عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-May-2026

الضمور: الثورة الرقمية تفرض أنماطا جديدة من الإبداع الأدبي

 الغد-عزيزة علي

 تناول الناقد الأردني الدكتور عماد الضمور، خلال محاضرة بعنوان "الأدب الرقمي: الواقع والتحديات"، جملة من القضايا المرتبطة بالأدب الرقمي، بدءا من مفهوم الكتابة الرقمية والنص المترابط، وصولا إلى أثر التكنولوجيا في الرواية والشعر والنقد الأدبي، والتحديات التي تواجه الثقافة العربية في مواكبة التحول الرقمي العالمي.
 
 
كما تطرق في المحاضرة التي نظمها مركز "تعلم واعلم"، للأبحاث والدراسات، أول من أمس، في مقر رابطة الكتاب الأردنيين، وأدارها الدكتور أحمد ماضي، إلى نماذج عربية رائدة في الأدب الرقمي، وأهمية بناء وعي ثقافي عربي قادر على توظيف التكنولوجيا في خدمة الإبداع والمعرفة.
وسلطت المحاضرة الضوء على التحولات التي طرأت على مفهومي القراءة والكتابة، وظهور أشكال جديدة من البلاغة والتفاعل الأدبي، إلى جانب تأكيد أهمية تعزيز حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي، بما يساهم في بناء مشروع ثقافي عربي يواكب متطلبات العصر الرقمي وتحولاته المتسارعة.
وأكد الضمور أن الثورة الرقمية، أصبحت جزءًا من الواقع العربي، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة المجتمعات على توظيف هذا التحول بصورة فاعلة، بما يخرجها من دائرة الاستهلاك إلى فضاء الإنتاج والمشاركة المعرفية.
وأشار الضمور إلى أن العالم يعيش لحظة مفصلية مع الثورة الصناعية الرابعة، حيث وجدت الكتابة الرقمية طريقها إلى الفنون الأدبية متجاوزة النموذج الورقي التقليدي. وبين أن هذه الكتابة تقوم على تفاعل النص مع الوسائط المتعددة من كلمة وصوت وصورة وحركة وألوان ورسوم، وتُعرض عبر الشاشات والأجهزة الرقمية المختلفة.
وقال المحاضر "إن المؤسسات الرسمية والخاصة في الأردن، بدأت تتجه بثقة نحو العالم الرقمي في مختلف المجالات". وفي هذا السياق، أكدت الورقة النقاشية السابعة لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين أهمية الاعتزاز باللغة العربية وجعلها ركيزة للنهوض والتطوير الشامل للمنظومة التعليمية، بوصفها لغة القرآن الكريم وحافظة التراث العربي.
كما أشار إلى مبادرة "ض" التي أطلقها الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وتهدف إلى تمكين اللغة العربية رقميا وتعزيز حضورها في الفضاء المعرفي، من خلال إعداد سفراء للغة العربية وتطوير المحتوى العربي على الإنترنت.
وتسعى هذه المبادرة، التابعة لـمؤسسة ولي العهد، كما قال الضمور: "إلى إعداد سفراء للغة العربية، وتعزيز استخدامها في مجالات المعرفة المختلفة، إلى جانب إنشاء منصات رقمية تدعم حضور العربية في الحياة العلمية والعملية والتكنولوجية".
وعلى الصعيد الأدبي، أوضح الضمور أن الاهتمام بالأدب الرقمي جاء استجابة للحاجة إلى رؤية ثقافية عربية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية. وذكر أن رواية "ظلال الواحد" للكاتب الأردني محمد السناجلة، تعد أول عمل أدبي رقمي عربي وقد صدرت العام 2001.
وفي مجال الشعر، برزت ريادة الشاعر العراقي مشتاق عباس معن من خلال إصدارات رقمية مهمة، منها "تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق"، العام 2007، "الأعمال الشعرية غير الكاملة" العام 2013، "لامتناهيات الجدار الناري"، العام 2017.
كما تناول الضمور مساهمات الناقد المغربي سعيد يقطين في مفهوم الكتابة الرقمية والنص المترابط، من خلال مؤلفاته، ومنها: "من النص إلى النص المترابط"، "النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية"، "قضايا الرواية العربية الجديدة".
