الغد
مايكل يونغ* - (مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط) 2026/4/17
الرغبة في التحرر من الهيمنة الإيرانية قد تؤدي إلى وضع تضطر فيه بيروت إلى القبول بالهيمنة الإسرائيلية.
استضافت واشنطن في 14 نيسان (أبريل) لقاءً جمع سفيرَي لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة برعاية وحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. واستخدم مؤيدو عملية السلام بين البلدَين عبارات مبالغًا فيها لوصف هذا الحدث. ولكن كان من الحكمة التريث لأن النتيجة العملية لهذه المحادثات هي وضع لبنان في قلب صراع إيراني - إسرائيلي مُحتدم على النفوذ في الشرق الأوسط. ومن الصعب رؤية كيف يمكن للبلاد الخروج منه سالمة.
شهد لبنان موقفَين متباينَين بشكل حاد عقب اجتماع واشنطن، حيث اعتبره المرحبون به خطوة أولى نحو تخليص لبنان من الهيمنة الإيرانية و"حزب الله". أكد مسؤولون في بيروت خلال الأسبوع الذي عقد فيه الاجتماع أن الحكومة اللبنانية هي وحدها المخولة بتمثيل لبنان، في إشارة ضمنية إلى أنهم لا يريدون طرح بند مصير البلاد على طاولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام أباد. وكان الرد الإيراني على إعلان لبنان استقلالية قراره مستهجنًا بشكل خاص، إذ نشر مستشار المرشد الأعلى الإيراني، علي أكبر ولايتي، تغريدة قال فيها إن "على الرئيس نواف إدراك أن تجاهل دور المقاومة سيعرض لبنان لمخاطر أمنية لا يمكن إصلاحها. إن استقرار لبنان يعتمد على التنسيق بين الحكومة والمقاومة". ولم يكن تهديده المبطن هذا خافيًا على أحد.
أما السردية المضادة فمفادها بأن من تخيلوا أن السلام مع إسرائيل سيحرر لبنان من الهيمنة الخارجية قد أخطأوا التقدير، إذ إن النوايا الإسرائيلية لا تقل نُزوعًا إلى الهيمنة. وعشية انعقاد الاجتماع في واشنطن، ألقى أمين عام "حزب الله"، نعيم قاسم، خطابًا حث فيه الحكومة على إلغاء اللقاء المقرر، قائلًا "نحن (الحزب) نرفض المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي الغاصب".
أظهر رد كل من ولايتي وقاسم أن إيران لن تتخلى عن ورقة لبنان بسهولة. ومن المرجح أن يتجلى ذلك من خلال تصاعد التوترات داخل لبنان، وزيادة التعبئة في الشارع ضد المفاوضات مع إسرائيل، وربما حتى استهداف المفاوضين أنفسهم، إذا لم تصل الأمور إلى حد التلويح بالحرب الأهلية. ويحتمل أن يتخذ هذا الاعتراض بعدًا إقليميًا أيضًا، من خلال تعاون دول أخرى رافضة للهيمنة الإسرائيلية مع إيران لإحباط أي مسار قد يفضي إلى إدراج لبنان ضمن دائرة النفوذ الإسرائيلي. وعلى سبيل المثال، لا يمكن أن ترحب تركيا باحتمال سيطرة إسرائيل على لبنان، الذي يعد عمليًا امتدادًا لسورية، حيث يواجه نفوذ أنقرة أساسًا ضغوطًا إسرائيلية كبيرة.
وسوف يشكل نزع سلاح "حزب الله" أيضًا عقبة كأداء أمام الحكومة اللبنانية. وغالبًا ما عزا خصوم الحزب سببَ فشل حكومة نواف سلام في تنفيذ ذلك منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 إلى غياب الإرادة السياسية. لكن هذا الادعاء غير منطقي. والحقيقة هي أن الجيش اللبناني لا يملك القدرة على نزع سلاح "حزب الله" بالقوة لسبب بسيط: في حال أقدم على محاولة ذلك، فإنه سيخوض مواجهة -ليس فقط مع مجموعة شبه عسكرية قوية، بل أيضًا ضد بيئتها الحاضنة بأكملها، حيث غالب الظن أن يصطف اللبنانيون الشيعة إلى جانب الحزب. ومن شأن ذلك أن يكرس وضعًا يستحيل على الدولة اللبنانية التعامل معه، ولا يمكنها أن تأمل في حسمه لصالحها.
لكي نفهم سبب ذلك، علينا أن ننظر إلى وضع الشيعة في لبنان اليوم. فقد أفادت وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية في مطلع نيسان (أبريل) بأن 1.05 مليون شخص، غالبيتهم العظمى من الشيعة، نزحوا في لبنان بسبب إسرائيل. ولم تتعرض هذه الطائفة في معظمها إلى التشتت والتفكك فحسب، بل إنها تواجه أيضًا قدرًا كبيرًا من العداء من طوائف لبنانية أخرى غاضبة من "حزب الله" بعد اتهامه بجر لبنان إلى حربه الثالثة مع إسرائيل خلال عشرين عامًا. ويأتي ذلك أيضًا بعد أن مارس الحزب طوال ثلاثة عشر عامًا هيمنة مرفوضة على نطاق واسع على النظام السياسي، حيث حمى طبقة سياسية نهبت الدولة وأفلستها. في الوقت نفسه، ينظر الشيعة شرقًا فيرون نظامًا سلفيًا في سورية يعتقدون أنه يسعى إلى الانتقام من "حزب الله" لدعمه نظام بشار الأسد. وبالنظر جنوبًا، يرون الآلة العسكرية الإسرائيلية الجارفة. فهل يمكن، في ظل هذا المناخ المشحون، أن يتوقع أحد أن تسلّم طائفة تواجه ما تعتبره تهديدًا وجوديًا سلاحها طوعًا؟
وهكذا، إذا كان الجيش اللبناني غير قادر على انتزاع ترسانة "حزب الله" عسكريًا، بينما ترفض الطائفة الشيعية التخلي عن سلاحها، فلا بد من البحث عن وسائل بديلة لفرض احتكار الدولة للعنف. ويقودنا المنطق السليم إلى استنتاج مفاده بأن أي تقدم لا يمكن أن يتم إحرازه إلا بإشراك إيران في اتفاق شامل يتضمن نزع سلاح "حزب الله"، مع تقديم ضمانات بحماية الشيعة. ولكن، بما أن السلطات اللبنانية تسعى إلى النأي بنفسها عن طهران، وبما أن إسرائيل ستستغل على الأرجح اتفاق السلام مع لبنان لفرض تفوقها على البلاد، فإن هذا الترتيب يكاد يكون غير قابل للتحقق.
