عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Dec-2019

إسرائيل وذكرياتها الدامية - جدعون ليفي

 

هآرتس
 
تحب اسرائيل الانكباب على ذكرياتها الدامية: كيف قتلنا، كيف صفينا، كيف اغتلنا، يا لنا من أبطال. بين الحين والآخر فيلم “هوية” آخر، ليس سوى بث دعائي في صالح القتل، الهذر عن بطولات اسرائيل، ودوما بالسجود وبالإعجاب للأبطال المصفين. ودوما بالغمز المليء بالأسرار وبمعرفة كل شيء، دون طرح اسئلة ودون التشكيك ودون الخوض في نقاش جدي.
لا يوجد الكثير من الدول التي تبعث بوحدات التصفية لقتل أعدائها وهم نيام أمام عيون نسائهم واطفالهم. بل وأقل من ذلك، دول تتباهى بما تفعل، وترغب في أن تروي للصحاب، بل وتجعل القتل قيمة، في ظل الطبل والزمر الاعلاميين. اسرائيل تقتل، والصحافة تنفعل. اذا كان ممكنا بشكل ما أن نفهم الدافع أو حتى المبرر لأعمال القتل والتصفية، وإن لم تكن فيها أبدا حكمة، فإن جعل اعمال القتل قدوة هو أمر لا يعقل. قد يكون اضطرارا لا بد منه – مشكوك جدا – أما أن يكون مصدرا للفخر؟ ترفيه للجماهير؟ قتل وتسلية؟ بدلا من أن يخجل المصفون بأعمالهم، وربما حتى الندم ذات يوم، نجدهم ابطال الروح في زماننا.
هكذا بث الاسبوع الماضي في قناة “كان 11” فيلما عن تصفية بالجملة لكل قيادة حماس، خطط لتنفيذها في غزة، ولشدة الحظ لم تخرج الى حيز التنفيذ (“قطف شقائق النعمان”، هكذا أسموا الحملة؛ “حلم كل رجل استخبارات”، كما شرحوا بتباه في الفيلم). وفي القناة “الشبكة 13” يبث الآن “قائمة التصفية”، مسلسل قدوة آخر، يستعرض قائمة القتل لدى اسرائيل ويفخر بعملياتها. وهذا الاسبوع بث الفصل عن التصفية المجيدة لخليل الوزير، أبو جهاد، الذي حظي بفيلم ايضا في “عوفداه”، مع تلك الاعمال البطولية بالضبط. لا يوجد في اسرائيل برنامج وثائقي جدير باسمه دون قصة تصفية واحدة في الموسم.
الصيغة معظمة، افلام توتر للجماهير، مع موسيقا خلفية وتمثيل معاد مناسب. أما الرسالة فيتجمد لها الدم: يتجول بيننا قتلة، بعضهم في قيادة الدولة، وهم لا يعتبرون فقط ابطال، بل بعض منهم يعتبرون حتى اخلاقيين وقيميين أكثر من غيرهم بين السياسيين. ها هو مثلا موشيه يعلون، الذي اسمه الرديف هو الاستقامة. لديه اختبار أعلى واحد – هكذا رُوي في فيلم القتل عن أبو جهاد. “اختبار النظرة الى المرآة”، تماما “سيد اخلاق”.
اذا كان يمكن ليعلون أن ينظر الى المرآة بعد القتل، فهذا دليل على أن القتل لم يكن قتلا. في نظرية الاخلاقيات سجل اعتبار جديد. المهم بالنسبة ليعلون هو أنه توجد ايضا فلسفة: “في فلسفتي، لا توجد مهمة مستحيلة”، اطلق كليشيه فارغ آخر ذاك الرجل الذي يعتبر واحدا من آمال ازرق ابيض. كل شيء ممكن، بما في ذلك بالطبع العملية في تونس، التصفية الغبية لمن كان يمكنه أن يصبح شريكا.
خطان مشتركان لكل قصص البطولة هذه: على أيدي المصفين يكاد يكون دوما دم أكثر مما على أيدي من صفوهم، بما في ذلك دم أبرياء، ومن صفوا حل محلهم دوما من هم أكثر تطرفا وخطرا منهم. فلم تولد بعد التصفية التي أوقفت العنف. ولم يخلق بعد القتل الذي أدى بالشعب الى الاستسلام. عن هذه الامور بالطبع لن يتحدثوا فيها أبدا في هذه التقارير المجيدة.
“رصاصة واحدة، صفر، 22، والحارس يموت” – تصفيق. “لو كان اطلق النار على الطفلة (إبنة أبو جهاد)، لكان أخذ هذا بشعور صعب” – يا لنا من اخلاقيين. أما الحقيقة العارية فهي “في النهاية أنت تفرح لأنك قتلت أحدا ما”. في مرحلة معينة فكروا بأن يصفوا الجار ايضا، أبو مازن: “عصفوران بضربة واحدة، ولكن ليس كل أبو يوجد على السلم نفسه”، قال صوت الحكمة، وهكذا نجا بأعجوبة محمود عباس. لو صفي هو ايضا، ذاك الزعيم المعتدل حتى الحرج، لكان قتله ايضا اعتبر نجاحا مدويا لذاك الاسرائيلي، بالضبط مثل قتل جاره على شاطيء تونس.
ارووا لنا المزيد فالمزيد من التصفيات. فهذا يقول عنا غير قليل.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات