عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Nov-2018

الأمن الفكري والعقل الجمعي*ساعد الثبيتي

 الحياة-لم تعد الحاجات الفسيولوجية تتصدر قاعدة هرم ماسلو الشهير مع ما تنعم به مجتمعاتنا من رغد عيش ورفاهية تتجاوز الاحتياجات الأساسية للفرد، وأصبحت الحاجة إلى الأمن هي التي تحتل قاعدة «الهرم» في ظل الأحداث والمتغيرات المجتمعية والسياسية، وأعني بذلك الأمن الفكري الذي يشغل اليوم دائرة الاهتمام العالمي، وهو الاطمئنان على أن المنظومة الفكرية والقيمية التي ترتب العلاقات بين أفراد المجتمع ليست موضع تهديد. والأمن الفكري يتأثر كثيراً بالسلوك الجمعي، فهناك علاقة وطيدة بين التفكير الجمعي والأمن الفكري، فأوامر العقل الجمعي التي تتحكم في تفكير المجتمعات تلقي بظلالها على الأمن الفكري، فكلما كان العقل الجمعي يحمل أفكاراً سلبية ومشوشة تحمل في طياتها معايير وقيم متطرفة؛ فالأمن الفكري في خطر.

 
 
يرى المختصون أن الأفراد عادة ما يقبلون الأفكار الجمعية عندما تأتي من مصادر متعددة من دون تمحيص بغض النظر عن سلامتها وصحتها، كما أن استقلالية الشخص واتجاهه الفردي يؤثر بلا شك في قراراته، وهنا يظهر دور العقل الجمعي في شحن الأفراد بالأفكار والتأثير على قراراتهم التي ستكون حتما محكومة بالفكر الجمعي وموافقة لتصرفات الآخرين والقناعة بأنهم على صواب.
 
وبما أن الإنسان يؤثر ويتأثر بمجتمعه؛ فإن الإذعان إلى السلوك الجمعي الذي يفرضه الواقع، والعجز عن تحديد السلوك المناسب يضرب الفكر الإنساني في مقتل، ويهدد الأمن بمختلف مجالاته، ومن هنا تنشأ المشكلات الفكرية التي تدفع المجتمعات ثمنها، وتحدث الصراعات والانقسامات في ظل غياب التفكير الناقد الذي يمحص السلوك الجمعي لإحداث التغيير الذي يضمن سلامة التفاعل الفكري مع الأحداث والخروج من القولبة التي تتعمد تشويه الحقائق بواسطة وسائل الإعلام والتواصل الجماعي، وتجعل العقل حائراً يترقب موقف المجتمع تجاه تسوية تلك الصور الفكرية المبرمجة والممنهجة.
 
ربما هناك من لم يسمع بمصطلح الأمن الفكري - وهو مصطلح حديث - إلا عندما تبنته جهات عدة من بينها وزارة التعليم في المملكة من خلال مسؤوليتها عن تربية النشء وإطلاق برامج وفعاليات متنوعة تُعنى بتحقيق الأمن الفكري، والقيام بإعادة هيكلة بعض إداراتها، وإنشاء مركز للوعي الفكري يهدف إلى نشر القيم المعتدلة ونبذ الأفكار الدخيلة والمتطرفة، واختيار من يقوم على هذه البرامج بعناية تامة، وإبعاد كل من كان يحمل فكراً مشوشاً عنها، وهذه الخطوات وإن كانت مهمة وتحسب لوزارة التعليم؛ إلا أنها لا تتناسب مع حجم المشكلة؛ فقضية الأمن الفكري ليست قضية التعليم فحسب، بل قضية مجتمع بأكمله ومؤسساته المختلفة.
 
من عهدة الراوي:
 
إن دور المملكة في حماية المجتمع من الانحرافات الفكرية ليس وليد اللحظة، وهو جزء لا يتجزأ من حربها على الإرهاب والفكر المتطرف خلال العقدين الماضيين، وهي تدرك أن الفكر لا يقارع إلا بفكر، ولكن الاهتمام بالأمن الفكري أصبح اليوم أكثر إلحاحاً من ذي قبل، ولا سيما قد باتت تهديداته للأمن الوطني ظاهرة من خلال قنوات التواصل وسيادة العقل الجمعي على التحليل وإصدار الأحكام، وهنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني استراتيجي تتبناه المؤسسات المجتمعية، لتحقيق الأمن الفكري في المجتمع بأطيافه كافة وتحصينه وتجفيف المستنقعات التي تتكاثر فيها طفيليات الغلو والتطرف.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات