عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Dec-2019

الوصية بالامتناع عن الإنعاش الطبي - د. أحمد ياسين القرالة

 

 
الغد- حبُّ الحياة والحرص عليها غريزة فطرية عند الكائنات الحية كلها، وهو عند الإنسان ولاعتبارات دينية ونفسية واجتماعية أرقى من أن يكون مجردَ غريزة فطرية، ومن الطبيعي أن يسعى الإنسان لدفع الضرر والخطر عن نفسه، وأن يعمل بكلِّ وسعه لعلاج علله وأسقامه، وأن يجتهد في دفع الألم عن نفسه وتحسين جودة حياته، لا يحتاج في ذلك إلى وصية من أحد فهو بدافع فطرته وغريزته يقوم بكل ذلك.
ولكن قد يصاب الإنسان ببعض الأمراض المزمنة التي تجعله يعاني الألم ويقاسي الأوجاع فتصبح حياته عبئاً عليه وعلى غيره، وفيها من التكاليف المادية والنفسية ما يعجز أو يعجزون عن تحمل تبعاتها، يرى معها أن الموتَ التلقائي المبكر قد يكون أرحم وأقل ضررا وأخف معاناة، فيوصي بالامتناع عن إنعاشه طبياً إن استلزمت حالته الانعاش، ويختار الموت بسكينة وسلام دون عذاب أو معاناة.
وهذا حق خالص للمريض ما دام أنه يُقدم على هذا الفعل بملء إرادته وكامل اختياره الحرَّ، ولا يعتبر هذا الفعل انتحاراً ولا علاقة له به؛ لأنَّ الانتحار هو قرار إنهاء حياة قائمة مستمرة بفعل مادي وإيجابي يقوم به الشخص ذاته، أما هنا فالمريض يطلب ألا تقدم له المساعدة إذا توقفت أعضاؤه الحيوية أو بعضُها عن العمل وأن يُترك الأمرُ على ما هو عليه، فهو لم يقم بأي فعل مادي بل ليس مؤهلاً للقيام به، ومما يدل على حق المريض في هذا الأمر ما يأتي:
التداوي وطلب العلاج يدخل في دائرة المباحات، وليس بواجب على الإنسان فعل المباح، وإلا لارتفعت عنه صفة الإباحة، كما أنَّ القول بغير ذلك يؤدي إلى تأثيم الكثير من الناس الذين يتركون التدواي لسبب أو لآخر، بل إنَّ الأدلة دلت على جواز ترك التداوي كما في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
العلاج حق خالص للشخص، وله أن يتنازل عن هذا الحق، ولا يأثم الشخص بتركه طائعا مختارا راضيا.
الألم لذات الألم ليس مقصداً شرعياً، ولا ينبغي أن يكونَ كذلك، فإذا استطاع الإنسان التخلص منه فله الحق في ذلك، خاصة وأنَّ معظم مَن يوصون بعدم إنعاشهم يعرفون حالتهم الطبية ويقدرون حجم المعاناة التي يعانونها إذا ما تمَّ إنعاشهم واستمرت حياتهم.
التطبب هو صورة من صور طلب المساعدة من الآخرين، وللشخص ألا يقوم بها أو ألا يطلبها.
بعد توقف أعضاء المريض أو بعضها عن عملها الحيوي يكون الإنسان قد أضحى في حكم الأموات أو اقترب منهم، فله الحق في استمرار هذا الحالة ما دام أنها حلَّتْ بقدر الله تعالى، والموصي بوصيته يكون قد رضي بقضاء الله وقدره.
الوصية بالامتناع عن طلب الإنعاش وإنت كانت مؤلمةً ومحبطةً للأهل والمحبين إلا أنها قرار شجاع وجريء، وهو تسليم مطلق بالمصير المحتوم الذي لا بد وأنه آتٍ، كما أنه يخفف العبء ويقلل الضغط على أُسْرة الإنعاش وأَسِرّته المحدودة، ويجعل الخدمة الطبية متوجهة للمحتاجين إليها الذين ينتفعون بها المنفعة المطلوبة، فهي صورة من صور الإيثار، وهو خلق كريم إسلامي وتصرف إنساني نبيل.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات