عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jul-2020

استراتيجية "تشي" الثورية.. كيف تغير الصين مستقبل الإنترنت في العالم؟
 
فرح عصام
الجزيرة- طيلة خمسة عقود تقريبا، كانت الولايات المتّحدة هي مَن يقود نمو الإنترنت. ومنذ بواكيره كبرنامج محدود للبنتاغون حتى مكانته الحالية كمنصّة عالمية تربط أكثر من نصف سكّان العالم وعشرات المليارات من الأجهزة بعضهم ببعض، عُرف الإنترنت على الدوام كمشروع أميركي. أما اليوم، فقد تنازلت الولايات المتّحدة عن ريادة الفضاء السيبراني إلى الصين، إذ أعلن الرئيس الصيني تشي جين بينغ عن مخططاته تحويل الصين إلى "قوة سيبرانية عظمى". والأمر يحدث بالفعل، فالصين تُتيح من اتصال الإنترنت لمواطنيها أكثر مما يفعل أي بلد آخر، لكنّ تشي لديه مخططات أكبر من ذلك بكثير. فمن خلال لوائح التنظيمات المحليّة، والابتكار التكنولوجيّ، والسياسة الخارجية، تهدف الصين لبناء نظام دفاع سيبرانيّ "منيع"، وإعلاء كلمتها في حكم الإنترنت، وتقديم الرعاية لمزيد من الشركات ذات الطراز العالميّ، وريادة العالم في التكنولوجيّات المتقدّمة.
 
غير أنّ صعود الصين المتواصل كقوة سيبرانية عظمى ليس بالأمر المضمون، فالجهود التي تبدأ من القمة وتنتهي بالقاعدة التي تقودها الدولة في ابتكارات الذكاء الصناعي، والحوسبة الكميّة، والروبوتات، وتقنيات واعدة أخرى، قد تبوء بالفشل، حيث ستواجه شركات التكنولوجيا الصينية ضغوطا سياسية واقتصادية مع انفتاحها على العالم. وبرغم الظاهر من توقعات قليلة للصينيين من حكومتهم فيما يتعلق بالخصوصية، فإنهم قد يطالبون الشركات الخاصة ببذل المزيد في هذا الشأن. لتُعيد الولايات المتحدة تنشيط دبلوماسيتها الرقمية الخاصة عندئذ، وقد يُعيد اقتصاد الولايات المتحدة اكتشاف الديناميات التي مكّنته من خلق الشيء الكثير من تكنولوجيا العالم الحديث.
 
لكن بالنظر إلى حجم الصين وتقدُّمها التكنولوجي، فثمة إمكانية واردة لنجاح بكين، وبالتالي لأن تُعيد تصميم الفضاء السيبراني على صورتها. إن حدث الأمر فسيكون الإنترنت أقل عالمية وانفتاحا، حيث سيجري جزء كبير منه عبر تطبيقات صينية على أجهزة رقمية مصنعة في الصين، وهو ما سيُمكِّن الصين من الظفر بالغنائم الاقتصادية، والدبلوماسية، والمرتبطة بالأمن القومي، والاستخباراتية التي تدفقت ذات يوم إلى واشنطن.
 
تقريبا، منذ اللحظة التي تسلّم فيها مقاليد السلطة عام 2012، أوضح تشي الدور الكبير الذي لعبه الإنترنت في رؤيته للصين. بعد سنوات من الجمود، كانت خلالها السياسة السيبرانية مبعثرة بين باقة واسعة من الأقسام الحكومية، أعلن تشي أنه سيرأس ما أسماه مجموعة قيادة مركزية لأمن الإنترنت والمعلومات، وأنه سيقود السياسة السيبرانية من عَلٍ، فأسس وكالة جديدة، هي "إدارة الفضاء السيبراني الصينية"، وأوكل إليها مهمة السيطرة على محتوى الإنترنت، ورعاية الأمن السيبراني، وتطوير الاقتصاد الرقمي.
 
القوة السيبرانية هي العقدة التي تربط أربع أولويات قومية للصين ببعضها. الأولى، هي رغبة القيادة الصينية بضمان إنترنت متناغم، وهذا يعني شبكة عنكبوتية تقود الرأي العام، وتؤازر الحكم الرشيد، وترعى النمو الاقتصادي، على أن تكون في الوقت نفسه تحت السيطرة بهدف إحباط التعبئة السياسية ومنع تدفق المعلومات التي يمكن أن تقوّض النظام الحاكم.
 