وبين أن مشروع يقطين النقدي، ينطلق من رؤية حداثية للثقافة العربية، تستند إلى الانفتاح على التحولات الرقمية والاستفادة من المنجز الثقافي العالمي، بما يعزز حضور الثقافة العربية في المشهد الإنساني.
وأكد المحاضر أن التحول من النص التقليدي إلى النص المترابط، يثير إشكاليات معرفية وثقافية ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، خاصة في ظل تسارع التطور الرقمي.
وتوقف الضمور عند السؤال ما بعد نجيب محفوظ؟ باعتباره سؤالًا نقديًا يعكس التحولات في الرواية العربية، موضحًا أن الثورة الرقمية ساهمت في إعادة تشكيل السرد العربي ضمن فضاءات افتراضية جديدة.
وجاءت الإجابة على هذا السؤال: "مع التحولات التي فرضتها الثورة الرقمية، وما أحدثته من تأثير واضح في الرواية العربية المعاصرة، التي بدأت تتشكل ضمن فضاءات افتراضية وتخييلية واسعة، مستفيدة من أدوات التكنولوجيا الحديثة وآفاقها الجديدة".
ورأى الضمور أن حالة التخبط السياسي والثقافي التي تعيشها الأمة العربية ساهمت في تأخر مواكبة العرب للمسيرة الرقمية العالمية، الأمر الذي يستدعي مشروعًا نهضويًا ومعرفيًا شاملًا، قادرًا على الانخراط في فضاءات الحياة الرقمية الجديدة.
وأصبح من الضروري إعادة صياغة تصور جديد للثقافة العربية يستند إلى الثورة الرقمية، بما أحدثته من تطور هائل في وسائل الاتصال وثورة المعلومات، لما لذلك من أثر مباشر في نهضة الإبداع العربي وتطوير بنيته الفكرية والفنية. وقد أفرزت هذه التحولات تبدلات عميقة في الفكر والأشكال الفنية، بوصفها جزءًا من تحولات عالمية، مست جوهر الثقافة وشكلها في آن واحد.
وأوضح المحاضر أن الحديث عن الثورة الرقمية وما أتاحته من وسائط معرفية جديدة، وظف الكتاب الإلكتروني وجعل من الكتابة الحاسوبية أداة للتعبير، قد أحدث تحولًا في عمل المخيلة الإبداعية، ودفعها إلى سلوك مسارات جديدة في التعبير والإنتاج الأدبي.
ومن هنا، انطلق النقد المعاصر من سؤال معرفي يسعى إلى تحديد طبيعة العلاقة بين الثورة الرقمية والإبداع، والكشف عن التحديات والآثار التي فرضتها هذه التحولات من منظور عربي.
وقال الضمور "إن الانتقال إلى الكتابة الرقمية يقتضي وضع خطوات واضحة تعكس روح الثورة الرقمية التي يشهدها العالم، إذ إن تجديد الكتابة العربية والدخول إلى المرحلة الرقمية يحتاجان إلى وعي وإرادة وتشريعات قادرة على استيعاب التحولات الجديدة". وفي هذا السياق، برزت فكرة "النص المترابط"، بوصفه نصا للقرن الحادي والعشرين.
وتبدو الثورة الرقمية عالمًا جديدًا ما يزال قيد التشكل، والدخول إليه يتطلب وعيًا فكريًا عربيًا بأثر التكنولوجيا في الحياة والإبداع الأدبي، ضمن أنساق معرفية وثقافية توظف التكنولوجيا وفق منهجية واضحة المعالم، تحدد مسار الكتابة الرقمية وضوابطها، بعيدًا عن ثقافة الاستهلاك والتقليد الأعمى.
ورغم التطورات المتسارعة في الأدب الرقمي العالمي، إلا أن الفجوة ما تزال  قائمة بينه وبين الأدب الرقمي العربي، الأمر الذي يستدعي نشر الوعي بأهمية النص الرقمي بوصفه أحد أبرز أشكال أدب المستقبل.
وتُعد قصيدة "حدقة تُسرد" للشاعر محمد حبيبي نموذجًا للنص الرقمي التفاعلي الذي يعتمد على الوسائط الإلكترونية والروابط التفاعلية، ويتيح تجربة جمالية متعددة الأبعاد.
ويكشف هذا النوع من النصوص عن أشكال جديدة من البلاغة، مثل البلاغة المرئية، والبلاغة السمعية، والبلاغة الحركية، إلى جانب بلاغة التلاعب الرقمي التي تتجلى في الصور، والكتابة، والإضاءة، والحركة، والمؤثرات التقنية المتنوعة.
وخلص الضمور، إلى أن هذا التحول في القراءة والكتابة في ظل العصر التكنولوجي فرض ظهور بلاغة رقمية جديدة تتفاعل مع خصائص النص الرقمي وعناصره، وتستمد معاييرها الجمالية من بنيته التفاعلية، بما يتجاوز حدود النص المكتوب التقليدي إلى فضاءات بصرية وسمعية وحركية، تُنتج قيماً جمالية ووسائل تأثير وإقناع جديدة.