عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Apr-2026

كيف جر دونالد ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران (2/1)

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كيف تشكل قرار الحرب
في التحقيق المطول التالي، يقدّم الصحفيان، جوناثان سوان وماغي هابرمان، قراءة داخلية بالغة الحساسية لكيفية انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب مباشرة مع إيران. ويصف الكاتبان سلسلة من الاجتماعات المغلقة في "غرفة العمليات" بالبيت الأبيض، تداخلت فيها الحسابات الاستخباراتية مع تقديرات سياسية مضطربة، ومزاج رئاسي يميل إلى الحسم السريع والثقة المفرطة بالقدرة العسكرية الأميركية. وبالإضافة إلى سرد قصة قرار حرب، يعرض الكاتبان ديناميات اتخاذ القرار في مركز السلطة التنفيذية الأميركية حين تتقاطع الرغبة السياسية مع الإقناع الخارجي، خصوصًا من طرف رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو.
بدأت قصة الحرب من زيارة نتنياهو إلى واشنطن في شباط (فبراير)، التي شكلت نقطة انعطاف استراتيجية. لم يكن لقاء نتنياهو بالإدارة الأميركية بروتوكوليًا. كان عرضًا عسكريًا-استخباراتيًا مُحكمًا غايته إقناع الإدارة الأميركية بأن إيران "ناضجة" لتلقي الضربة، وأن "تغيير النظام" شبه مضمون. وقد استخدم نتنياهو خطابًا قوامه مزيج من التهديد والفرصة: قدرات إيران الصاروخية يمكن شلّها بسرعة، ومضيق هرمز لن يُغلق، واحتمال الرد بضرب المصالح الأميركية محدود. واستندت رواية الكيان إلى افتراض أن الداخل الإيراني قابل للاشتعال، وأن التدخل العسكري يمكن أن يفتح الباب أمام انتفاضة داخلية تعجّل انهيار النظام.
كما يكشف التقرير، لم يُقابل هذا العرض بالرفض الفوري داخل البيت الأبيض، وشكل بداية لسلسلة من المداولات التي عكست انقسامًا داخل فريق ترامب نفسه. ثمة من مستشاريه من رأى في طرح الكيان مبالغة واضحة و"سردية غير واقعية"، بحسب التقديرات الاستخباراتية اللاحقة. وكان تقرير "وكالة الاستخبارات المركزية" حاسمًا في تفكيك ما اعتبره نتنياهو "خطة قابلة للتنفيذ": صحيح أن ضرب البنية العسكرية الإيرانية ممكن، لكن فكرة الانتفاضة الداخلية أو إعادة تشكيل النظام السياسي كانت، بتعبير مدير الوكالة: "مهزلة".
بحسب التقرير، كانت الاعتراضات قوية -وإنما محدودة. لم ينجح نائب الرئيس، حتى مع تحذيراته من حرب كارثية ومن تفكك التحالف السياسي الداخلي لترامب، في تشكيل جبهة مانعة. وعبر وزير الخارجية، ماركو روبيو، عن شكوك، لكنه لم يعارض القرار في نهاية المطاف. وتركزت ملاحظات وزير الدفاع وبعض القيادات العسكرية على الجوانب التقنية واللوجستية أكثر مما عُنيت ببحث جدوى الحرب نفسها. وقد منح هذا النمط من "المعارضة الإجرائية" بدل "المعارضة الاستراتيجية" الرئيس مساحة أوسع للحسم.
يضيء هذا السرد أيضًا شخصية دونالد ترامب نفسه كما يرسمها الكاتبان: رئيس يميل إلى قراءة القرارات الكبرى من زاوية النتائج السريعة والقدرة على الحسم، أكثر من العناية بتقييم التعقيدات البنيوية للحرب. وفي حالة الحرب الجارية، تلقّى التقييمات المتناقضة بوصفها خيارات تقنية وليس تحذيرات وجودية. وقد تعامل، حتى الاعتراضات القوية مثل خطر إغلاق مضيق هرمز أو استنزاف مخزون الذخائر الأميركية، باعتبارها مخاطر قابلة للإدارة أكثر منها موانع حاسمة.