ثانيا، تريد الصين أن تُقلِّل اعتمادها على المزود الأجنبي في مجال المعدّات الرقمية ومعدّات الاتصال، وتأمل أن تتمكّن في النهاية من ريادة العالم في مجال التكنولوجيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والروبوتات، كما أشار تشي في مايو/آيار 2018 حينما قال: "إن مبادرات الإبداع والتطوير ينبغي أن تظل آمنة في قبضتنا".
 
ثالثا، إن قلق صناع السياسة الصينيين، كما هو حال أندادِهم حول العالم، يتنامى من أن تؤدي الهجمات السيبرانية على الشبكات الحكومية والخاصة إلى تعطيل خدمات حساسة، وتُلحق الضرر بالنمو الاقتصادي، وأن تُسبِّب الدمار المادي. في ضوء ذلك، أعلن جيش التحرير الشعبي الصيني عن مخططاته لتسريع تطوير قواته السيبرانية وتحسين دفاعات الشبكة الصينية.
 
وهذا التركيز على الأمن السيبراني إنما يتقاطع مع القومية التكنولوجية الصينية: يعتقد صناع السياسة الصينيون أن عليهم خفض اعتماد الصين على شركات التكنولوجيا الأميركية لكي يضمنوا أمنها القومي، وهو اعتقاد تقوّى عام 2013، عندما كشف إدوارد سنودن، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي، بأن وكالات الاستخبارات الأميركية قد انتهكت خصوصية بيانات ملايين من الناس التي بحوزتها والتي تنقلها لشركات داخل الولايات المتحدة.
 
أخيرا، فقد قدّمت الصين مفهوم "السيادة السيبرانية" كمبدأ تنظيمي لحكم الإنترنت، في تعارض مباشر مع الدعم الذي توفره الولايات المتحدة لإنترنت عالمي، مفتوح. على حد تعبير تشي، فإن السيادة السيبرانية تُمثِّل "حق كل دولة باختيار طريقها الخاص إلى التنمية السيبرانية، وأسلوبها في التنظيم السيبراني وتنظيم السياسات العامة للإنترنت، والمشاركة في حكم عالمي للفضاء السيبراني بحيث تكون على قدم المساواة مع الدول الأخرى". إنّ الصين تتصور عالما مبنيا من شبكات إنترنت قومية، يتم تبرير السلطة الحكومية عليه بالاستناد إلى الحقوق السيادية للدول. كما أنها تريد إضعاف نموذج الإنترنت الذي يبدأ من القاعدة وينتهي بالقمة، والذي تقوده شركات القطاع الخاص عبر الولايات المتحدة وحلفائها، وهو نموذج ترى الصين أنّ شركات التكنولوجيا ومنظمات الحقوق المدنية الغربية تُهيمن عليه. ويؤمن صناع السياسة الصينيون أن من الممكن أن تكون لهم الكلمة العليا في تنظيم تكنولوجيا المعلومات وتحديد القواعد العالمية للفضاء السيبراني إن لعبت الأمم المتحدة دورا أكبر في حكم الإنترنت. الأولويات الأربع جميعها تتطلّب من الصين التصرف بحزم لتشكيل الفضاء السيبراني داخل البلاد وعلى المسرح العالمي.
 
سيخلَّد عهد تشي في الذاكرة كعهدٍ وضع حدًّا لتفاؤلية الغرب الساذجة بشأن تحرير إمكانيات الإنترنت. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، كانت بكين تُضيِّق الخناق بقوة على المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. في مارس/آذار 2017، على سبيل المثال، أبلغت الحكومة الصينية "Tencent"، ثاني أضخم عمالقة القطاع الرقمي في الصين، من بين شركات تكنولوجية أخرى أن تُغلق من المواقع الإلكترونية التي تستضيفها ما يتضمّن مناقشات عن التاريخ، والعلاقات الدولية، والجيش. بعدها بعدة أشهر، غُرِّمت "Tencent"، وشركة محرك البحث "Baidu"، وموقع التدوين القصير "Weibo"، لاستضافتهم محتوى محظورا على منصاتهم في فترة التحضير لانعقاد المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي. وطلب المسؤولون إلى شركات الاتصال أن تقوم بحظر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، التي استُخدمت على نطاق واسع من قِبل الأعمال التجارية، ورواد المشاريع، والأكاديميين الصينيين، بهدف الالتفاف على الرقابة الحكومية. وحتى الشركات الغربية خضعت للأوامر؛ فأزالت شركة "أبل" خيار الشبكات الافتراضية الخاصة من النسخة الصينية من متجرها. كما أن بكين قد أعلنت عن تنظيمات ولوائح جديدة بهدف الحدّ بشكل إضافي من إمكانية التصفح بحسابات مجهولة عبر الإنترنت عبر تحميل القائمين على المنتديات الإلكترونية مسؤولية مساهمات الأعضاء.
 
