عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Jan-2026

نساء العقبة يرسمن المشهد التنموي.. من المشاركة إلى قلب القرار

 الغد-أحمد الرواشدة

 تحولت العقبة إلى مسرح لتحولات اجتماعية وتنموية عميقة، بطلتها المرأة العقباوية التي أعادت هندسة المشهد الاقتصادي للمدينة، وتجاوزت مرحلة "التمكين التقليدي"، أو المشاركة الخجولة، لتسجل حضورا نوعيا في قطاعات كانت، حتى الأمس القريب، "مناطق محظورة".
 
 
اليوم، تبرز المرأة في العقبة كشريك استراتيجي في صناعة القرار ورسم ملامح المستقبل، مثبتة أنها لم تعد "المبتدأ المؤجل"، في خطط التنمية، بل أصبحت "الخبر اليقين"، في جملة الوطن المفيدة.
ولعل أبرز تجليات هذا التحول هو كسر نساء العقبة احتكار العمل في قطاع "الاقتصاد الأزرق"؛ فبعد أن ارتبط البحر طويلا بالعمل المينائي الخشن والذكوري، نجد اليوم شابات عقباويات يقتحمن عالم الغوص، والعلوم البحرية، والملاحة، بجرأة وكفاءة عالية.
تؤكد دعاء المعايطة، الغطاسة المحترفة التي سجلت اسمها بوضوح في هذا القطاع، أن البحر لم يعد حكرا على الرجال، مشيرة إلى أن دخول الفتاة العقباوية عالم الغوص هو رسالة نثبت من خلالها قدرتنا على العمل في أصعب الظروف، واستكشاف أعماق خليجنا، والمساهمة في حماية بيئتنا البحرية، مقدمات نموذجا للمرأة التي تجمع بين القوة البدنية والوعي البيئي.
 إدارة المرأة لملفات تجارية ضخمة
ولم يقف الطموح عند الشاطئ، بل امتد لقطاع الملاحة والخدمات اللوجستية، عصب الاقتصاد في العقبة، حيث أثبتت المرأة قدرتها على إدارة ملفات تجارية ضخمة ومعقدة.
 وتشير ميساء عرموش، مالكة شركة ملاحة وإدارية متميزة، إلى أن "قطاع الملاحة واللوجستيات عالم لا يعترف إلا بلغة الأرقام والإنجاز، ولا مكان فيه إلا للأقوياء مهنيا، مشيرة إلى أن المرأة في العقبة تجاوزت مرحلة "إثبات الوجود" لتصل إلى مرحلة "السيادة والريادة"، مؤكدة أن إدارة شركة في هذا القطاع الحيوي تعني إدارة شبكة معقدة من المصالح والقرارات الإستراتيجية التي تتطلب حزما ودقة متناهية في إدارة المخاطر.
 لذا، فإن وجود نساء يدرن دفة هذه الشركات هو دليل قاطع على أننا انتقلنا من هوامش العمل الإداري إلى قلب "مطبخ القرار الاقتصادي"، نمسك بزمام المبادرة ونسهم بفاعلية في تعزيز تنافسية العقبة كمركز لوجستي عالمي.
وأضافت، الانخراط النسائي في قطاع السياحة قيمة نوعية لا تقدر بثمن، حيث ساهمت اللمسة النسائية في "أنسنة" الخدمات السياحية وجعلها أكثر دفئا وقربا من الزوار.
 بصمة المرأة في سياحة العقبة
تؤكد الناشطة في القطاع السياحي ليالي النشاشيبي، التي صنعت فارقا ملموسا في الميدان، أن "بصمة المرأة في سياحة العقبة تجاوزت مفهوم "الضيافة التقليدية"، لتصل إلى هندسة التجربة السياحية المتكاملة، فالمرأة العقباوية لم تكتفِ بالمشاركة، بل نجحت في ردم الفجوة بين المنتج السياحي العالمي والروح المحلية الأصيلة، مقدمة للسائح سردية ثقافية وتراثية دافئة لا يتقن صياغتها سوانا، مشيرة  إلى أن قدرتنا على تحويل التفاصيل اليومية وموروثنا الشعبي إلى منتج سياحي جاذب هو ما نقل الزائر من خانة "المشاهدة" إلى خانة "الانغماس الثقافي"، وهذا العمق بالتحديد هو ما يمنح العقبة هويتها المتفردة ويجعلها عصية على المنافسة كوجهة عالمية ذات روح إنسانية.
تسليط الضوء على قضايا واحتياجات الشباب
وكان لا بد من وجود أصوات إعلامية محترفة، حيث برزت صحفيات عقباويات عملن مع كبرى الوكالات العالمية. 