في مجمله، يعكس هذا السرد نمطًا متكررًا في السياسة الأميركية الحديثة: الفجوة بين تقدير قابلية النظام المعني للإسقاط وتعقيد الدول المستهدفة. وكما يحدُث، غالبًا ما تُبنى خطط تغيير النظام على افتراض انهيار سريع للسلطة، وإهمال حقيقة أن الدولة -بعيدًا عن قيادتها السياسية- هي منظومة معقدة من المؤسسات والولاءات والقدرات العسكرية والاقتصادية. ولم تكن الحرب الحالية مختلفة، حيث ظهر التوتر نفسه بين منطق الحرب ومنطق الدولة.
في لحظة القرار النهائية، كما يبدو، لم يكن ما رجّح كفة الحرب إجماعًا أو وضوح رؤية. كان العامل الفاصل هو ميل الرئيس الأميركي إلى ما يسميه النص "الغرائز السياسية". ولم تتمكن المداولات الطويلة، بما فيها تحذيرات نائب الرئيس من حرب غير قابلة للتنبؤ بوجهاتها، من تغيير الاتجاه العام. وتم اتخاذ القرار على أساس هدفين فحسب: منع إيران من امتلاك سلاح نووي؛ وتقييد قدرتها الصاروخية. وتم وضع فكرة تغيير النظام أو إسقاط القيادة في خانة النتائج المحتملة وليس في خانة الأهداف.
في خلاصته، يُلمح التقرير إلى أن قرار الحرب لم يكُن تحولًا استراتيجيًا مدروسًا بقدر ما كان حصيلة تفاعل بين إقناع خارجي مكثف، وتقديرات داخلية متباينة، ورئيس تغريه فكرة الحسم السريع عندما يقتنع بإمكانية النجاح. وبذلك كان الدخول في الحرب حصيلة تراكمية لمسار كامل من الافتراضات حول إيران، وحول قدرة الولايات المتحدة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة.
هكذا إذن تُصنع القرارات الحاسمة في قمة السلطة الأميركية، حيث تتقاطع المعلومات الاستخباراتية، والاعتبارات السياسية، والرهانات الشخصية، لتنتج في النهاية قرارًا تاريخيًا تتجاوز تداعياته بكثير حدود الغرفة التي اتُّخذ فيها.
 
علاء الدين أبو زينة
 
 
 
 
 
 
جوناثان سوان؛ وماغي هابرمان* - (نيويورك تايمز) 7/4/2026
في سلسلة من الاجتماعات التي عُقدت في "غرفة العمليات" في البيت الأبيض، وازن الرئيس دونالد ترامب بين حدسه الشخصي والمخاوف العميقة التي عبّر عنها نائبه، وبين تقييم استخباراتي متشائم. وتحكي هذه القصة من الداخل كيف اتخذ قراره المصيري بشن الحرب على إيران.
تأثر قرار الرئيس ترامب بالموافقة على الانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران بعرض قدّمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في شباط (فبراير)، والذي أطلق سلسلة من النقاشات داخل البيت الأبيض خلال الأيام والأسابيع التالية.
*   *   *
وصلت السيارة السوداء ذات الدفع الرباعي التي تقل رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، إلى البيت الأبيض قبل الساعة الحادية عشرة صباحًا بقليل في 11 شباط (فبراير). وكان الزعيم الإسرائيلي، الذي ضغط لأشهر من أجل أن توافق الولايات المتحدة على هجوم واسع على إيران، قد أُدخل إلى المبنى من دون مراسم تُذكر، وبعيدًا عن أعين الصحفيين، استعدادًا لإحدى أكثر لحظات مسيرته السياسية حسمًا.
اجتمع المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون أولًا في غرفة مجلس الوزراء، الملاصقة للمكتب البيضاوي. ثم توجه نتنياهو إلى الطابق السفلي لينضم إلى الحدث الرئيسي: عرض شديد السرية عن إيران أمام الرئيس ترامب وفريقه في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وهي غرفة نادرًا ما تُستخدم لعقد اجتماعات مباشرة مع زعماء أجانب.
جلس ترامب، لكنه لم يجلس في موقعه المعتاد على رأس الطاولة الخشبية الطويلة، وإنما اختار مقعدًا على أحد الجانبين، مواجِهًا الشاشات الكبيرة المثبتة على الجدار. وفي المقابل جلس نتنياهو على الجانب الآخر، مباشرة أمام الرئيس.