الرقابة الصينية اليوم بارعة في تقليم المحادثات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. في عام 2017، ومع تفاقم مرض المعارض والمثقف الصيني الفائز بجائزة نوبل ليو شياوبو، كشفت الرقابة الصينية أنها قد تمكّنت من مسح صوره من المحادثات الدائرة حوله. وفي حركة أكثر أورويليّة -نسبة لجورج أورويل-، كشفت السلطات عن نظام معقد للمراقبة يتألف من باقة ضخمة من الكاميرات والمجسات، المزودة ببرنامج لتمييز الوجوه والأصوات والذكاء الاصطناعي، وقد وظّفت الأداة بصورة أكبر في إقليم سنجان، ضمن جهود الصين لتعقّب المسلمين الإيغور هناك، لكن الحكومة تعمل على استخدامه على نطاق البلاد.
 
بالإضافة إلى توظيف رقابة المحتوى والمراقبة، خلقت الصين أيضا إطارا متشابكا من القوانين، واللوائح، والمعايير، لزيادة أمنها السيبراني وحراسة بياناتها في الأنظمة الحكومية والخاصة على حدٍّ سواء. فاتخذت الحكومة إجراءات لحماية البنية التحتية الحساسة للإنترنت، إذ أمرت بالقيام بمراجعات أمنية لمنتجات وخدمات الشبكة، كما أنها تطلب من الشركات بأن تُخزِّن بياناتها داخل الصين، حيث ستواجه الحكومات الإقليمية عقبات بسيطة في الوصول إليها. كما قامت بكين بتقديم لوائح جديدة تتعلق بطريقة استجابة الوكالات الحكومية لحوادث الأمن السيبراني، وكيف ومتى ستتمكّن الحكومة من الإفصاح عن نقاط ضعف البرنامج إلى القطاع الخاص، وكيف سيشارك كلٌّ من الوزارات والشركات الخاصة المعلومات المتعلقة بالتهديدات.
 
بإمكان الوكالات والحكومات الإقليمية المختلفة ترجمة وتنفيذ هذه السياسات بطرق مختلفة أيضا، لكن على الأقل، فإن هذه اللوائح سترفع كلفة وصعوبة إجراء الأعمال التجارية لشركات التكنولوجيا المحلية والخارجية على حدٍّ سواء. مسودة التنظيمات المنشورة في يوليو/تموز 2017 كانت فضفاضة على نحو لافت، بحيث لم يُشِر تعبير "البنية التحتية الحساسة" فقط إلى الفئات التقليدية مثل شبكات الاتصال، والمالية، والطاقة، ولكن أيضا شركات الإعلام، والرعاية الصحية، ومزوّدي حوسبة السحاب. وقد غُرِّمت كلٌّ من "Baidu" و"Tencent" و"Weibo" لانتهاكها قوانين الأمن السيبراني الجديدة. تتوجّس الشركات الأجنبية من أن يؤدي المعنى الفضفاض لمتطلبات تفتيش وتخزين البيانات داخل الصين إلى رفع التكاليف، وأنه قد يُتيح للحكومة الصينية الاستيلاء على حقوق الملكية الفكرية.
 
يعتقد صناع السياسة الصينيون أن تحقيق الأمن فعلا يتطلّب من الصين تحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. ولا عجب، والحال هذه، أن يكون دعم العلم والتكنولوجيا أوّليا ومركزيا في أحدث خطّة خمسية وضعتها للبلاد، والتي بدأت عام 2016. فقد تنامى استثمار الصين في البحث والتطوير بنسبة 20% منذ عام 1999، وهو يقع الآن عند 233 مليار دولار أميركي، أي إنه يُشكِّل نسبة 20% من الإنفاق العالمي في مجال البحث والتطوير. يتخرج من طلاب تخصصات العلوم والهندسة بالصين ما يفوق أي بلد آخر في العالم، وفي عام 2018، حلّت الصين مكان الولايات المتحدة الأميركية في إجمالي عدد المنشورات العلمية. لطالما تجاهل العلماء الغربيون الأبحاث الصينية، لكنّهم في الوقت الحالي يستشهدون بها بأعداد متزايدة.
 
