عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jan-2021

هل تؤثر اللغة في رؤيتنا للعالم؟

 القدس العربي-حسام الدين محمد

يقول عبد الفتاح كيليطو إن السؤال حول «لسان آدم» (أي اللغة الأولى التي تحدثت بها البشرية) عند القدماء «كان جادا وخطيرا. الإجابة عنه تعني اتخاذ موقف وقرار ذا رهانات عديدة وعواقب رهيبة أحيانا»، والحقيقة أن اللسان، بمعنى اللغة، ما يزال أمرا تترتب عليه «عواقب رهيبة»، بدءا من «الكلمة»، التي كانها الله في البدء، كما يقول الكتاب المقدس، أو «كلمة الله» يسوع، أو «كليم الله» موسى، ووصولا إلى «الكتاب» الذي أنزل على الرسول.
يمكن أن نبدأ، كأفراد، من الأسماء التي نتسمى بها، وتلهمنا أو تجعلنا نرزح تحت ثقلها، فالأسماء ليست «كلاما»، كما تقول أغنية فيروز، وهو ما جعل العائلة المالكة البريطانية تغيّر اسمها الألماني الوقع إلى إنكليزي، على سبيل المثال، أو الأسماء التي تتسمى بها الشعوب، كما هو حال السودان، أو مقدونيا التي حاربتها اليونان ومنعتها من اتخاذ هذا الاسم لها.
وصلتني، في رسائل خاصة، بعد مقالتي «انقلاب أم ثورة: محاولة لحل لغز تاريخي»، بضعة تعليقات مهمة في هذا السياق، حيث رأى القاص والإعلامي السوري أحمد عمر أن «العبرة بالمسميات لا بالأسماء»، مذكرا بحادثة طالب فيها نصارى من تغلب الخليفة عمر بن الخطاب باعتماد كلمة صدقة، بدل جزية التي أنفوا منها، «فقبل عمر ذلك وقال: هؤلاء القوم حمقى، رضوا المعنى وأبوا الأسماء»، أما الكاتب ماجد كيالي فعلّق على مقالتي قائلا: «الأسماء ما نعطيها مضامينها في كل مرحلة تاريخية». في تناول من زاوية أخرى للموضوع، استشهد الكاتب العراقي جبار ياسين، بالناقد الفرنسي رولان بارت الذي قال إن ما نستعمله من مفردات مقنن أصلا من السلطات، والمفردات التي لا تروق للسلطة تذوب بفعل السلطة أيضا، ورأى ياسين أن الكلمات المقننة التي وصلتنا قننت مرة أخرى عبر الترجمة، بحيث تحول استخدامنا لها إلى مشكلة أيضا، ولأننا «تابعون للغرب كسلطة ومرجعية، ندفع أحيانا ثمن التعريب باهظا كما في مفردة علمانية التي صار الدفاع عنها أو الهجوم عليها يشبه حرب متاريس».
 
مستقبل الصين في الأسفل؟
 
اعتبر المفكر وعالم اللغويات الأمريكي نعوم تشومسكي، في نظريته عن «اللغويات العالمية» أن هناك نظاما قواعديا عالميا للغات البشرية، وهذا يعني أن اللغات لا تختلف اختلافا كبيرا. لم تصمد هذه النظرية، حسب ليزا بورودنسكي، أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا، أمام البحوث اللاحقة، فقد وجد باحثو اللغات، التي تقارب 7 آلاف لغة في العالم، اختلافات بنيوية، لا تعد ولا تحصى بينها، بحيث صار السؤال: هل يفكر البشر الذين يتكلمون لغات مختلفة بطرق مختلفة؟ بدأ الأمر بالبحث في كيفية تأثير اللغات في طرق استيعاب البشر لقضايا أساسية، كالمكان والزمان والسببية. هناك مثال فريد على هذا الأمر في لغة جماعة Pormpuraaw الأسترالية حيث لا يوجد مفهوما اليمين واليسار ولذلك تستخدم الجهات الطبيعية للتعبير، وإذا أردت أن ترحب بشخص فعليك أن تسأله إلى أين يتجه: جنوب أو شرق إلخ، وإذا لم تعرف إلى أين يتجه فلن تستطيع أن تقول له مرحبا، وفي حالة هذه الجماعة، ونظائرها، يطوّر ناطقو اللغة قدرات على الملاحة الطبيعية تساهم ببناء مفاهيم مميزة للزمن، والرقم، والخلفية الموسيقية، وصلة القرابة، والأخلاق والعواطف.
لفحص علاقة هذه المفاهيم بلغة مقارنة بلغة أخرى، قامت بورودنسكي بالسفر إلى أستراليا لدراسة جماعة بورمبوراو المذكورة، فعرضت على أفراد منها صورا تمثل تسلسلا زمنيا صحيحا من اليسار إلى اليمين (كما هو الحال في الكتابة بالإنكليزية)، كما قدمت تسلسلا زمنيا من اليمين إلى اليسار (كما هو الحال في كتابة العربية)، غير أن المشاركين في الاختبار من الجماعة الأصلية الأسترالية قاموا بترتيب التسلسل الزمني من الشرق إلى الغرب. تستخدم اللغات فهمها للاتجاهات لبناء مفاهيم خاصة كالزمن، وبذلك يضع الناطقون بلغة المندرين الصينية المستقبل في الأسفل والماضي في الأعلى (مثل ترتيب الكتابة العمودية في الصينية)، وفي لغة أيمارا المستخدمة في أمريكا الجنوبية، يكون المستقبل إلى جانب والماضي في الأمام.
 