على الشاشات خلف رئيس الوزراء، ظهر ديفيد بارنيا، مدير جهاز الموساد الإسرائيلي، إلى جانب مسؤولين في الجيش الإسرائيلي. وبدوا، بصريًا، وكأنهم يشكّلون خلفية لزعيم حرب محاط بفريقه.
جلست سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، في الطرف البعيد من الطاولة. وكان وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يجمع إلى ذلك أيضًا منصب مستشار الأمن القومي، قد شغل مقعده المعتاد. وجلس وزير الدفاع، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، في جهة واحدة كعادتهما في مثل هذه الاجتماعات، وانضم إليهما مدير "وكالة الاستخبارات المركزية" جون راتكليف. كما حضر جاريد كوشنر، صهر الرئيس، وستيف ويتكوف، مبعوث ترامب الخاص الذي كان يتفاوض مع الإيرانيين، لإكمال المجموعة الأساسية.
كان قد جرى تقليص عدد الحضور إلى الحد الأدنى عمدًا لتفادي التسريبات. حتى أن وزراء كبارًا في الحكومة لم يكونوا على علم بانعقاد الاجتماع من الأساس. كما غاب نائب الرئيس، جيه دي فانس، الذي كان آنذاك في أذربيجان، وجاء الإخطار بالاجتماع في وقت متأخر جدًا بحيث لم يتمكن من العودة إلى واشنطن في الوقت المناسب.
كان العرض الذي قدّمه نتنياهو خلال الساعة التالية حاسمًا في دفع الولايات المتحدة وإسرائيل نحو مسار صراع مسلح كبير في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. وأطلق ذلك الاجتماع سلسلة من النقاشات داخل البيت الأبيض خلال الأيام والأسابيع اللاحقة -وهي تفاصيل لم تُنشر سابقًا-حيث راجع ترامب خياراته ومخاطرها قبل أن يعطي الضوء الأخضر للانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران.
يستند هذا السرد حول كيفية إدخال ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب إلى تحقيقات أُجريت لإعداد كتاب مرتقب بعنوان: "تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب" Regime Change: Inside the Imperial Presidency of Donald Trump. ويكشف الكتاب كيف عكست المداولات داخل الإدارة نزعات الرئيس، والانقسامات داخل دائرته المقربة، وطريقته في إدارة البيت الأبيض. كما يعتمد على جملة من المقابلات الموسعة التي أُجريت بشرط عدم الكشف عن الهوية، من أجل رواية النقاشات الداخلية والقضايا الحساسة.
يُبرز هذا التقرير كيف أن تفكير الرئيس دونالد ترامب المتشدد كان، وعلى مدى أشهر طويلة، أقرب بكثير إلى رؤية بنيامين نتنياهو مما أدركه حتى بعض كبار مستشاريه. وقد شكّل هذا التقارب بين الرجلين سمة مستمرة عبر إدارتين رئاسيتين، وهو دينامية أثارت -على الرغم من التوتر الذي يرافقها أحيانًا- انتقادات وشكوكًا حادة في أوساط اليسار واليمين داخل السياسة الأميركية.
كما يُظهر التقرير أيضًا كيف أنه حتى الأعضاء الأكثر تشككًا داخل "مجلس الحرب" في إدارة ترامب -باستثناء واضح لنائب الرئيس، جي دي فانس، الذي كان الشخص الأكثر معارضة لخيار الحرب الشاملة داخل البيت الأبيض- قد انتهوا إلى مجاراة نزعات الرئيس في نهاية المطاف، بما في ذلك ثقته الكبيرة بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة. وقد رفض البيت الأبيض التعليق على هذه الرواية.
في اجتماع "غرفة العمليات" يوم 11 شباط (فبراير)، قدّم نتنياهو عرضًا سياسيًا وأمنيًا مكثفًا، سعى به إلى إقناع الإدارة الأميركية بأن إيران أصبحت ناضجة وقابلة لتغيير النظام، وأعرب عن اعتقاده بأن عملية مشتركة أميركية-إسرائيلية يمكن أن تضع حدًا نهائيًا للجمهورية الإسلامية.