وهذا يدعونا إلى التساؤل عن نوع السلام الذي ترغب إسرائيل في التفاوض بشأنه. ويمكن إيجاد مؤشرات على ذلك في سلوكها السابق. فقد أظهر الإسرائيليون في سورية وغزة، والآن في لبنان، أنهم يعتزمون فرض مناطق عازلة داخل أراضي جيرانهم لحماية حدودهم. وفي ما يتعلق بالأمن، سيسعى الإسرائيليون أيضًا من دون شك إلى الحصول على صيغ مشابهة لعروضهم السابقة. ولنأخذ على سبيل المثال العرض الذي يُزعَم أنه "أكثر العروض سخاءً" والذي قدمته إسرائيل للفلسطينيين. في أيلول (سبتمبر) 2008، طرح رئيس الوزراء آنذاك، إيهود أولمرت، خطة تعطي الفلسطينيين دولة ذات سيادة مُقيَّدة بشدة، حيث تُحرَم فلسطين من امتلاك جيش أو سلاح جو، ومن السيطرة على حدودها الشرقية مع الأردن، وحيث كانت ستُرغَم على قبول دخول القوات المسلحة الإسرائيلية إلى أراضيها ومجالها الجوي لملاحقة أي أعداء.
يبدو من المرجح أن تتعامل إسرائيل مع اتفاق نهائي مع لبنان بالمنطق عينه. وقد يفضي المقترح القائل بإنشاء منطقة اقتصادية على الحدود إلى إقامة سلطة حاكمة يكون لها رأي في مَن يُسمَح له بدخول هذه المنطقة. وهذا يعني أن إسرائيل، بالنظر إلى مشاركتها في هذه السلطة، قد تُمنَح حق الاعتراض على دخول المواطنين اللبنانيين إلى أراض لبنانية ذات سيادة. وقد يطالب الإسرائيليون أيضًا بحرية نشر قواتهم داخل لبنان والاستمرار في اختراق الأجواء اللبنانية للتصدي للتهديدات المحتملة، بل إنهم قد يطالبون حتى بالإشراف على حدود لبنان مع سورية.
هذه المطالب لن تكون مقبولة للبنانيين. ولكن إذا كانت أولويتهم هي التحرر من قبضة إيران، ما يعني ربط أنفسهم بنظام تهيمن عليه الولايات المتحدة، فإنهم قد يجدون أنفسهم أمام هامش ضيق للانسحاب من المفاوضات. ولذلك، قد تركز جهودهم عوضًا عن ذلك على حث الولايات المتحدة على إقناع إسرائيل بتقديم تنازلات تضفي مصداقية على المسار الدبلوماسي للبنان مع الإسرائيليين. وإذا تمكنت الدولة من التفاوض على وقف لإطلاق النار وإعادة سكان الجنوب إلى ديارهم من خلال هذا المسار، فإنها قد تحقق زخمًا يحد من قدرة إيران و"حزب الله" على عرقلة العملية، وهو أمر يزيد من صعوبته الوضع الكارثي الذي تعيشه الطائفة الشيعية في البلد.
لكن ذلك يبقى احتمالًا مشكوكًا فيه إلى حد كبير، نظرًا إلى أن إسرائيل أكثر ميلًا إلى التعنت، وأن الولايات المتحدة ستتبع على الأرجح الموقف الإسرائيلي بشأن لبنان. وما يرجح أن نشهده في الأشهر المقبلة هو توترات شديدة داخل لبنان، من شأنها أن تجعل التوصل إلى تسوية أمرًا شبه مستحيل، وتولد رياحًا معاكسة قوية تغير سياق المفاوضات مع إسرائيل. وفي حين أن هناك أسبابًا هيكلية تدعو إلى الاعتقاد بعدم اندلاع حرب أهلية، فإن من الصعب تصور خروج البلاد سالمة من هذا الوضع.
*مايكل يونغ Michael Young: صحفي ومحلل سياسي بارز، يشغل منصب محرر مدونة "ديوان" في "مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط" التابع لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. يكتب بانتظام في الشؤون اللبنانية والإقليمية، مع تركيز خاص على السياسة الداخلية في لبنان وديناميات الصراع في الشرق الأوسط. عمل سابقًا في صحيفة "ذا ديلي ستار" حيث تولى مناصب تحريرية، كما نشر مقالاته في عدد من الصحف والمنصات الدولية. وهو مؤلف كتاب "أشباح ساحة الشهداء: شاهد عيان على نضال الحياة في لبنان" Ghosts of Martyrs Square: An Eyewitness Account of Lebanon’s Life Struggle، الذي يوثق مرحلة مفصلية من التاريخ اللبناني الحديث.