عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jan-2026

العالم عام 2030*إسماعيل الشريف

 الدستور

القائد هو تاجر الأمل- نابليون.
 
في إطار فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقدة بمدينة دافوس، خُصصت إحدى الجلسات لاستشراف أبرز التحولات الجذرية المرتقبة على الصعيد العالمي مع حلول عام 2030. وقد أصدر المنتدى مقالاً تحليليًّا عبر منصة مجلة فوربس العالمية، حمل عنوانًا استفزازيًا: «لا أملك شيئًا ولا أتمتع بأي خصوصية، لكن الحياة أفضل من أي وقت مضى».
 
تضمنت المقالة رؤية مستقبلية شاملة عبر ثمانية محاور استراتيجية، يتصدرها تحول جوهري في نموذج الملكية؛ حيث ستتحول كافة الخدمات إلى سلع قابلة للاستئجار، وسينتهي عصر التملك الفردي. فالمساكن ووسائل النقل والأجهزة الإلكترونية والملابس وغيرها من السلع والخدمات ستُقدَّم عبر نظام الإيجار، مما سيفضي إلى تقسيم طبقي حاد بين نخبة محدودة تحتكر الملكية، وغالبية ساحقة تعيش في حالة من التبعية الدائمة لنظام الاستئجار. وفي السياق ذاته، ستُفرض آليات تسعير الكربون من خلال سياسات ضريبية مشددة على السفر والمركبات الخاصة، تحت مظلة الحفاظ على البيئة وتعزيز استخدام وسائل النقل الجماعي، بينما ستبقى ملكية السيارات والطائرات حكرًا على الطبقات الثرية، في حين تُدفع الجماهير نحو الاعتماد الإجباري على وسائل النقل العام المكتظة.
 
كما تطرح هذه الرؤية الاستشرافية سيناريو انتهاء عصر الهيمنة الأميركية المطلقة، وبروز نظام عالمي متعدد الأقطاب تتقاسم قيادته الولايات المتحدة مع الصين والهند والاتحاد الأوروبي. أما على صعيد المنظومة الصحية، فيُتوقع اندثار المستشفيات التقليدية، لتحل محل الكوادر الطبية البشرية أنظمة روبوتية متطورة تتولى إدارة الرعاية الصحية، مع ظهور نموذج «الصحة الرقمية»؛ حيث تُدمج الأجساد البشرية بشبكات من أجهزة الاستشعار والمراقبة المستمرة. ويرسم هذا التصور مستقبلًا منقسمًا بين فئة مهمشة تُصنَّف كعديمة الجدوى نتيجة رفضها الاندماج في الشبكة الرقمية، وطبقة نخبوية متحكمة تستفيد من امتيازات هذا النظام. وفي ظل هذا الواقع، سيفقد الجسد البشري خصوصيته التامة، ليتحول الإنسان إلى كيان شفاف قابل للرصد والتحليل بشكل كامل.
 
وعلى صعيد المنظومة الغذائية، تُنبئ التوقعات بتحولات جذرية؛ حيث سيشهد استهلاك اللحوم الحيوانية التقليدية تراجعًا ملحوظًا، لتحل محلها مصادر بروتينية بديلة تشمل الحشرات التي يُروَّج لها كخيار غذائي صحي ومُستدام، فضلًا عن اللحوم المُصنَّعة مختبريًّا باستخدام التقنيات الحيوية المتقدمة. وعلى المستوى الديموغرافي والاقتصادي، تُشير التحليلات إلى أن موجات اللجوء السورية ستُفضي إلى تولي كوادر سورية مؤهلة مناصب إدارية رفيعة المستوى في عدد من الدول الأوروبية بحلول 2030، وهو ما يُلقي الضوء على أحد الدوافع الاستراتيجية وراء سياسات الاستقبال الأوروبية، ولا سيما ألمانيا، الرامية إلى معالجة أزمة النقص في رأس المال البشري ضمن مجتمعات تواجه تحديات الشيخوخة السكانية. وبالتوازي، ستشهد المنظومة القيمية التي شكلت الأساس الفلسفي للمجتمعات الغربية والأنظمة الديمقراطية - كالحرية الفردية والنزعة الرأسمالية - تحولات جوهرية وإعادة تعريف جذرية.
 
ولا تقتصر هذه الرؤية الاستشرافية على الحدود الأرضية، بل تمتد لتشمل سيناريوهات الاستيطان البشري على كوكب المريخ، في إطار المشاريع الطموحة التي يتصدرها إيلون ماسك، أحد أبرز رواد الأعمال وأثريائهم على مستوى العالم. ووفقًا لهذا الطرح الاستراتيجي، يتعين على الجنس البشري تبني رؤية كونية شاملة، تنظر إلى الأرض باعتبارها عنصرًا ضمن منظومة كوكبية أوسع قابلة للاستيطان البشري، وإلا فإن مصير البشرية سيكون الانقراض الحتمي.
 
قد تبدو هذه التوقعات المستقبلية للوهلة الأولى ضربًا من الخيال، إلا أن جوهر الإشكالية لا يكمن في غرابة هذه السيناريوهات ذاتها. بل إن مكمن القلق الحقيقي يتمثل في النمط المتكرر الذي ينتهجه المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يتمحور حول طرح أجندات وسياسات تخدم مصالح النخب الثرية على حساب الشرائح الأكثر هشاشة اقتصاديًّا. فما يُقدَّم تحت مسميات الحلول المبتكرة والإصلاحات الضرورية ينتهي، في كل مرحلة، إلى تحميل الفئات الأضعف اقتصاديًّا تبعات أزمات وأخطاء لم تكن طرفًا في صناعتها، بينما تُعفى الطبقات المالكة للثروة من تحمل نصيبها العادل من هذه التبعات.
 
أما البُعد الأكثر إثارة للقلق، فيتجسد في التوجه الصريح نحو إحكام السيطرة العالمية، وهو توجُّه لا يتوانى أصحابه عن الإعلان عنه بشكل علني وواضح؛ حيث يُعتبر توظيف آليات الخوف وبث القلق المنهجي في أوساط الجماهير من أخطر الاستراتيجيات المستخدمة لفرض هذه الهيمنة وتعميق جذورها في البنى المجتمعية.
 
وبمعزل عن الانجراف نحو نظريات المؤامرة، أخي القارئ، احرص على التوسع المستمر في آفاق وعيك ومنظومتك المعرفية، ولا تسمح لأي جهة بفرض رؤيتها على مستقبلك الشخصي والجماعي.. وتذكر دائمًا: لا تستسلم لمن يحاول أن يفرض عليك خياراته، مهما بدت حتمية، وإيّاك أن تأكل الحشرات يومًا.