وفي إحدى مراحل الاجتماع، عرض الإسرائيليون على ترامب مقطع فيديو قصيرًا تضمن تجميعًا لوجوه قيادات محتملة يمكن أن تتولى الحكم في حال سقوط النظام المتشدد في طهران. وكان من بين الأسماء المعروضة رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق المنفي، والذي يقيم في واشنطن ويقدّم نفسه كمعارض علماني يمكنه قيادة إيران نحو مرحلة ما بعد الحكم الديني.
كما قدّم نتنياهو وفريقه تصورًا للظروف التي رأوا أنها ستؤدي إلى نصر شبه محسوم: يمكن تدمير برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني خلال أسابيع قليلة، وسيصبح النظام أضعف من أن يتمكن من إغلاق مضيق هرمز. وكان ثمة تقدير أيضًا بأن احتمالية توجيه ضربات إيرانية ضد المصالح الأميركية في الدول المجاورة ستكون محدودة للغاية.
بالإضافة إلى ذلك، أشارت تقديرات جهاز الموساد الاستخبارية إلى أن الاحتجاجات في الشارع الإيراني ستندلع مجددًا؛ وأن حملة قصف مكثفة -مدعومة بجهود جهاز الاستخبارات الإسرائيلي في تأجيج الاضطرابات- يمكن أن تخلق الظروف المناسبة لاندلاع انتفاضة تفضي إلى إسقاط النظام. كما طرح الإسرائيليون احتمال دخول مقاتلين أكراد إيرانيين من العراق لفتح جبهة في الشمال الغربي، بما قد يؤدي إلى إنهاك قوات النظام وتسريع انهياره.
قدّم نتنياهو عرضه بنبرة واثقة وهادئة. ويبدو أن هذا الطرح لاقى صدى إيجابيًا لدى أهم شخص في الغرفة: الرئيس الأميركي.
قال ترامب لرئيس الوزراء: "يبدو هذا جيدًا بالنسبة لي". وبالنسبة لنتنياهو، كان هذا التعليق بمثابة إشارة إلى ضوء أخضر محتمل لتنفيذ عملية مشتركة أميركية-إسرائيلية.
ولم يكن نتنياهو الوحيد الذي خرج من ذلك الاجتماع مع انطباع بأن ترامب قد حسم أمره تقريبًا بشأن الحرب. لاحظ مساعدو الرئيس أيضًا أنه كان معجبًا بعمق بما يمكن أن تقدمه القدرات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية -تمامًا كما حدث سابقًا عندما التقى الرجلان قبل حرب الأيام الاثني عشر مع إيران في حزيران (يونيو).
خلال زيارته للبيت الأبيض في 11 شباط (فبراير)، حاول نتنياهو أيضًا توجيه اهتمام المسؤولين الأميركيين المجتمعين في غرفة مجلس الوزراء نحو ما وصفه بأنه التهديد الوجودي الذي يمثله المرشد الأعلى الإيراني البالغ من العمر 86 عامًا، علي خامنئي.
وعندما سأل آخرون حاضرون في الاجتماع رئيس الوزراء عن المخاطر المحتملة للعملية، فإنه لم يحجم عن الإقرار بها، لكنه شدد على نقطة مركزية: في تقديره، ستكون مخاطر عدم التحرك أكبر من مخاطر التحرك. وقال إن تكلفة أي عمل عسكري ستزداد كلما تم تأجيله، لأن إيران ستستغل الوقت لتسريع إنتاج الصواريخ وبناء درع ومظلة حصانة حول برنامجها النووي.
كان الجميع في الغرفة يدركون أن إيران قادرة على بناء مخزونها من الصواريخ والطائرات المسيّرة بسرعة وبتكلفة أقل بكثير مما تستطيع الولايات المتحدة أن تفعله من خلال إنتاج أنظمة اعتراض أكثر كلفة لحماية مصالحها وحلفائها في المنطقة.
دفعت العروض التي قدمها نتنياهو -إلى جانب ردة الفعل الإيجابية من ترامب- أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى مهمة عاجلة، حيث عمل المحللون طوال الليل لتقييم مدى واقعية ما قدمه الفريق الإسرائيلي للرئيس.
