عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-May-2019

خيارات ترامب بين الحرب والحلب! - د.فتحي الشوك
 
تقرع طبول الحرب وتتواتر الأصوات المطالبة بالتّصعيد مع أخرى تنادي بالتّهدئة، وتختلط عبارات الغزل الخجول بعبارات التّهديد والوعيد، حركات كرّ وفرّ، مدّ وجزر تمنّع وصدّ وبعض الودّ، حرارة بركان على أهبة الانفجار وصقيع جبل جليد في طور الذّوبان، باب مفتوح على جميع الاحتمالات، أهي الحرب كما يستعجلها البعض، وإن اندلعت شرارتها ترى من المستفيد؟ 
تصعيد غير مسبوق
شهدت الأسابيع الماضية تصعيدا غير مسبوق بين الولايات المتّحدة الأمريكية وإيران، فترامب رمى في سلّة المهملات ما توصّل إليه أوباما من اتّفاق نووي ليفعّل سلسلة من العقوبات الاقتصادية ويستصدر أخرى قصد تصفير صادرات إيران النّفطية، وقد ختم كلّ ذلك بتحريك لحاملات الطّائرات نحو بحر عمّان وتوجيه سرب من قاذفات القنابل بـ52 نحو المنطقة، تزامنا مع سحب لدبلوماسيين أمريكيين من العراق، وهي مؤشّرات يجب أن تؤخذ مأخذ الجدّ لاحتمال وقوع حرب وشيكة. وقد تزامن ذلك مع تصعيد إعلامي إلى درجة أنّك تخال نفسك وأنت تتابع بعض وسائل الإعلام الخليجية بأنّ قرار الحرب اتّخذ ويأخذك الانطباع بأنّهم قريبا يضغطون على الزرّ النووي عوضا عن ترامب ليحرقون إيران في لحظات ويعيدونها إلى العصر الحجري!
 
ترامب غاضب للغاية من الرّوايات القائلة بأنّ جون بولتون هو من يقود سياسة الإدارة تجاه إيران، وهو ما يطرح سؤالا حول حقيقة وجود من يدفع في اتّجاه التّصعيد والمواجهة في إدارة ترامب وهو الخطّ الّذي يمثّله بولتون وكوشنر
فلاغرابة أن تسمعهم يردّدون بأنّ السّعودية العظمى قادرة على تدمير المدن الإيرانية في دقائق وبإشارة من وليّ الأمر سيدكّون إيران ويمحونها من على وجه الأرض في حين استعصى عليهم وضع حدّ لمناوشات فتية يمنيين تمادوا في ذلك منذ أربعة سنوات أو يزيد لتطالهم مقذوفاتهم في بيوت نومهم. هي أمانيّ وأحلام يقظة صحوا منها على وقع ردّة فعل الجانب الأمريكي الباردة جدّا مقارنة بسخونة وحدّة ما جرى يومي 13 و14 مايو الماضي حين تمّ استهداف بوارج نقل نفطية قبالة ميناء الفجيرة بتفجيرات من قبل مجهولين تبعها قصف لمحطّتين نفط قرب الرّياض بواسطة طائرات مسيّرة من قبل الحوثيين.
 
فهذا السّفير الأمريكي جون أبي زيد يصرّح من الرّياض بأنّهم في حاجة لإجراء تحقيق واف لفهم ما حدث ولماذا قبل القيام بالردّ المطلوب بما لا يصل إلى حالة الحرب وهو أكّد بأنّ ليس من مصلحة إيران أو الولايات المتّحدة الأمريكية أن ينفجر صراع في منطقة الخليج. لتتتابع بعدها تصريحات المسؤولين الأمريكيين بنفس النّغمة وفي نفس السّياق.
 
المتحمّسون للحرب
رشحت أخبار مفادها أنّ ترامب غاضب للغاية من الرّوايات القائلة بأنّ جون بولتون هو من يقود سياسة الإدارة تجاه إيران، وهو ما يطرح سؤالا حول حقيقة وجود من يدفع في اتّجاه التّصعيد والمواجهة في إدارة ترامب وهو الخطّ الّذي يمثّله بولتون وكوشنر وبنس المتعارض مع موقف الإدارة الرّسمية الرّافض للحرب. واللّافت أنّ المتحمّسين لإشعال الحرب ينطلقون من اعتبارات عقديّة عدّة ليشتركوا في الدّفع نحو المواجهة والحرب، كلّ لغاياته الخاصّة وهو اجتماع بين متناقضات يشمل يمينا أمريكيا متطرّفا إنجيليا يعتقد في قرب ظهور جديد للمسيح كتدخّل مباشر للربّ بعد إفساد البشر وهم يستعجلون تلك اللّحظة بتوفير بعض شروطها، متحالفين ومتوافقين مع الطّرف الصّهيوماسوني الّذي يسعى لبناء الهيكل واستعادة السّيطرة والمكانة المتميّزة لدى الربّ، أمّا الضّلع الأخير لهذا الثّالوث فهو إيراني صفوي شوفيني البس رغباته التوسّعية برداء الطّائفة والدّين، وكلّ عقيدتهم مبنية على مبدأ الخلاص والإمام المهدي المخلّص الّذي يعتقدون أنّه سيخرج منهم بل و يتدخّلون لأجل تحقّق بعض شروط خروجه.
 