وتوضح الصحفية دينا المحادين، أهمية هذا الدور، حيث تقوم بتغطية محافظة العقبة من خلال الجمع بين الوعي بالمكان، ملتزمة بالمهنية لا سيما خصوصية العقبة كمنطقة اقتصادية خاصة وواجهة بحرية واستثمارية للأردن، وما تحمله من ملفات إستراتيجية الاقتصاد والسياحة، والموانئ والاستثمار، وفرص العمل ولا سيما تسليط الضوء على قضايا المواطن، واحتياجات الشباب، ودور المؤسسات الرسمية والخاصة في التنمية.
وتضيف محدثتنا أن هذا الدور، عبر نقل الصورة الحقيقية للميدان بموضوعية وتوازن، وإبراز الإنجازات كما هي دون إغفال للتحديات أيضا، يتطلب أن أكون حاضرة بالميدان وعينا للحقيقة، وأن أبرز المهنية في دقة المعلومة، وتعدد المصادر، واحترام أخلاقيات المهنة، فهذا بالتأكيد واجب وطني ومسؤولية صادقة تجاه وطني ورؤيته الملكية السامية، وإبراز مكانة العقبة كرافعة اقتصادية وسياحية وتنموية على خريطة العالم، ولتبقى الصحافة صوتا مسؤولا يعكس نبض المحافظة ويخدم الوطن بصدق واقتدار.
  المرأة وانخراطها في قطاعات كانت مقتصرة على الرجال
الاستثمار في المستقبل يستند إلى قاعدة صلبة من التعليم والتدريب، وهو الملف الذي توليه القيادات الأكاديمية والشبابية اهتماما خاصا.
وتشدد الناشطة الشبابية الدكتورة هلا المواجدة، من جامعة العقبة للعلوم الطبية، على أن "التعليم النوعي هو الرهان الرابح لاستدامة نهضة العقبة، وأن دورنا الأكاديمي تجاوز مرحلة التلقين المعرفي إلى مرحلة "صناعة القيادات التغييرية"، مشيرة إلى أننا اليوم نبني شخصيات نسائية تمتلك "المناعة المعرفية"، والمهارة التخصصية الدقيقة -خاصة في العلوم الطبية والحيوية- التي تمكنهن من فرض إيقاعهن في سوق العمل التنافسي، فالتمكين الحقيقي يكمن في تسليح الفتاة بأدوات العصر لتقود هي قاطرة التحديث، وتتحول إلى مبتكرة للحلول وشريكة فاعلة في هندسة المستقبل التنموي للمدينة".
ويرى الخبير الاقتصادي والاجتماعي الدكتور محمد الطراونة أن ما تشهده مدينة العقبة لا يمكن اختزاله في مفهوم "التمكين الوظيفي" والواقع أننا نعيش حالة من "إعادة التشكل البنيوي" للمجتمع العقباوي، مدفوعة بمتغيرات اقتصادية وقيمية عميقة.
ويشير إلى أن انخراط المرأة العقباوية في قطاعات كانت مصنفة تاريخيا كـ"تابوهات" مهنية -مثل العمل المينائي والغطس واللوجستيات الثقيلة- هو مؤشر على نضوج ما نسميه في علم الاجتماع الاقتصادي بـ"المواطنة المنتجة"، مؤكدا أنه لم يعد المجتمع ينظر لعمل المرأة كترف أو كخيار ثانوي لسد العجز المادي للأسرة فحسب، إنما تحول إلى ضرورة إستراتيجية لاستدامة النمو الحضري للمدينة، والعقبة، كمنطقة اقتصادية خاصة، تفرض إيقاعا متسارعا وتنافسية عالية لا تحتمل تعطيل نصف المجتمع، وهذا الضغط الاقتصادي ولّد استجابة اجتماعية مرنة، حيث تراجعت الحواجز الثقافية أمام ضغط الكفاءة والاحتياج.
 التنوع الجندري في مراكز قيادية
ويستطرد الطراونة أن الأهم من مجرد المشاركة العددية هو نوعية هذا الحضور؛ فعندما نرى نساء في مواقع صنع القرار الإستراتيجي، وفي إدارة سلاسل التوريد، وفي الهندسة الطبية، فهذا يعني أننا انتقلنا من مرحلة "الكم" إلى مرحلة "الكيف"، وهذا التحول له انعكاسات مذهلة على المدى البعيد؛ فهو يغير نمط التنشئة الاجتماعية للأجيال القادمة، حيث تنشأ الفتيات الصغيرات وهن يرين أمهاتهن يقدن القوارب ويدرن الشركات، مما يكسر السقف الزجاجي لطموحاتهن مبكرا.
وأشار الطراونة إلى أن الدراسات تؤكد أن التنوع الجندري في القيادة يرفع من إنتاجية المؤسسات وابتكاريتها، والمرأة العقباوية أضافت بعدا من "الذكاء العاطفي" و"الدقة التنظيمية" لقطاعات كانت تعاني من الجمود الإداري، مؤكدا أن هذا الحراك هو الضمانة الحقيقية لاستقرار العقبة الاجتماعي والاقتصادي.