عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Feb-2021

الإذاعات المجتمعية.. بلابل الحدائق المهجورة*د. صبري الربيحات

 الغد

التسلية والترفيه والإعلام والتثقيف كانت أبرز المهام التي ارتبطت بالراديو ومن بعده التلفاز ووسائل الاتصال الأخرى. المثير أن هذه المهام تم سلبها من هذه الوسائل لتتولى القيام بها وسائل أخرى. وسط التحولات الجديدة في مجتمعاتنا أصبح الناس يبحثون وبإلحاح عن العناصر الموحدة لهم على المستوى الإنساني والقومي والوطني.
بنفس المنطق يسعى الأفراد إلى البحث للتعرف على ما يوحدهم على مستوى مجتمعاتهم المحلية وأحيانا على مستوى الجيرة والأسرة. المؤسف أن الكثير من عناصر تقريب الأفراد وإكسابهم الهوية المشتركة قد خبت وتراجع تأثيرها أو أنها موجودة بمستويات ضعيفة تحتاج إلى الشحن والإحياء من وقت لآخر. اللغة والدين والروابط القرائبية والتاريخ المشترك والجغرافيا بعض من العناصر الأساسية لتماسك المجتمع وتقوية اللحمة وإيجاد علاقات قوية ومتبادلة.
المشكلة أن الثروة وتوزيعها وانتشار التكنولوجيا والاتصال وسهولة السفر جعلت من المجتمعات الحديثة أقل تماسكا وترابطا ودفعت بالكثير من الناس للتفاخر بأنهم لا يعرفون جيرانهم أو أيا من الأشخاص الذين يعيشون في محيطهم.
في وجه هذا التشظي لا بد من إيجاد وسائل وقنوات جديدة تربط الأفراد بالمكان وتسلط الضوء على المشترك والعام وتشجع الفرد بأن يعمل من أجل المصلحة العامة. في رأيي إن الإذاعات المجتمعية هي إحدى أفضل وأهم الوسائل التي يمكن أن تقوم بإعداد وإنتاج وبث رسائل تربط الأفراد بمجتمعاتهم وتقوم بدور صيانة البنى الاجتماعية المتهالكة وتخلق خطابا حداثيا موضوعيا يعمق ارتباط الأفراد بمجتمعاتهم ومحيطهم.
قبل أيام اتصل بي الإخوة من إذاعة جامعة الطفيلة التقنية وهي إحدى الإذاعات المجتمعية في الأردن. في اللقاء القصير وجّه لي الأخ المذيع عددا من الأسئلة حول دور الإذاعات؟ والتحديات التي تواجهها؟ وسألني عما يمكن أن تقوم به الإذاعات لتطوير عملها وإغناء رسائلها وجعل الاستماع والمتابعة لما تبثه أكثر فائدة ومتعة؟
لقد جاء الاتصال بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة تلك المناسبة التي أوجدتها اليونسكو ليحتفل العالم بها في 13 شباط من كل عام .لا أعرف إذا ما شعر الإخوة في الإذاعة أني سعدت كثيرا بهذا الاتصال لا لكي يسمع صوتي بل لأقول أشياء حول ما يمكن أن تقوم به الإذاعات من أدوار مهمة في إعادة بناء وتنظيم مجتمعاتنا التي تغيرت كثيرا وأصبحت لا تشبهنا أبدا. فالإذاعات واسعة الانتشار ويستمع لها الجميع بدرجات متفاوتة ويمكن أن يرافق صوتها رحلاتنا دون أن يتطلب ذلك التوقف عما نقوم به. السيدات يستمعن كثيرا للإذعة وهن يقمن بالأعمال المنزلية أو يمارسن الرياضة وغيرها من الأنشطة.
في حديثي مع الإذاعة، التي أقدر عاليا جهود القائمين عليها، تحدثنا عن أهمية الاعتناء بتقديم الطفيلة لأهلها وللأردن والعالم واعتبارها نافذة المواطن على المجتمع وتشكيلاته وتفاعلاته ومشروعاته التي قد لا يراها من يجلس في بيته أو يقيم في قرية على أطراف المحافظة. من غير الممكن للإذاعات المجتمعية أن تلعب أدوارا ريادية دون أن تعي رسالتها وتعرف جمهورها وتعد بعناية برامجها وتحرص على تقديم كل ما هو ممتع ومفيد لجمهورها.
كما في إربد والكرك ومعان تنهض إذاعة الطفيلة بمهام إضافية تجعل منها أداة ووسيلة تنموية تلعب أدوارا استثنائية بالتعريف بقضايا وتحديات المجتمع وتسلط الضوء على المصادر ومكامن القوة والفعل والتأثير، وتخلق مساحات واسعة للبحث والحوار داخل هذه المجتمعات وصولا إلى الطرق والوسائل الكفيلة بوضع الإمكانات في خدمة الأهداف العامة. في الطفيلة أتمنى أن يكون في الإذاعة برامج بعدد الاهتمامات وأن يجد السائق والمزارع والمعلم وربة البيت والمريض والتاجر والشاب والشاعر وراعي الأغنام ما يهمه فيما يقدم من برامج.
التحدي الأكبر أن لا تبقى الإذاعات المجتمعية تطارد شبح الإذاعات التي احترفت الإعلان أو رأت نفسها منابر أيديولوجية أو استوديوهات لمنوعات غنائية.. الإذاعات المجتمعية هي الوصفة الأنسب لترميم روح المجتمع التي أطاحت به التكنولوجيا والفردية وأخلاق السوق فهل ستنهض بمهمتها؟ سؤال يحتاج إلى إجابة بعد شيء من الانتظار.