طبيعة الإنسان «يمكن أن تختلف كثيرا اعتمادا على اللغة التي يتحدثها»، وهو ما يجعل الخطوة المقبلة للباحثين هي «محاولة فهم الآليات التي تمكن اللغة من مساعدتنا على بناء نظمنا المعرفية المذهلة والمعقدة»، وستصب هذه الأبحاث في «صميم أسئلتنا الوجودية» وتجيب عن سؤال كيف أصبحنا ما نحن عليه الآن ولماذا نفكر بالطريقة التي نفكر فيها.
 
من كسر المزهرية؟
 
إضافة إلى المكان والزمان، وجد الباحثون أن اللغة تؤطر فهم ناطقيها لمبدأ السببية، فيميل متحدثو الإنكليزية للقول John broke the vase، (كسر جون المزهرية)، حتى لو كان ذلك حادثا عرضيا غير مقصود، أما متحدثو الإسبانية أو اليابانية فيقولون إن المزهرية كُسرت من تلقاء نفسها. تشير بورودنسكي إلى دراسة أجرتها الباحثة كاتلين فاوسي، من جامعة ستانفورد، حيث يتابع ناطقون بالإنكليزية والإسبانية واليابانية مقطع فيديو لأناس يفرقعون بالونات أو يكسرون البيض أو يرشون بعضهم بالماء، بتعمد أو بدون تعمد، وحين خضع المشاركون لاختبار ذاكرة مفاجئ، وكان السؤال: «هل تتذكر من فعلها؟»، اكتشفت الباحثة فرقا لغويا واضحا في الذاكرة البصرية للمشاركين، فلم يتذكر الناطقون بالإسبانية واليابانية المتسببين بالحوادث، بقدر ما تذكرها متحدثو الإنكليزية، وذلك لأن الإنكليزية تذكر المتسبب دائما، أما في الإسبانية واليابانية فلا يذكر المتسبب ولذلك لم يتم تذكره.
تبين الباحثون أيضا أن اللغات لا تؤثر في طريقة فهم المتحدثين للأحداث المختلفة، وفي بناء المفاهيم الخاصة بالسببية والهيئة، ولكنها تقولب أفكارا أخرى كذلك، فالروسية تميز بين درجات اللون الأزرق الغامق والفاتح، وهو ما يعطي الروس قدرة طبيعية أفضل في التمييز بين درجات اللون الأزرق، أما أهالي قبيلة بيرها، التي تعيش في حوض الأمازون، فلا يملكون كلمات كثيرة للتعبير عن الكميات، ولذلك فهم لا يستطيعون تحديدها بشكل دقيق.
في دراسة حديثة جرت مؤخرا طُلب من متحدثين بالإسبانية والفرنسية تقديم توصيف لجسر لندن، فاستخدم الفرنسيون تعابير تصف الجسر بالصلابة والقوة، فيما قام الإسبان باستخدام تعابير تصفه باللطف والجمال، والسبب، كما رأى الباحثون يعود إلى أن الجسر بالفرنسية مذكر وفي الإسبانية مؤنث، وبالتالي فقد تأثرت كل مجموعة بصفات التأنيث والتذكير التي ترتبط بالكلمة، وهو أمر يمكن تطبيقه في لغات أخرى.
أحد التطورات التي حدثت في هذا المجال إذن كان البرهنة على علاقة اللغة بالإدراك، فإذا تغيرت طريقة تحدث الناس فستتغير طريقة تفكيرهم، وإذا تعلموا لغة أخرى، فإنهم يبدأون بالنظر إلى العالم من حولهم بطريقة مختلفة، وحين ينتقل الناطقون بعدة لغات من لغة إلى أخرى فإنهم يغيرون طريقة تفكيرهم كذلك.
اعتمادا على هذه الأبحاث الحديثة تستنتج بورودنسكي بأن اللغة التي نتحدثها تؤثر في تشكيل أفكارنا وليس في تعبيرنا عن هذه الأفكار فحسب، وأن البيئة التي تقوم عليها لغتنا تقولب أو تنحت شكل واقعنا وتساعدنا على أن نكون أكثر ذكاء وتطورا، وبذلك فإن طبيعة الإنسان «يمكن أن تختلف كثيرا اعتمادا على اللغة التي يتحدثها»، وهو ما يجعل الخطوة المقبلة للباحثين هي «محاولة فهم الآليات التي تمكن اللغة من مساعدتنا على بناء نظمنا المعرفية المذهلة والمعقدة»، وستصب هذه الأبحاث في «صميم أسئلتنا الوجودية» وتجيب عن سؤال كيف أصبحنا ما نحن عليه الآن ولماذا نفكر بالطريقة التي نفكر فيها.
 
كاتب من أسرة «القدس العربي»