الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جو لوريا* - (كونسورتيوم نيوز) 4/1/2026
كان المؤتمر الصحفي الذي عقده دونالد ترامب في مار-آل-لاغو، وأعلن فيه أن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة" فنزويلا، أشبه بمسرحٍ عبثيٍّ يانكي.
في السابق، بذلت إدارة جورج دبليو بوش جهدًا هائلًا في محاولة إقناع الشعب الأميركي والعالم بأن غزو العراق في العام 2003 لم يكن متعلقًا بالنفط.
حسب الإدارة، كان يُفترض أن الأمر يتعلّق بتهديد صدام حسين لجيرانه؛ وبسعيه إلى امتلاك سلاح نووي وحيازته أسلحة دمار شامل أخرى؛ وبطبيعة الحال، كان الأمر يدور حول تلك الذريعة الجاهزة القديمة: جلب الحرية والديمقراطية إلى الشرق الأوسط.
كل شيء -أي شيء- سوى الاستيلاء على نفط العراق.
صباح السبت الماضي، وفي قصره الفخم المبالغ في بذخه بولاية فلوريدا، أفصح ترامب عن جوهر الأمر صراحةً ومن دون مواربة: كان هجومه العسكري على فنزويلا بسبب النفط.
لا علاقة له بتهريب المخدرات، ولا بانتخابات يُزعم أنها "مسروقة"، بل بنفط أميركي "مسلوب".
وقال ترامب: "سوف نُدخل شركات النفط الأميركية الضخمة جدًا، الأكبر في أي مكان في العالم، لتنفق مليارات الدولارات، وتُصلح البنية التحتية المتهالكة بشدة، البنية التحتية النفطية، وتبدأ في جني الأموال لصالح البلاد".
وأضاف: "فنزويلا كانت فشلًا ذريعًا، فشلًا كاملًا، منذ فترة طويلة. كانوا يضخون تقريبًا لا شيء مقارنة بما كان يمكن أن يضخوه".
بحسب وكالة "رويترز"، كانت فنزويلا تنتج ما يصل إلى "3.5 مليون برميل يوميًا في سبعينيات القرن الماضي، وهو ما كان يمثل في ذلك الوقت أكثر من 7 في المائة من الإنتاج النفطي العالمي. وانخفض الإنتاج إلى ما دون مليوني برميل يوميًا خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، وبلغ متوسطه نحو 1.1 مليون برميل يوميًا العام الماضي، أي ما يعادل 1 في المائة فقط من الإنتاج العالمي".
لكنّ ما لا يذكره لا ترامب ولا "رويترز" هو تأثير العقوبات الأميركية التي فُرضت في عهد ترامب على صناعة النفط الفنزويلية. وقد بدأت هذه العقوبات في التصاعد في العام 2019، بهدف تقييد وصول شركة النفط المملوكة للدولة إلى الأسواق المالية الأميركية، وحجز أصولها، والحد من صادراتها.
كما لم يذكر ترامب أن فنزويلا تمتلك نحو 17 في المائة من احتياطات النفط العالمية، أي ما يقارب 303 مليارات برميل، "متقدمةً على السعودية، زعيمة منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، وفقًا لمعهد الطاقة في لندن"، بحسب ما أفادت به وكالة "رويترز".
وقال ترامب، بطريقة عبثية، إن شركات النفط الأميركية لن تدخل فنزويلا من أجل إثراء نفسها، بل لجعل الفنزويليين مزدهرين وأحرارًا. وأضاف: "نحن نريد السلام والحرية والعدالة لشعب فنزويلا العظيم. سنجعل شعب فنزويلا غنيًا، مستقلًا، وآمنًا".
ولتحقيق ذلك، تعهّد باحتلال أميركي مفتوح الأجل وفاقد لأي منطق للبلد، وهو ما قد يعني قتل عدد كبير من الفنزويليين الذين يُفترض أنهم سيكونون "أحرارًا وأغنياء".
وقال مرات عديدة: "سوف نُدير البلاد إلى أن يحين الوقت الذي نتمكن فيه من تنفيذ انتقال آمن، مناسب، ورشيد". وإذا ما واجهت الولايات المتحدة مقاومة، توعّد ترامب بتوجيه ضربات أشد قسوة إلى فنزويلا. وأضاف: "نحن مستعدون لتنفيذ هجوم ثانٍ، وأكبر بكثير، إذا اقتضت الحاجة".