هناك ثلاث تكنولوجيات سيكون لها الثقل الأكبر في قدرة الصين على تشكيل الفضاء السيبراني الصيني مستقبلا: أشباه الموصلات، والحوسبة الكمية، والذكاء الاصطناعي. طيلة سنوات، كانت الصين تحاول وتفشل في بناء صناعة قومية من أشباه الموصلات، وهذه القطع هي الدارات المدمجة أو "الرقائق متناهية الصِّغر" التي نجدها في كل جهاز تكنولوجي تقريبا. في عام 2016، قامت الصين باستيراد ما قيمته 228 مليار دولار أميركي من هذه القطع -أكثر مما أنفقته في استيراد النفط- والتي يُشكِّل شقها المستورد نسبة 90% من الاستهلاك الصيني، وفق شركة ماكنزي للاستشارات. وخطورة الاعتماد على المزودين في الولايات المتحدة قد تحقّقت في إبريل/نيسان 2018 حينما قامت إدارة ترامب بفرض عقوبات على "ZTE"، رابع أكبر مشغّل لأشباه الموصلات، إذ تعتمد "ZTE" على القطع المصنّعة في الولايات المتحدة، بما فيها الرقائق متناهية الصّغر لتشغيل محطات الاتصال اللا سلكي لديها. وعندما حالت العقوبات بين الشبكة ومزوّديها، اضطرت الشركات لإيقاف عملياتها الكبرى. في يونيو/حزيران 2018، عَدَل ترامب عن موقفه من العقوبات، لكن الأمر لم يكن كافيا لتهدئة المخاوف الصينية من الاعتماد على المزودين الأجانب. بعد الإعلان عن العقوبات بوقت قصير، دعا تشي لاجتماع ضمّ أبرز علماء البلاد بهدف إحراز اختراقات في مجال التكنولوجيات الدقيقة.
 
عرض شرائح ZTE في معرض 5G العالمي في بكين
عام 2015، أصدرت الصين إرشادات تهدف إلى دفع الشركات الصينية لإنتاج 70% من الرقاقات الدقيقة التي تستخدمها الصناعات الصينية بحلول عام 2025. منذ ذلك الحين، وفّرت الحكومةُ الدعمَ للشركات المحلية والأجنبية التي تنقل عملياتها إلى الصين، وشجعت المستهلك المحلي على الشراء من المزوّد الصينيّ فقط. وقد تعهّدت الحكومة بمبلغ 150 مليار دولار أميركي على مدار العقد القادم لكي تضمن قدرة الصين على تصميم وتصنيع المعالجات الدقيقة المتقدّمة. كما استحوذت الصين أيضا على تكنولوجيات أجنبية. وفقا لمجموعة "روديوم"، شركة الأبحاث، فبين العامين 2013-2016، قدمت الشركات الصينية 27 عرضا للاستحواذ على شركات أشباه الموصلات الأميركية، وتصل قيمة هذه العروض إلى 37 مليار دولار بالإجمال، مقارنة بـ 6 صفقات تصل قيمتها إلى 214 مليون دولار أميركي بين عامي 2000-2013. لكن هذه المحاولات شابتها العديد من المشكلات؛ ذلك أنّ العديد من العروض المغرية، بما فيها عرض بقيمة 1.3 مليار دولار أميركي لشركة "أشباه موصلات لاتيس"، وصفقة بقيمة 2.4 مليار دولار أميركي لشركة "أشباه موصلات فيرتشايلد"، منعت إتمامها الحكومة الأميركية لأسباب تتعلّق بالأمن القومي.
 
ثمّ هناك الحوسبة الكمية، التي تستخدم قوانين ميكانيكا الكم، أي قدرة البِتّ الكمومي أو "الكيوبت" على تأدية عدد من الحسابات في الوقت نفسه، لحل مشكلات محددة لا يمكن للحواسيب الكلاسيكية حلّها. التطورات في هذا المضمار قد تُتيح لخدمة الاستخبارات الصينية إنشاء محطات اتصال ضخمة مشفرة وأن تخترق التشفيرات المعروفة. يمكن للحواسيب الكمية المعروفة أيضا أن تعود بفوائد اقتصادية جمّة، عبر إعادة التصنيع، وتحليل البيانات، وعمليات تطوير العقاقير. في عام 2016، أطلقت الصين أول قمر صناعي في العالم بإمكانه التواصل عبر قنوات يؤمّنها التشفير الكمي، وشيّدت أطول كوابل الاتصالات الكمية في العالم التي تربط بين بكين وشنغهاي. من غير الواضح كم تنفق الصين على الحوسبة الكمية، لكن الأرقام ضخمة ولا شك، ذلك أنها تنفق مليار دولار أميركي على مختبرات الحوسبة الكمية وحدها.
 