"هزلي"
تمت مشاركة نتائج التحليل الذي أجرته الاستخبارات الأميركية في اليوم التالي، 12 شباط (فبراير)، خلال اجتماع آخر اقتصر على المسؤولين الأميركيين داخل غرفة العمليات. وقبل وصول الرئيس ترامب، قدّم اثنان من كبار مسؤولي الاستخبارات إحاطة إلى الدائرة المقربة من الرئيس.
كانت لدى مسؤولي الاستخبارات خبرة عميقة في القدرات العسكرية الأميركية، وكانوا على دراية دقيقة بالنظام الإيراني وشبكاته الداخلية. وقاموا بتفكيك عرض نتنياهو إلى أربعة أجزاء: أولًا، "قطع الرأس" -أي اغتيال المرشد الأعلى. ثانيًا، إضعاف قدرة إيران على ممارسة القوة وتهديد جيرانها. ثالثًا، اندلاع انتفاضة شعبية داخل إيران. ورابعًا، تغيير النظام من خلال تنصيب قائد علماني لإدارة البلاد.
قدّر المسؤولون الأميركيون أن الهدفين، الأول والثاني، قابلان للتحقيق باستخدام القدرات الاستخبارية والعسكرية الأميركية. لكنهم اعتبروا الجزأين الثالث والرابع من طرح نتنياهو -اللذين تضمنا أيضًا احتمال قيام الأكراد بشن غزو بري داخل إيران- منفصلين عن الواقع.
ثم، عندما انضم ترامب إلى الاجتماع، قام مدير "وكالة الاستخبارات المركزية"، جون راتكليف، بإطلاعه على التقييم. واستخدم كلمة واحدة لوصف سيناريوهات تغيير النظام التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي: "هزلي".
في تلك اللحظة، تدخل وزير الخارجية، ماركو روبيو، بالقول: "بعبارة أخرى، هذا هراء".
وأضاف راتكليف أنه على الرغم من عدم إمكانية التنبؤ بمسار الأحداث في أي صراع، فإن تغيير النظام قد يحدث من تلقاء نفسه، ولكن لا ينبغي اعتباره هدفًا قابلًا للتحقيق أو خطة عملية.
بعد ذلك، تدخل عدد آخر من الحاضرين، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، العائد حديثًا من أذربيجان، والذي عبّر بدوره عن شكوك قوية تجاه احتمال حدوث تغيير للنظام في إيران.
بعد ذلك، توجه الرئيس إلى الجنرال كاين، وقال: "جنرال، ما رأيك؟".
وأجاب الجنرال كاين: "سيدي، هذه -بحسب خبرتي- هي الطريقة القياسية التي يعمل بها الإسرائيليون. إنهم يبالغون في تقدير قدراتهم، وخططهم ليست دائمًا مطوّرة بشكل جيد. إنهم يدركون أنهم بحاجة إلينا، ولذلك يقدّمون عروضًا يضغطون بشدة لبيعها".
قيّم ترامب هذه المعطيات بسرعة. وقال إن "تغيير النظام" سيكون "مشكلتهم"، من دون أن يتضح ما إذا كان يقصد الإسرائيليين أم الشعب الإيراني. لكن الخلاصة كانت أن قراره بشأن الدخول في حرب ضد إيران لن يعتمد على ما إذا كان الجزآن، الثالث والرابع، من عرض نتنياهو قابلين للتحقيق.
وكان ترامب يبدو مهتمًا بشكل أساسي بتحقيق الجزأين الأول والثاني: قتل المرشد الأعلى والقادة الكبار في إيران؛ وتفكيك البنية العسكرية الإيرانية.
كان الجنرال كاين -الذي كان ترامب يصفه مازحًا بـ"رازِن كاين"- قد أثار إعجاب الرئيس قبل سنوات عندما قال إن تنظيم "الدولة الإسلامية" يمكن هزيمته بسرعة أكبر مما توقعه الآخرون. وقد كافأه ترامب لاحقًا بترقيته إلى منصب كبير مستشاريه العسكريين. وعلى الرغم من أن كاين لم يكن مواليًا لترامب سياسيًا، وكان يؤوي تحفظات جدية بشأن خوض حرب مع إيران، فإنه كان حذرًا للغاية في عرض آرائه على الرئيس.