وأطلق هذا التهديد بالتصعيد على الرغم من قوله إن "قوة عسكرية أميركية ساحقة، جوًا وبرًا وبحرًا، استُخدمت لشن هجوم استعراضي" ليلة الجمعة.
وتباهى ترامب، بالنفس العبثي نفسه، بأن ما جرى "كان هجومًا لم يشهد الناس مثله منذ الحرب العالمية الثانية. وكان هذا واحدًا من أكثر الاستعراضات إدهاشًا وفعاليةً وقوةً للكفاءة والقدرة العسكرية الأميركية في التاريخ الأميركي".
تجاهل ترامب كثيرًا من الوقائع في عرضه يوم السبت. وما تزال الصورة اليوم أكثر غموضًا، وخاصة في ما يتصل بكيفية "إدارة" الولايات المتحدة لفنزويلا، ومن هو الشخص الذي ستسعى واشنطن إلى تنصيبه على المدى الطويل.
كما استبعد ترامب البديلة التي كان يُفترض سابقًا أن تحل محل النظام، ماريا كورينا ماتشادو، الفائزة المثيرة للجدل بجائزة نوبل للسلام، والتي كانت قد دعت إلى تدخل عسكري أميركي.
وقال ترامب: "أعتقد أن تولّيها القيادة سيكون صعبًا جدًا. إنها لا تحظى بالدعم داخل البلاد، ولا بالاحترام فيها. إنها امرأة لطيفة جدًا، لكنها لا تحظى بالاحترام".
هل نائبة الرئيس الفنزويلي جزء من صفقة أميركية؟
في الوقت الراهن، وضَع الدستور الفنزويلي نائبة الرئيس، دلسي رودريغيز، في موقع المسؤولية. وفي المؤتمر الصحفي يوم السبت، قال ترامب إن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أجرى محادثة هاتفية مطوّلة مع رودريغيز، وإنها كانت "في الأساس مستعدة للقيام بما نراه ضروريًا لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى".
كثرت التكهنات بأن الولايات المتحدة قامت برشوة شخصيات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى لضمان عدم حدوث أي مقاومة للهجوم الأميركي الذي شاركت فيه 150 طائرة أميركية. ولم يتم تفعيل أي أنظمة دفاع جوي، وقال ترامب إن الولايات المتحدة لم تتكبد أي خسائر بشرية أو فقدانًا للمعدات.
لكنّ رودريغير ألقت، بعد أن أدت اليمين الدستوري لاحقًا يوم السبت كرئيسة بالوكالة، خطابًا ناريًا ندّدت فيه بالهجوم الأميركي، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن مادورو ما يزال الزعيم الشرعي لفنزويلا، على الرغم من وجوده في سجن فيدرالي في بروكلين.
وطالبت رودريغيز بالإفراج عن مادورو، وقالت إن الهجوم الأميركي "كان له هدف واحد: تغيير النظام في فنزويلا"، وذلك "للسماح بالاستيلاء على مواردنا من الطاقة، ومواردنا المعدنية، ومواردنا الطبيعية".
وقالت رودريغيز: "نحن مستعدون للدفاع عن فنزويلا. نحن مستعدون للدفاع عن مواردنا الطبيعية التي يجب أن تكون في خدمة التنمية الوطنية. … المتطرفون الذين روّجوا للعدوان المسلح على بلدنا، سيجعلهم التاريخ والعدالة يدفعون الثمن. … لن نكون عبيدًا مرة أخرى أبدًا".
ولكن، هل كانت هي نفسها في الواقع جزءًا من العملية، كما لمّح ترامب؟ وهل كانت تصريحاتها المتحدّية للأمة جزءًا من المسرحية؟ اقترحت صحيفة "ميامي هيرالد" أنها كانت بالفعل طرفًا في صفقة مع الولايات المتحدة، تتيح لها الحكم في الوقت الراهن.
وفي مقال بعنوان "اجتماعات سرية تشير إلى عمل من الداخل للإطاحة بمادورو"، أفادت صحيفة "ديلي تلغراف" اللندنية، بأن دولة الإمارات العربية المتحدة قامت بدور الوسيط بين الولايات المتحدة ورودريغيز، وهي محامية تبلغ من العمر 56 عامًا ولها صلات بصناعة النفط، وهو ما قد يساعد شركات النفط الأميركية على العودة إلى البلاد.
