الغد
في اليوم الواحد والثلاثين من الشهر الأخير في كُل عام، يتكرر مشهد في غاية الغرابة، حيث «يتسمر» الأغلبية من المواطنين الأردنيين، أمام شاشات التلفاز، مُنصتين، ومُركزين.. مشهد يُمعن فيه هؤلاء بكُل حواسهم، أكانوا أفرادًا أم أُسرا أم جماعات، أو حتى بعض الدول.
الجميع «يتسمر» لسماع ما يتفوه به المُنجمون والمُنجمات، حول توقعاتهم للعام الجديد، أو بمعنى أصح لمُشاهدة نفس الأشخاص، وسماع كلام يُكرر في نهاية كُل عام، يتمحور حول أزمة مفصلية، أو انفراج سياسي، أو «تحلحل» لوضع اقتصادي كان قد أُشير إليه في أعوام خلت بأنه صعب، ودخل «العناية المُركزة»، أو أن هُناك شخصية ما سيحدث لها أمر ما أو جلل.
للأسف، وكأننا أصبحنا نؤمن بـ»التنجيم» فقط، أو بمعنى ثان أسلمنا أمورنا كُلها إلى أولئك الذين يقرأون الكف، ويُنجمون، وأصبحنا نتكيف أو نرتاح لعدم تشغيل عقولنا بالتفكير البناء، أو لمعرفة الواقع بناء على تحليل موضوعي، أو حتى لا نُكلف أنفسنا لقراءة التاريخ.. وأصبحنا أيضًا نتقاعس أو لا نستطيع أن نُحلل أي أمر سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، أو الوقوف على نقاط الضعف والقوة في أزمة حصلت، أو إجراء أو قرار أُتخذ.
المُشكلة أن الكثير من أبناء جلدتنا باتوا يُصدقون ويؤمنون بما يقول هؤلاء المُنجمون، وكأنهم رُسل أو أشخاص فوق العادة، على الرغم من أن الجميع يؤمنون إيمانًا يقينيًا بقاعدة، موجودة منذ القدم، بأن الله عز وجل هو وحده من يعلم الغيب.. إلا أن الشيء المُستغرب أننا مع نهاية كُل عام، نُقدم على نفس الفعل، وبنفس «اللهفة»، وكأننا نضحك على أنفسنا، أو نُريد أن نُجمل مثل هذا الفعل.
هذه دعوة، للاستيقاظ والتدبر والتأمل والتفكير العملي، العلمي، ومن ثم التحليل الموضوعي المنطقي، لكُل أزمة، أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية.. دعوة لقراءة التاريخ من جديد، ومن ثم البناء عليه، فهُناك أمور كثيرة، تُعاد لكن بشخوص وأزمنة مُختلفة، فالقاعدة معلومة للكثير بأن من يُريد أن يفهم المُستقبل، عليه بقراءة التاريخ، وتحليل الأحداث التي جرت، ومن ثم التنبؤ بما قد يحدث في قابل الأيام، ووضع حلول لها.
المُستقبل يُصنع صناعة، هذه الصناعة قائمة على وضع خريطة طريق، في المجالات كافة، وكذلك في الوقت نفسه، يتوجب التأشير على احتمالية وجود مُعيقات أو تحديات، قد تواجه أي مشروع، أو مُصادفة أزمة، فذلك لا يتم عن طريق التنجيم، وقراءة الكف والأبراج.
هذه دعوة إلى الأفعال لا الأقوال، و»التسمر» أمام شاشات، باتت تُساهم بطريقة أو أُخرى في «تجهيل» الشعوب، على الرغم من أنها هي نفسها (الشاشات) تستضيف خُبراء واختصاصيين عند مُناقشة موضوع معين، أو لتحليل قضية ما أو أزمة حدثت، إما بفعل البشر أو بفعل الظروف الطبيعية.
هذه دعوة للنهوض، من أجل مُستقبلنا والأجيال القادمة.. فقد كفى جهلًا، واتكالية على غيرنا، ففهم الواقع والمُستقبل، يحتاج إلى عقول وأُناس يعتمدون على العقل، لا على «التنجيم»!.