 
 
 
خلال الأيام التالية، ومع استمرار تداول خطط العملية بين الفريق الضيق من المستشارين، شارك الجنرال كاين مع ترامب وآخرين تقييماً عسكريًا مقلقًا مفاده بأن حملة عسكرية واسعة ضد إيران ستستنزف بشكل كبير مخزونات الأسلحة الأميركية، بما في ذلك الصواريخ الاعتراضية التي كانت قد تعرضت مُسبقًا لضغط شديد نتيجة سنوات من الدعم الذي قدمته أميركا لأوكرانيا وإسرائيل. كما رأى أنها لا توجد خطة واضحة وسريعة لتعويض هذا النقص في المخزون العسكري.
وأشار كاين أيضًا إلى الصعوبة الكبيرة في تأمين مضيق هرمز والمخاطر المحتملة لقيام إيران بإغلاقه. لكنّ ترامب كان قد استبعد هذا الاحتمال، انطلاقًا من افتراض أن النظام الإيراني سيسقط أو يستسلم قبل أن يصل الوضع إلى تلك المرحلة. وبدا الرئيس مقتنعًا بأن الحرب ستكون قصيرة جدًا -وهو انطباع عززه لديه الرد الفاتر على القصف الأميركي للمنشآت النووية الإيرانية في حزيران (يونيو).
جسّد دور الجنرال كاين في مرحلة ما قبل الحرب توترًا كلاسيكيًا مألوفًا بين المشورة العسكرية وصنع القرار الرئاسي. وبسبب إصراره الدائم على عدم اتخاذ موقف حاسم -حيث كرَّر التنبيه إلى أن مهمته ليست إملاء ما يجب على الرئيس فعله، وإنما عرض الخيارات مع المخاطر المحتملة وما قد يترتب عليها من نتائج من الطبقة الثانية، والثالثة -كان يبدو لبعض الحاضرين وكأنه يعرض جميع جوانب القضية في الوقت نفسه.
وكان الجنرال يطرح باستمرار سؤالًا: "وماذا بعد؟"، لكن ترامب كان، في كثير من الأحيان، لا يسمع إلا ما يريد سماعه.
كان الجنرال كاين مختلفًا تقريبًا في كل شيء عن رئيس هيئة الأركان السابق، الجنرال مارك أ. ميلي، الذي دخل في خلافات حادة مع ترامب خلال ولايته الأولى، وكان يرى أن دوره يتمثل في منع الرئيس من اتخاذ قرارات خطيرة أو متهورة.
وكما أشار أحد المطلعين على تفاعلاتهما، كان ترامب يميل إلى الخلط بين النصائح التكتيكية التي يقدمها الجنرال كاين وبين المشورة الاستراتيجية. وكان ذلك يعني، عمليًا، أن الجنرال ربما يحذّر في لحظة من صعوبة أحد جوانب العملية، ثم يضيف في اللحظة التالية أن الولايات المتحدة تمتلك ترسانة شبه غير محدودة من القنابل الذكية منخفضة الكلفة نسبيًا، وأنها تستطيع قصف إيران لأسابيع حالما يتحقق التفوق الجوي.
كانت هذه، بالنسبة لرئيس هيئة الأركان، ملاحظات منفصلة. لكن ترامب بدا وكأنه يعتبر أن الملاحظة الثانية تقوم عمليًا بإلغاء الملاحظة الأولى. وخلال مجمل المداولات، لم يقم رئيس هيئة الأركان في أي لحظة بإبلاغ الرئيس بشكل مباشر بأن الحرب مع إيران هي فكرة سيئة، على الرغم من أن بعض زملائه في القيادة العسكرية كانوا يعتقدون أن هذا هو بالضبط هو ما كان يراه.
 
*جوناثان سوان Jonathan Swan وماغي هابرمان Maggie Haberman: مراسلا شؤون البيت الأبيض لصحيفة "نيويورك تايمز"، حيث يغطيان أخبار إدارة الرئيس دونالد ترامب. وهما مؤلفا الكتاب المرتقب "تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب".
ملاحظة: هذا التقرير مستند إلى أعمال بحثية أُنجزت لكتاب قيد الإعداد.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: How Trump Took the U.S. to War with Iran