وتنقل صحيفة "تلغراف" عن فرانسيسكو سانتوس كالديرون، نائب الرئيس الكولومبي السابق، قوله: "أنا متيقّن تمامًا من أن ديلسي رودريغيز سلّمت [مادورو]. كل المعلومات التي لدينا، عندما تبدأ في تجميعها، تقول: ’آه، هذه كانت عملية جرى فيها تسليمه‘".
وربما خشيةً من أن لا تفي رودريغيز بنصيبها من الصفقة، وجّه ترامب يوم الأحد تهديدًا لها. وقال لمجلة "ذا أتلانتيك": "إذا لم تفعل ما هو صائب، فإنها ستدفع ثمنًا باهظًا جدًا، وربما أكبر مما سيدفعه مادورو".
في خطابها إلى الأمة، الذي قد يكون صادقًا أو مجرد مسرحية، حمّلت رودريغيز إسرائيل مسؤولية المشاركة في عملية اعتقال مادورو. وقالت إن العالم صُدم لأن "فنزويلا هي ضحية وهدف لهجوم من هذا النوع، الذي لا شك أن له إيحاءات صهيونية. إنه أمر مخزٍ حقًا".
ولم تُفصّل أكثر من ذلك. وقد أشاد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر باختطاف الولايات المتحدة لمادورو بعد ساعات من وقوعه. وكانت فنزويلا من أبرز منتقدي الإبادة التي تمارسها إسرائيل في غزة، كما تربطها علاقات وثيقة، وتبيع النفط، لعدو إسرائيل اللدود؛ إيران.
تغيير نظام جديد تنفذه أميركا
أيًا يكن الشخص الذي سيتولى السلطة في كاراكاس في نهاية المطاف، أوضح ترامب أنه يعتزم أن يكون للولايات المتحدة يد في اختيار قادة جدد لدولة أجنبية ذات سيادة أخرى -وهو أمر للولايات المتحدة باع طويل فيه.
وقال ترامب: "لا يمكننا أن نغامر بأن يتولى حكم فنزويلا شخص آخر لا يضع مصلحة الشعب الفنزويلي في حسبانه". وأضاف: "لقد عشنا عقودًا من ذلك. لن نسمح بحدوثه مرة أخرى".
وتابع: "نحن هناك الآن. وما لا يفهمه الناس -لكنهم يفهمونه عندما أقول هذا- أننا هناك الآن، وسنبقى إلى أن يتم الانتقال المناسب والسليم".
بكلمات أخرى، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة" المكان، على الرغم من أن جميع القوات الأميركية انسحبت بعد العملية. ومن دون تنصيب حكومة صديقة، لن يحصل على النفط. فهل تكون نائبة الرئيس رودريغيز هي تلك الحكومة الصديقة؟
لم يكن ما جرى في منتصف ليل السبت سوى الفصل الأول من هذه الدراما القذرة. لم يقل بوش في أي يوم صراحة إن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة" العراق. لكنها فعلت ذلك. وبشكل كارثي.
لا تستطيع الحكومة الأميركية حتى إدارة الولايات المتحدة نفسها بشكل جيد. ومع ذلك، يواصل الـ"يانكيون" الاعتقاد بأنهم قادرون على إدارة بلدان لا يفهمون ثقافاتها -ولا يكترثون لها من الأساس.
ويقول ترامب إنه مستعد لنشر قوات برية أميركية إذا لزم الأمر من أجل "إدارة" فنزويلا، ما يجعل هذه القوات أهدافًا محتملة لتمردٍ يقوده مواطنون مسلحون.
وقال ترامب: "نحن لا نخشى نشر قوات على الأرض. لا مانع لدينا من قول ذلك صراحة، لكننا سنحرص على أن يُدار ذلك البلد بشكل صحيح". هل يكون ذلك على الطريقة التي "أدار" بها بوش العراق "بصورة صحيحة"، بما قاد إلى حرب أهلية، وظهور تنظيم "داعش"، وانتهاء الأمر عمليًا بطرد الولايات المتحدة؟
وأضاف ترامب بإصرار: "سوف ندير البلد إدارة صحيحة. سوف يُدار بحكمة شديدة وبإنصاف شديد. وسيدر الكثير من المال. سنعطي المال للناس. وسنعوّض الأشخاص الذين جرى استغلالهم. وسنعتني بالجميع".