زيادة على استثماراها في أبحاث أشباه الموصلات وفي الحوسبة الكمية، فإن مخططات الصين الطموحة في مجال الذكاء الاصطناعي هي ما يُثير قلق الغرب بصورة أكبر. في مؤتمر الذكاء الاصطناعي العام الماضي، قال إريك شميدت، الرئيس السابق لغوغل، عن الصينيين: "بحلول عام 2020، سيكونون قد لحقوا بالركب. بحلول 2025، سيكونون قد تفوقوا علينا. بحلول 2030، سوف يفرضون هيمنتهم على صناعة الذكاء الاصطناعي". الصين تسابق الزمن لتطويع الذكاء الاصطناعي للأغراض العسكرية، بما فيها حشود الدرونز الأوتوماتيكية، وبرنامج يمكنه الدفاع عن نفسه ضد الهجمات السيبرانية، وبرنامج ينقّب في وسائل التواصل الاجتماعي بهدف رصد التحركات السياسية المحتملة.
 
في عام 2017، لخّصت الحكومة الصينية خريطة الطريق بعزمها تحويل نفسها إلى "مركز عالمي أساسي لابتكارات الذكاء الاصطناعي" بحلول عام 2030. والخطة أقرب لقائمة أمنيات منها لأن تكون إستراتيجية متماسكة، لكنها تتضمن أيضا توجيهات للوزارات المركزية والحكومات الإقليمية بشأن كيفية الاستثمار في تحقيق التقدم عبر التركيز على مجالات محددة في البحث والتطوير. وقد أعلنت الحكومة كلًّا من"Baidu"، و"Tencent"، وعملاق التجارة الإلكترونية "علي بابا"، وشركة تمييز الأصوات "iFLYTEK"، أبطالا قوميين للصين في مجال الذكاء الاصطناعي، عبر تحديد هذه الشبكات كمجموعة أولى بهدف تطوير أنظمة بإمكانها توجيه السيارات ذاتية القيادة، وتشخيص الأمراض، والتصرف كدليل صوتي ذكي، وإدارة المدن الذكية، وهي مساحات حضرية تستخدم مجموعة واسعة من المجسات لحصد البيانات بشأن كيفية عيش الناس، ومن ثمّ تحلل تلك البيانات للحد من التأثير البيئي للمدن، ودفع عجلة النمو الاقتصادي، ورفع جودة حياة الأفراد.
 
كما أن الصين تصبو إلى تحديد الموجة القادمة من الابتكار، لا سيما تكنولوجيا الجيل الخامس من شبكات الهاتف المحمول، أي "5G"، التي ستُتيح سرعات أعلى من الإنترنت لمستخدمي الهاتف المحمول وتوفر استخدامات جديدة للأجهزة الموصولة بالإنترنت. بالنسبة للعديدين في سُدة القيادة الصينية، فإن مكانة الصين الحالية في التقسيم الحالي العولميّ للعمل تبدو أشبه بفخّ، حيث تحصد الشركات الأجنبية أرباحها من الملكيات الفكرية الخاصة بها، في حين تعتاش الشركات الصينية على هوامش بسيطة تُتاح لها من تصنيع وتجميع المنتجات المادية. إن استطاعت الصين أن تتحكم بالمعايير التكنولوجية، فإنها ستضمنُ أن تتلقى شركاتها دفعات مالية لقاء حقوق الملكية الفكرية والترخيص في حين تلتفت الدول الأخرى إلى تصنيع المنتجات التي يمكن أن تتلاءم مع منصات مملوكة لشركات صينية.
 
على مدار العقد الماضي، زادت الصين من براعة وتعقيد وحجم الوفود التي ترسلها إلى المنظمات الكبرى. لقد كانت الصين غائبة جوهريا عن النقاشات التي رافقت تكنولوجيات شبكات محمول الجيلين الثالث والرابع، لكن الحال تبدّل. ففي عام 2016، قامت هواوي، أكبر شركة للاتصالات الصينية، بإرسال ضِعفَيْ ما ترسله أي شركة أخرى من ممثلين إلى اجتماع فيينا حيث حُدِّدت مزايا الجيل الخامس القادم من شبكات الهاتف المحمول.
 