هي العقيدة الّتي تحرّك هذا الثّالوث بالرّغم من أنّ البعض يحكم عليها بأنّها فاسدة مع أنّها مؤثّرة وفاعلة في حين أنّ "الكمبارس" المفعول به وخارج دائرة التأثير بصدد التخلّص من عقيدته برغم كونها صالحة. هذا "الكمبارس" المتفرّج والمنتظر لقرارات غيره هو من سيتحمّل تبعات ما سيقع من صراعات ومؤامرات وقمّة الغباء أن ينتشي البعض ويرقص على إيقاع طبول الحرب الّتي يحشّد لها ويستعجلها وكأنّه يستعجل حتفه. هناك من يدفع للحرب، كلّ حسب حساباته وما يوسوس له شيطانه، رغبات وشطحات تقابلها دعوات للتعقّل والانتباه للعواقب الوخيمة لانفلات غير محسوب وخروج للوضع خارج السّيطرة.
 
موقف ترامب
وبين هؤلاء وأولئك يتأرجح ترامب وهو المقامر المغامر الّذي تبدو آماله في الفوز بفترة أخرى للحكم شبه منعدمة إلاّ أن تحصل مفاجأة ويحقّق انجازا يقلب الموازين لصالحه، كحلب تريليون دولار تمكّن من ألاف الوظائف للأمريكيين وترسّخ ما يعيشونه من رفاهية، وجرّ إيران صاغرة للمفاوضات حسب شروطه وإتمام صفقة القرن بمشاركة الخونة العرب والأهمّ ضمان أمن ربيبته "إسرائيل". لا شكّ أنّ "الكاوبوي" الأشقر لا يريد أن يخسر فلسا واحد أو أن يبذل جهدا لمطاردة الأبقار قصد حلبها في انتظار ذبحها حين تجفّ ضروعها، وقد تمكّن بعد عملية تدرّب سلوكي على جعلها تستحلب نفسها دون جهد للمطاردة وتصطفّ منضبطة في قطيع دون الحاجة لكلاب حراسة أو عيون مراقبة.
 
هو بعبع صنع على مهل ونفخ فيه ليبرز كغول مخيف يستظهر به كلّما احتيج له، إيران، ذكر اسمها يجلب إسهالا للبعض ويدخلهم في حالة رهاب تجعل من نسب هرمونات البرولاكتين والأدرينالين ترتفع في الجسم فينساب الحليب مدرار ويساق القطيع طواعية إلى إسطبل داوود. وترامب بمقدوره بواسطة مكالمة واحدة أو غمزة واحدة من ايفنكا أن ينتزع مليارات الدّولارات بل وحتّى ملابسهم الدّاخليّة وهو لا يحتاج لأن يتورّط في حرب لأجل ذلك، هو يحتاج لإيران قويّة ومفزعة ومثيرة للرعب لاستمرار استنزاف ثروات الشّعوب الخليجية وبالخصوص السّعودية المستهدفة في المقام الأوّل. هي مهاترات وعنتريات كتلك الّتي كان يمارسها مع الوسيم كيم جون أون حينما كان يتفاخر بأنّ زرّه أكبر من زرّه ليتواعدا بعد أسابيع ويتحوّل النّفور والصدّ إلى إعجاب وودّ.
 
الصّواريخ والشّماريخ
من المفارقات العجيبة أنّ ايران ذات النّزعة التوسّعية الّتي لا تخفى على أحد والّتي ألبستها رداء الطّائفية مستعملة إيّاه كحصان طروادة للتمدّد والتدخّل حتّى صارت أربع عواصم عربيّة ضمن مجال سيطرتها وهي ما زالت تكتسب مناطق جديدة للنّفوذ وأصدقاء جدد في حين يخسر مناوئوها منطقة تلو الأخرى ويختلقون أعداء جدد. إيران لا تحتاج لتسجيل الأهداف فالطّرف المقابل ماهر في التّسجيل ضدّ مرماه، هو الغباء الّذي أعيى من يداويه والّذي اشتدّ بعد صعود ثلّة من الطّغاة السّيكوباثيين ممّا جعل المنطقة توضع على كفّ عفريت.
 
في الوقت الّذي كانت فيه إيران منشغلة ببناء قوّتها الصّاروخية وتشييد منشآتها النّووية وفي سعى حثيث لتحقيق اكتفاءها من الدّواء والغذاء، كان إخوتنا في السّعودية والإمارات يجتهدون كيف يعزلون قطر ويبدعون في إصدار الأغاني عنها. في الوقت الّذي كانت إيران تحاول الإسهام في كتابة التّاريخ ويصنعون ويطلقون الصّواريخ كان إخوة لنا ممّن أخرجوا أنفسهم من التّاريخ يكتفون بإطلاق الشّماريخ. ما قدروا عليه هو التشفّي في شعوب تتطلّع لحياة حرّة وكريمة، ليستعدوها ويحاربوها حفاظا على العروش والكروش. ما قدروا عليه هم أطفال اليمن الّذين يرتكبون في حقّهم المجزرة تلو الأخرى بعد أن جوّعوهم ونشروا فيهم الكوليرا. يبدو أنّ ما تعيشه منطقة الخليج العربي هي حلقة جديدة من مسلسل الحلب ضمن فقه إرضاع الكبير وسيستمرّ التّحيّل والنّهب والسّلب وسيستمرّ التّدمير الممنهج لبلاد الحرمين على أيدي أعدائها وأغبيائها، ومن المؤكّد أنّ الإمام ترامب لن يغزو في شهر رمضان هذا برغم دعوات السّديسي والكلباني والمغامسي والقرني وكلّ مفتيي الحيض والبيلوت والخروف "المقرمش"، وسيستمرّ ترامب في حلب البقرة ما دام في الضّرع ما يحلب حتّى ينشف الحليب فتذبح.
 
الجزيرة 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات