عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Dec-2019

ليبقَ الجمرُ متقدًا - رمزي الغزوي

 

الدستور- إن كان سهلاً أن أستعيدَ عنوانَ خاطرةٍ قرأتها في صباح كانوني عام 1987م عبر إذاعة مدرستي الثانوية في كفرنجة عجلون، فليس أصعب من استرجاع شيء من عواطف بركانية لفتى في الخامسة عشرة من العنفوان، ما زالت حممها تتغلغلني متلظية ليلَ نهار.
أتذكرني كيف صحوت في غرة الفجر لكتابتها بيد ترتجف، ودموع تنهمر دفئاً في فمي وأضلعي، وأنا الطفل الذي نام ليلته مشدوها بصور اشتداد حمى الانتفاضة الفلسطينية التي يقودها أطفال بمثل عمره، علموا العالم كيف يقاوم المحتلُ بالحجارة، وكيف يُهزمُ الخنوعُ.
فكرة الخاطرة التي حلمت بها، أن الدموع التي تسفحها الأمهات والأخوات حزناً على الشهداء الشباب والأطفال وهم يكابدون عدوهم. هذه الدموع تتنزل في رحم الأرض، لتنبت حجارةً تصير سلاحاً لأيادي المنتفضين.
في طريق المدرسة كانت كرة أرضية صغيرة ترافق مخيلتي؛ كي يصفعها صوتي الحامي، وأنا أتدرب بحماس على الإلقاء، كنتُ أرى الدمعةَ تنقلب حالما تلامس وجه الأرض حجراً ليد طفل تتهيأ. 
بعد الطابور الصباحي قالوا لي، إنني لم أكن أقرأ من ورقة يدي، بل كنتُ زارعاً رأسي في غيمة حجبت ضوءَ الشمس، وأن الدمعة الحمراء كانت تتقادح في عيني كنار الكور، فيما حشرجة صوتي وهديره تفرضان حظرَ صمتٍ على أنفاس الزملاء والمعلمين.
لم أنتبه بعدها كيف وصلت إلى صفي، ولم أعرف لما أجهشت في البكاء الصامت حين دفنت رأسي في حضني، بل كل ما عرفته بعد ذلك الصباح الساخن، أن الكتابة غدت درب آلامي وأشجاني، وصارت نسغ أحلامي وأفراحي وهواجسي. فانظر ماذا كتبتَ على نفسك، أيها الفتى الحالم البركان؟
تداعت علي هذه الإنثيالات الدافئة في الذكرى 32 لانتفاضة أطفال الحجارة الفلسطينية الباسلة، التي انطلقت من جباليا لتعيد للقضية ألقها، وتفرض على العالم مشروعيتها. ولتثبت أن الشعوب لربما تنتابها حالة سكون، إنما لا بدَّ للجمر أن ينفض بارد الرماد وينهض.
تلك الانتفاضة ولّدت حرارةً عالية في جسد العالم البارد، وكانت سبباً في الاعتراف الإسرائيلي والأمريكي والعالمي بوجود الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال في الضفة الغربية، ونتذكر إسحق رابين رئيس وزراء الكيان الصهيوني كيف حاول أن يطفئ شعلتها حينما أمر جنوده بكسر عظام المنتفضين، ولم يفلح. 
نتذكر هذا لأننا في مواجهة إنسانية ووطنية وأخلاقية طويلة الأمد مع عدو غشوم قوي متمكن له نفوذه وهيلمانه وشراكاته المتينة. نتذكر هذا؛ كي لا نمنح أعداءنا ما يريدونه من سكون المقابر وصمتها؟. نتذكر هذا؛ كي يبقى الجمر متّقداً.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات