عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Feb-2026

تعريب قيادة الجيش العربي.. إرادة سيادية خالدة

  الغد

 في مستهل آذار (مارس) من العام 1956، اتخذ جلالة الملك الحسين بن طلال، طيّب الله ثراه، قرارا تاريخيا سياديا في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية، ليدشن زمنا جديدا للأردن والأردنيين، بإنهائه خدمة الجنرال جون باغوت كلوب، المعروف بـ"كلوب باشا" والقيادات الأجنبية كافة من الجيش العربي، ليُعلن بذلك ميلاد مرحلةٍ جديدةٍ من السيادة الوطنية الكاملة، ويُعيد للجيش العربي هويته الأردنية العربية الأصيلة.
 
 
كان قرار تعريب قيادة الجيش العربي، محطةً مفصليةً في تاريخ المملكة، ونقطةَ تحوّلٍ استراتيجيةً نقلت الأردن من مرحلة اكتمال أركان الاستقلال، إلى ترسيخ السيادة الكاملة، لتعزز دعائم الدولة الحديثة على أسسٍ من الكرامة الوطنية والعزة القومية.
لم يكن قرار الراحل الحسين، وليد لحظته، فمنذ تسلم جلالته سلطاته الدستورية، كان يضع نصب عينيه قراره الحاسم والاستراتيجي، بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسسٍ وطنيةٍ خالصة، والسير بها نحو مصافّ الجيوش المتقدمة تدريبًا وتسليحًا وتنظيمًا وعقيدةً قتالية.
وقد عبّر جلالته عن هذه الرؤية بوضوح في كتابه "مهنتي كملك"، حين قال: "كان واجبي أن أُعطي الأردنيين مزيدًا من المسؤوليات، وأن أعزّز ثقتهم بأنفسهم، وأن أرسّخ في نفوسهم روح الكرامة القومية، وأن أمنحهم مكانهم الطبيعي في إدارة شؤون وطنهم، وفي مقدمتها الجيش العربي".
كان جلالته، القائد الشاب الذي سبق زمانه، يرى ببصيرته الثاقبة أن بقاء القيادة الأجنبية على رأس الجيش، يشكّل قيدًا على إرادة البلاد، وعائقًا أمام تطوّرها، وانتقاصًا من سيادتها وهيبتها، وكان يدرك بأن بناء جيشٍ وطني محترف، يتطلّب قيادةً تمتلك الإرادة والولاء والانتماء، وتؤمن بأن الدفاع عن الوطن شرفٌ وعقيدة ورسالة.
وقد كان قرار بالمضي نحو تعريب الجيش، أكثر من مجرد إجراءٍ إداري أو تغييرٍ وظيفي، بل إعلان تاريخي بأن الأردن دولة سيدة القرار، حرةُ الإرادة، لا تقبل الوصاية، ولا ترضى التبعية، وأن جيشه، جيش أبنائه، وقيادته حق لأبنائه المخلصين.
وبموجب القرار الملكي، رفع الزعيم راضي حسن عنّاب إلى رتبة أمير لواء، وعين رئيسًا لأركان حرب الجيش العربي، ليكون أول أردنيٍّ يتولى هذا المنصب الرفيع، إيذانًا ببدء عهدٍ جديدٍ من القيادة الوطنية.
وفي صباح الثاني من آذار (مارس) 1956، وبصوت الحسين، أعلن جلالة الملك الراحل طيب الله ثراه، عبر أثير الإذاعة الأردنية قراره التاريخي، وخاطب شعبه وجنوده البواسل، بكلماتٍ ستبقى خالدةً في وجدان الوطن، ومصدرَ إلهام للأجيال المتعاقبة، ليستقبل الأردنيون وجيشهم، هذا القرار بفرحٍ عارم، وفخرٍ عظيم، واعتزازٍ لا يوصف، فقد أعاد لهم كرامتهم، ورسّخ ثقتهم بأنفسهم، وأكد أن الأردن ماضٍ في دروب الاستقلال الحقيقي.
أسهم قرار تعريب الجيش بإحداث نقلةٍ نوعيةٍ شاملةٍ في بنية القوات المسلحة الأردنية، فأتاح الفرصة لأبناء الوطن بتولي مواقع القيادة والمسؤولية، وبرزت إثره قيادات عسكرية وطنية مشهود لها بالكفاءة والاقتدار، سطرت أروع ملاحم البطولة والفداء في الدفاع عن الوطن، وعلى ثرى فلسطين، وفي مختلف مواقع الشرف والواجب.
أسس القرار الملكي لمدرسةٍ عسكريةٍ أردنيةٍ، قائمةٍ على الاحترافية والانضباط والعقيدة الراسخة، وأسهم ببناء مؤسسةٍ عسكريةٍ عصريةٍ، ما تزال محل تقدير واحترام إقليمي ودولي، وركنا أساسيا في منظومة الأمن والاستقرار.
لم يكن التعريب مجرد حدثٍ تاريخيٍّ عابر، بل نقطة انطلاق حقيقية لبناء الجيش العربي الحديث، ليغدو نموذجًا يُحتذى، ورسولًا للسلام في بقاع العالم، عبر مشاركاته المشرفة في قوات حفظ السلام الدولية والمستشفيات الميدانية.
وعلى النهج الهاشمي ذاته، سار جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، فواصل مسيرة البناء والتحديث والتطوير، وعزز قدرات الجيش العربي، وتسليحه بأحدث المنظومات، وتأهيل أفراده وفق أعلى المعايير العالمية، ليبقى الجيش، كما أراده الحسين، قوةً محترفةً، وسندًا للوطن، وحصنًا منيعًا في وجه التحديات.
شهدت القوات المسلحة في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، نقلةً نوعيةً كبيرة، شملت إعادة الهيكلة لتشكل خطوة استراتيجية متقدمة، عززت من الكفاءة العملياتية، وطورت منظومة القيادة والسيطرة، وحدثت البنية التنظيمية، بما ينسجم مع متطلبات العصر، وطبيعة التحديات الحديثة، مرتكزة على جملة ملامح رئيسة، أبرزها: تعزيز الجاهزية القتالية عبر تطوير صنوف القوات المسلحة، بما يتناسب مع طبيعة المتغيرات التي فرضتها البيئة الاستراتيجية الحالية، برفع كفاءة الموارد البشرية، وصقل القدرات، والاستثمار في العنصر البشري.
كما سعت الهيكلة، لتحديث المنظومات الفنية والتكنولوجية، بما يعزز القدرة على تنفيذ الواجبات بكفاءة واقتدار، لإرساء مفاهيم الاحتراف العسكري، وتعزيز المرونة، لضمان سرعة الاستجابة لمختلف الظروف، وشملت أيضا تطوير الشراكات الاستراتيجية مع جيوش العالم لحفظ الأمن والاستقرار.
واليوم، وفي ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي، يستحضر الأردنيون بفخرٍ وإجلالٍ، تلك اللحظة التاريخية الخالدة، التي جسدت أسمى معاني السيادة الوطنية، وأكدت أن الإرادة الهاشمية كانت وستبقى عنوان المجد وصانعة التحولات الكبرى.-(بترا)