تحت حكم تشي، كانت الصين تحاول أيضا أن تُشكِّل المؤسسات والأعراف الدولية التي تحكم الفضاء السيبراني. لفترة طويلة من العقد الماضي، كان المخترقون الصينيون هُم مَن يضعون تلك الأعراف عبرَ فرضِ الأمر الواقع مِن خلال المشاركة في حملات تجسُّس سيبرانية ضخمة مُصمَّمة لسرقة الأسرار العسكرية، والسياسية، وأسوأها على الإطلاق في نظر الولايات المتحدة الأسرار التصنيعية. وقد ضغطت إدارة أوباما على الصين بشأن هذه الضغوط، عبر ربط الهجمات السيبرانية ضد الشركات الأميركية علنا بمخترقين مدعومين من الدولة الصينية والتلويح بفرض عقوبات على مسؤولين صينيين كبار. في عام 2015، اتفق الطرفان على ألا يدعم أيٌّ منهما السرقة الرقمية لأهداف تجارية. ومضت الصين إلى توقيع اتفاقيات مماثلة مع أستراليا، وكندا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وقد طرأ تراجع ملحوظ في أعقاب هذه الاتفاقيات، لكن التراجع يبدو بصورة أكبر نتيجة لإعادة ترتيب داخل الجيش الصيني عن أن يكون نتيجة للجهود الدبلوماسية الأميركية. بما أن جيش التحرير الشعبي قد عزّز من قبضته على القوات السيبرانية، فقد انتقل التجسس الصناعي إلى أيدي مخترقين أكثر براعة داخل وكالات استخبارية صينية.
 
جهود الصين الأكثر وضوحا في وسم إشارات طريق الفضاء السيبراني قد تمحورت حول الأمم المتحدة. لقد عززت الولايات المتحدة وحلفاؤها نموذجا لحكم الإنترنت يتضمن الأجسام التكنولوجية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والحكومات، في حين تُفضِّل بكين اعتناق رؤية تتمحور حول الدولة. في عام 2017، على سبيل المثال، نادت الصين بـ "نهج متعدد الجنسيات" في حكم الفضاء السيبراني، مع ضلوع الأمم المتحدة بدور ريادي في بناء التوافق الدولي حول القواعد". تؤمن بكين بأن نهجا متعدد الجنسيات ينطلق من الأمم المتحدة سيحمل فائدتين مباشرتين؛ أولا أنه سيجعل الأولويةَ لمصالح الحكومات على مصالح الشركات التكنولوجية وجماعات المجتمع المدني، كما أنه سيسمح للصين بأن تحشد أصوات الدول النامية، التي يرغب العديد منها بالسيطرة على الإنترنت والتدفق الحر للمعلومة.
 
كما أن الصين قاومت جهود الولايات المتحدة في تطبيق القانون الدولي، وبالأخص قوانين الصراع المسلح، على الفضاء السيبراني. حيث قام "منتدى الخبراء الحكوميين" في الأمم المتحدة بتحديد بعض القواعد السلوكية للدول في سلسلة من اللقاءات والتقارير الممتدة من عام 2004 إلى عام 2017. ومع أن الدبلوماسيين الصينيين في تقرير 2013 قد قبلوا بتطبيق مواثيق الأمم المتحدة والقانون الدولي على الفضاء السيبراني، ومع أنهم وافقوا في عام 2015 على أربعة أعراف تُحدِّد سلوك الدول، فإنهم ماطلوا في المناقشات المتعلقة بطريقة تطبيق الحيادية، والتكافؤ بين الدول، وحق الدفاع عن النفس، ومفاهيم أخرى من القانون الدولي على الصراع في الفضاء السيبراني. وجادلوا عوض ذلك بأن نقاشات القانون الدولي ستؤدي إلى عسكرة الفضاء السيبراني.
 