"لقد سرقوا نفطنا"
ثم وصل ترامب إلى صلب الموضوع، إلى الدافع الحقيقي وراء التحرك الأميركي. قال: "لم يكن بوسعنا أن نسمح لهم بالإفلات من ذلك. كما تعلمون، لقد سرقوا نفطنا".
وأضاف: "نحن الذين بنينا تلك الصناعة بالكامل هناك، وهم استولوا عليها فجأة وكأننا لا شيء، وكان لدينا رئيس قرر ألا يفعل أي شيء حيال ذلك. لذلك فعلنا نحن شيئًا. تأخرنا، نعم، لكننا فعلنا شيئًا". وتابع: "سنستعيد النفط الذي، بصراحة، كان ينبغي لنا أن نستعيده منذ زمن طويل".
تشبه هذه العملية لتغيير النظام التي نفذتها الولايات المتحدة ما حدث قبل 72 عامًا في إيران، حين أطاحت الولايات المتحدة وبريطانيا برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق في العام 1953 لمجرد أنه تجرأ على تأميم صناعة النفط الإيرانية.
وبعد ثلاثة وعشرين عامًا، أمم الرئيس الفنزويلي كارلوس أندريس بيريز صناعة النفط في فنزويلا في 1 كانون الثاني (يناير) 1976، وكان ذلك قبل فترة طويلة من قدوم تشافيز ونيكولاس مادورو.
وتم تعويض الشركات النفطية الأوروبية والأميركية التي كانت تعمل في البلاد بمبلغ يقارب المليار دولار من دون أي نزاع. وبعد الخصخصة الجزئية، أعاد تشافيز تأميم أجزاء من الصناعة في العام 2007، وهو ما أدى إلى نشوب نزاعات تم حلها عن طريق تحكيم البنك الدولي. وقد واجهت فنزويلا صعوبات في سداد هذه المستحقات.
لكن فكرة أن فنزويلا "سرقت" "نفطنا"، أو أن العقوبات الأميركية لم يكن لها أي أثر على انخفاض إنتاج فنزويلا، هي أفكار تصلح للأعمال العبثية ليوجين يونسكو.
وثمة شأن آخر عبثي أيضًا: إن مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية هي امرأة بنت مسيرتها السياسية على معارضة صريحة لتاريخ طويل جدًا من حروب تغيير الأنظمة التي شنتها الولايات المتحدة، خاصة في أميركا اللاتينية.
وفي خضم عملية تغيير النظام الأميركية الأخيرة، تلتزم تولسي غابارد الصمت التام إزاء تهميش دورها. "من يهتم برأيك"؟ سألها ترامب قبل بضعة أشهر.
أليس من العبث أنها ما تزال في منصبها، عاجزة عن التأثير في ترامب؟ أليس الوقت قد حان لتتخذ موقفًا وتستقيل فورًا احتجاجًا على تهور ترامب؟
مع محاولة الكونغرس الحشد لتصويت ضد العملية العسكرية، ووسائل الإعلام المؤيدة لتغيير النظام مثل صحيفة "نيويورك تايمز" وهي تنتقد مغامرة فنزويلا بوصفها "غير قانونية"، و"محمَّلة بحب الحرب"، و"إمبريالية عصرية"، كانت غابارد ستظهر كبطلة لو أنها قامت فقط بالاحتجاج والاستقالة.
*جو لوريا: رئيس تحرير موقع كونسورتيوم نيوز ومراسل سابق للأمم المتحدة لصحف، مثل وول ستريت جورنال وبوسطن غلوب، وصحف أخرى، بما في ذلك مونتريال غازيت، وديلي ميل في لندن، وذا ستار في جوهانسبرغ. عمل مراسلًا تحقيقيًا لصالح صنداي تايمز في لندن، ومراسلًا ماليًا لدى بلومبرغ نيوز، وبدأ مسيرته المهنية كصحفي مراسل (ستريكر) عن عمر 19 عامًا لدى نيويورك تايمز. وهو مؤلف كتابين: رحلة سياسية مع السيناتور مايك غرافيل، بمقدمة دانيال إلسبرغ؛ وكيف خسرت على يد هيلاري كلينتون، بمقدمة جوليان أسانج.