليا "بالاقتصاد"، إلا أن الهتافات والشعارات تعكس سخطًا سياسيًا متراكمًا، والاحتجاج هنا ليس ضد قرار بعينه، بل ضد شعور عام بانسداد الأفق، وبأن النظام غير قادر على إعادة ترتيب أولوياته بين الداخل والخارج.
 
ومع ذلك، لا يمكن توصيف ما يجري كحركة أيديولوجية شاملة، نحن أمام احتجاج اجتماعي واسع يلامس السياسة دون أن يتحول إلى مشروع تغييري متكامل الى الان.
 
اما العامل المهم الاخر والذي بحاجة للتفكيك هو العامل الاقليمي والتزامن بين ما يجري داخليًا مع بيئة إقليمية ضاغطة، فالمنطقة تعيش على إيقاع توترات مفتوحة، من غزة إلى البحر الأحمر، فيما تتعرض أذرع إيران الإقليمية لضغوط سياسية وعسكرية متزايدة، وهو امر يضع القيادة الإيرانية أمام معادلة صعبة: الاستمرار في الانخراط الإقليمي المكلف، او الالتفات إلى الداخل المتآكل ومحاولة ترميمه.
 
من المهم الاشارة الى ان أي اهتزاز داخلي في إيران لا يُقرأ إقليميًا كحدث معزول، بل كعامل قد يعيد خلط أوراق النفوذ ليس اقليميا فحسب بل دوليا، فايران الملالي ليست سوريا "ال الاسد".
 
اما العامل الثالث فهو العامل الدولي فمن الواضح الى الان ان القوى الكبرى ليست في موقع الساعي إلى تغيير النظام على الاقل "الان" بما في ذلك واشنطن التى لم يتوفر لديها البديل المناسب للنظام، فالغرب يفضّل استنزافًا بطيئًا عبر العقوبات، لا انفجارًا غير محسوب العواقب، اما روسيا والصين ورغم تشابك مصالحهما مع طهران فالبلدان لهما اولويات اخرى تجعل من ايران ومستقبل النظام فيها قضية مهمة ولكنها ليست مصيرية، هذا الوضع الاقليمي والدولي وحساباته ستغري النظام للقيام بسلوك اكثر تشددا في التعامل مع الاحتجاجات وأقل استعدادًا لتقديم تنازلات سياسية حقيقية.
 
والسؤال الذي يطرح نفسه الان... إلى أين تتجه الأمور؟.
 
في المدى القصير، يبدو أن النظام قادر على احتواء الموجة، عبر أدوات أمنية، وتغييرات إدارية، وربما إجراءات اقتصادية محدودة، لكن الأهم أن كل موجة احتجاج جديدة تترك أثرًا أعمق من سابقتها: تآكل الثقة، واتساع الفجوة بين المجتمع والدولة، ودخول فئات كانت تُحسب على الاستقرار إلى دائرة الاحتجاج "البازار".
 
ما يجري في إيران اليوم ليس ثورة بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه أيضًا ليس احتجاجًا عابرًا، بل هو تعبير عن أزمة حادة في البنية الاجتماعية وتحديدا في الطبقة الوسطى، سببها الرئيسي الضغوط الاقتصادية على النظام مع انسداد الافق السياسي، في ظل بيئة إقليمية ودولية ليست حريصة على بقاء النظام او حمايته بعد 46 سنة من قيامه.