وأكد الدبلوماسيون الصينيون وأندادهم من الروس ضرورة التسوية السلمية للنزاعات. وفي عام 2017، فشلت الدول المشاركة في منتدى الخبراء الحكوميين في إصدار تقرير استكمالي، وكان ذلك في جزء منه بسبب اعتراض الصين وروسيا على اللغة التي تؤيد حق الدفاع عن النفس. بالإضافة إلى العمل من خلال الأمم المتحدة، فقد أسس صناع السياسة الصينيون لطريقتهم الخاصة في التعبير عن رؤيتهم لمستقبل الإنترنت وإعلاء كلمتهم في حكمه من خلال مؤتمر الإنترنت العالمي، الذي يُعقد سنويا في ووتشان. في عام 2017، حضر كلٌّ من تيم كوك، المدير التنفيذي لأبل، وسوندار بيتشاي، المدير التنفيذي لغوغل، المؤتمر لأول مرة. كوك، وهو مدافع صريح عن الخصوصية والخطاب الحر في الولايات المتحدة، صرّح أن أبل تشارك الصين رؤيتها في "تطوير اقتصاد رقمي يقوم على الانفتاح والمصالح المشتركة". في هذا الاتساق مع لغة المسؤولين الصينيين عن الانفتاح رغم تضييق الخناق الصيني على الإنترنت، إنما كان كوك يُسجّل عزم "أبل" على اللعب وفق قواعد اللعبة التي تضعها بكين.
 
من المحتمل أن تتمكّن الصين من فرض أقوى تأثير لها على حكم الإنترنت العالمي من خلال سياساتها التجارية والاستثمارية، بالأخص كجزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي الجهود الجبارة لبناء بنية تحتية تربط الصين بالمحيط الهندي، والخليج العربي، وأوروبا. بجانب أكثر من 50 مليار دولار أميركي كانت قد تدفّقت إلى سكك الحديد، والطرق، وأنابيب الغاز، والموانئ، والمناجم، والخدمات على طول الطريق، فقد أكّد المسؤولون الحاجة إلى أن تقوم الشركات الصينية ببناء "طريق حرير رقمي"، يتألف من كوابل الألياف الضوئية، وشبكات الهاتف المحمول، ومحطات استبدال الأقمار الصناعية، ومراكز البيانات، والمدن الذكية.
 
قسط كبير من الأنشطة الممتدة على طول طريق الحرير الرقمي قد جاء من تحالف شركات التكنولوجيا والتصنيع، لا من الحكومة الصينية. حيث قدّمت "علي بابا" توسعها نحو جنوب شرق آسيا كجزء من مبادرة الحزام والطريق، فاستحوذت على شركة التجارة الإلكترونية الباكستانية "دراز" وأطلقت منطقة تجارة إلكترونية حرة بدعم من الحكومتين الماليزية والتايلاندية، اللتين ستعملانِ على تسهيل عمليات الفحص الجمركي، وتوفير الدعم اللوجستي للشركات، وتعزيز الصادرات من الشركات الصغيرة والمتوسطة في ماليزيا وتايلاند إلى الصين. بينما تعمل شركة "ZTE" في الوقت الحالي في أكثر من 50 بلدا من بين 64 بلدا على طريق مبادرة الحزام والطريق. بالإضافة إلى تمديد كوابل الألياف الضوئية وإعداد شبكات الهاتف المحمول، كانت الشركة توفر خدمات المراقبة، والرصد، والتخزين السحابي، وتحليل البيانات لمدن في إثيوبيا، ونيجيريا، ولاوس، وسريلانكا، والسودان، وتركيا.
 
وتأمل الحكومة الصينية بأن تتيح لها هذه الأعمال التأثير السياسي على المنطقة. لكن الشركات الخاصة تصب تركيزها على الربح، وبكين قلّما تنجح في تحويل العلاقات التجارية إلى ثقل سياسي، حتى عندما تتضمن المشاريع أعمالا ضخمة تديرها الدولة، بما أن هذه الشركات عادة ما تسعى أيضا خلف مصالحها التجارية التي تتعارض مع الأهداف الدبلوماسية. لكن على المدى القصير، فإن حضور المهندسين، والمديرين، والدبلوماسيين الصينيين، سيعزز اتجاها في أوساط البلدان النامية، لا سيما تلك التي لديها حكومات استبدادية، لاعتناق مفهوم الصين المغلق للإنترنت.
 
رؤية الصين للإنترنت آخذة في الانتشار. وبحسب جماعة التفكير "فريدوم هاوس"، فإن حرية الإنترنت، أي سهولة وصول الناس إلى الإنترنت واستخدامه للبوح بما يفكّرون به، قد تراجعت على مدار السنوات السبع الماضية، إذ تقوم مزيد من البلدان بدفع الشركات إلى تخزين بيانات مواطنيها المقيمين على أراضيها (وهو ما تقاومه الشركات لأن القيام بذلك سيكلّفها أثمانا باهظة ويحد من قدرتها على حماية خصوصية مستخدميها)، مما يُتيح للحكومات إجراء مراجعات أمنية لتعاون الشبكة. كل بلد يسعى خلف هذه السياسات في دعم غاياته الخاصة، لكن بإمكانهم جميعا اللجوء إلى الصين للدعم المادي، والتقني، والسياسي.
 
