عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jan-2026

لا سيادة للدول مع نظام عالمي "أعرج"*موفق ملكاوي

 الغد

كان يمكن للهجوم العسكري الأميركي على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى جهة غير معلومة، أن يكون مجرد سيناريو افتراضي لما «تستطيعه» واشنطن بالفعل، وما هي قادرة على تحقيقه كقوة عسكرية إمبريالية غير عادلة، تمارس البلطجة بقوة السلاح، وتدعم دولة مارقة بالتسليح والقرار السياسي لكي تكون وكيلة لها لتحقيق أهدافها.
 
 
لكن الذي حدث، هو أن الفرضيات تطورت من مجرد سيناريوهات مفترضة إلى واقع عادت فيه واشنطن لممارسة هواياتها المفضلة بالتدخلات العسكرية العنيفة، وتغيير الأنظمة بالقوة، وهي عادة مارستها كثيرا، واستطاعت دائما أن تنعش اقتصادها من خلال سلوكيات عدوانية تحفز بها أسواقها العديدة، بما فيها سوقا السلاح والطاقة.
تتشابه عملية الاعتداء على فنزويلا مع اعتداءات كثيرة نفذتها الولايات الأميركية على بلدان أخرى، فتاريخها حافل بتدخلات تضمنت الإطاحة بقادة دول أو اعتقالهم، وتغيير أنظمة لا تروق لها، من أجل تحقيق أهدافها، والتي غالبا ما تكون بخلاف ما تصرح به.
القائمة التي تضمن الصدارة للولايات المتحدة في هذا السياق، طويلة جدا، من غزو غرينادا إلى بنما إلى ليبيا والعراق، وغيرها من البلدان التي خلخلت واشنطن سلمها الأهلي، وحولت بعضها إلى دول فاشلة تعصف بها الحروب الأهلية التي أحرقت الجميع بنيرانها.
الأهداف المعلنة لواشنطن، غالبا ما تكون بـ»ذرائع أخلاقية»، مثل مكافحة تهريب المخدرات، وحماية المواطنين الأميركيين، وحماية المدنيين في الدول نفسها، أو تطبيق قرارات مجلس الأمن، أو امتلاك أسلحة دمار شامل، كما هي الحجة الواهية الخاصة بشرعنة احتلال العراق، والتي ثبت زيفها، وأنه تم تلفيقها وفبركتها داخل إدارة الرئيس جورج بوش الابن.
التهم الجنائية الموجهة ضد مادورو وزوجته، هي الأخرى وفرت ما يشبه الغطاء القانوني والأخلاقي للتدخل، بوصفها «عملية إنفاذ قانون» دولية وليست مجرد عمل عسكري، بعد توجيه وزارة العدل الأميركية اتهامات لمادورو بقيادة «كارتل الشمس»، والتآمر لاستخدام الكوكايين كسلاح ضد الولايات المتحدة. واتهام زوجته بغسيل الأموال والفساد، إلا أن هذا «الغطاء» سوف لن يصمد قليلا، فالعملية العسكرية لا يمكن تفسيرها ضمن هذا السياق فحسب، بل ينبغي أن ينظر إليها كنتاج تضافر مجموعة معقدة من الدوافع الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية والقانونية.
أول تلك الدوافع هي الجيوسياسية والأمنية، إذ إن فنزويلا، بحكم موقعها الجغرافي وتوجهها السياسي، تعد تحدياً مباشراً لمبدأ الهيمنة الأميركية التقليدية في نصف الكرة الغربي، لذلك تسعى واشنطن إلى إعادة تأكيد هيمنتها الإقليمية، معتبرة فنزويلا «نقطة ارتكاز» للنفوذ المعادي في أميركا اللاتينية، وينظر إلى هذا التدخل على أنه تطبيق عملي لـ»عقيدة مونرو» التي تهدف إلى إبعاد القوى الخارجية عن المنطقة، باعتبار أن نصف الكرة الغربي هو مجال نفوذ خاص بالولايات المتحدة.
الوجود المتزايد لروسيا والصين وإيران في فنزويلا، كذلك، يمثل تهديدا إستراتيجيا لأمن الولايات المتحدة، لذلك فالتدخل يقطع الطريق على هذه القوى، ويمنعها من إقامة موطئ قدم عسكري أو إستخباراتي بالقرب من حدودها.
الاحتياطي النفطي الأكبر عالميا في فنزويلا، والمقدر بحوالي 303 مليارات برميل، هو «مكافأة» لا يمكن التغاضي عنها، لذلك تضعه واشنطن هدفا مباشرا لها، وتسعى لتأمين تدفقه بأسعار مستقرة، بعد إنهاء سيطرة الدولة على شركة النفط الوطنية وإعادة الأصول للشركات الأميركية التي تم تأميمها في سبعينيات القرن الماضي.
كما يهدف التدخل لوقف «تجارة الذهب غير المشروعة»، والتبادل التجاري خارج النظام المالي العالمي مع إيران وروسيا، لتعزيز فعالية العقوبات الأميركية على جميع الأطراف.
التدخل الأميركي السافر، يمكن تغليفه بعشرات المبررات الأخلاقية البراقة، ولكن تبقى الحقيقة ظاهرة للعيان أمام الجميع، وهي أن الإمبراطورية الإمبريالية تريد التأكيد على نفوذها ومصالحها، وأن الشعوب الأخرى لا يمكن أن يكون لها مصالح خاصة بها، إلا من فتات موائد الإمبريالية، كما لا يمكن أن تكون هناك سيادة للدول ما دامت تشوهات موازين القوى قائمة في المنظمة الأممية وذراعها مجلس الأمن.