إن موقع الولايات المتحدة الحالي من الإنترنت العالمي قد عاد عليها بفوائد اقتصادية وعسكرية واستخباراتية ضخمة، فقد قامت الشركات الأميركية ببناء الموزعات والخوادم التي تحمل بيانات العالم بأسره، والهواتف والحواسيب الشخصية التي يستخدمها الناس للتواصل فيما بينهم، والبرنامج الذي يعمل بمنزلة منفذ على الإنترنت. بطريقة مماثلة، يرى الحزب الشيوعي الصيني شركات التكنولوجيا موردا للدينامية الاقتصادية والقوة الناعمة، وبالتالي وسيلة لبسط نفوذه السياسي على عمالقة التكنولوجيا الصينيين. ومع تحوُّل هذه الشركات إلى مزوّد متنامٍ للبنية التحتية الرقمية العالمية، فإن أجهزة التجسس الصينية لن تقاوم إغواء حصد البيانات منها.
 
هناك عدة مزايا لشركات التكنولوجيا الصينية؛ ومنها الوصول إلى حجم ضخم من البيانات بالترافق مع القليل من القيود بشأن كيفية استخدامها، والعمالة الموهوبة، والدعم الحكومي. لكنّ إرث البلاد في التخطيط المركزي قد يؤدي بالشركات إلى الإفراط في الاستثمار، وبناء عمليات إضافية، وتبديد إبداعية موظفيها. وقد تحوّلت الشركات الصينية إلى أهداف للضغط السياسي في كلٍّ من أستراليا، والولايات المتحدة، وأوروبا، حيث تعتزم الحكومة الأسترالية منع هواوي من تزويد البلاد بتجهيزات شبكات الجيل الخامس للهاتف المحمول. أما واشنطن، فتعمل من جهتها على الحد من استثمار الشركات الصينية ووضع مزيد من العراقيل أمام قدرة لشركات الاتصالات الصينية إجراء أعمالها التجارية في الولايات المتحدة، فقامت برفض التماس شركة "تشاينا موبايل" بتوفير خدمات الاتصالات في الولايات المتحدة، وحظر مبيعات هواوي و"ZTE" من الهواتف الذكية لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وسعت إلى منع شركات الاتصالات الأميركية من إنفاق الأموال على تجهيزات البنية التحتية الأساسية والخدمات القادمة من الصين.
 
لكن من المستبعد لأيٍّ من هذه التحديات أن يُلحق ضررا ضخما بالطموحات الصينية، فالبلاد كبيرة، وقوية، وبالغة التطوّر. ولكي تستعد لسيطرة صينية أكبر على الإنترنت، سيتعيّن على الولايات المتحدة العمل مع حلفائها وشركائها التجاريين للضغط على بكين بحيث تُتيح السوق الصيني للشركات الأجنبية، وتحد من معاملتها التفضيلية للشركات الصينية، وتحمي حقوق الملكية الفكرية للشركات الأجنبية بصورة أفضل. بينما يتعيّن على صناع السياسة الأميركيين الانتقال من الدفاع عن نموذج "القاعدة إلى القمة" الذي يقوده القطاع الخاص لرؤية إيجابية تُتيح للدول النامية بدائل واقعية عن العمل من خلال الأمم المتحدة وحدها. ينبغي لواشنطن إجراء محادثات مباشرة مع بكين بشأن الأعراف التي تُحدِّد سلوك الدول في الفضاء السيبراني، وينبغي للبلدين العمل معا لإعداد المعايير العالمية للصفقات الحكومية في التكنولوجيا، وتحديد طريقة لكي تؤمّن بها الشركات سلاسل تزويدها ضد الهجمات السيبرانية، وتخطيط التفتيش الحكومي لتجهيزات الاتصالات الحساسة. لكن هذه الجهود ستؤدي فقط إلى تشكيل الاتجاهات، لا إبطالها. فأيًّا كان ما تفعله واشنطن، فإنَّ مستقبل الفضاء السيبراني سيكون صينيا أكثر منه أميركيا بكثير.
 
—————————————————————————————————–
 
هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات