عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-May-2019

الإنفوسفير "الغلاف المعلوماتي" - المهندس عامر عليوي

 

الدستور - أشهر قليلة تفصلنا عن نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عقد لا خلاف ولا اختلاف على أنه سيظل قرن التكنولوجيا والرقمنة بامتياز، فعلى مدار السنوات التي انقضت فيه، عاشت الإنسانية على إيقاع «الثورة الرابعة» بتعبير الفيلسوف والأكاديمي الإيطالي لوتشيانو فلوريدي وكما جاء في كتابه «كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني»، ثورة غيرت فكرتنا عن أنفسنا بأننا لم نعد محور الكون والكائنات الأكثر ذكاء، فلم نعد نتحكم في محتوى عقولنا بعد أن كنا نظن أننا السلالة المسؤولة تماما عن الأفكار الخاصة بها.
نعيش بعالم انهارت فيه الحدود الفاصلة بين: الحياة متصلاً بشبكة حاسوبية وغير متصل بها، وأصبحنا متصلين بعضنا ببعض بسلاسة تامة ومحاطين بأجهزة ذكية غاية في الترابط، فأصبحنا جميعا مندمجين في «غلاف معلوماتي (إنفوسفير)» إلى حد أننا نعيش حياة دائمة الاتصال أو حياة الإنترنت Online، كما يسميها فلوريدي. هذا التحول الميتافيزيقي -جميع المسائل التي لا يمكن تصنيفها ضمن الإطار الطبيعي (الإطار الفيزيائي الواقعي المادي) تصنف ضمن إطار الميتافيزيقيا- يمثل شيئا لا يقل عن ثورة كوبرنيكية: أي قلب للمنظور الراسخ السائد في أي مجال من المجالات المعرفية رأساً على عقب(تغيير جذري).
لقد باتت الحياة الدائمة الاتصال تحدّد طبيعةَ نشاطاتنا اليومية، من تسوّق وعمل وتعلّم ورعاية صحية وترفيه، بل تعدتها الى الطريقة التي أصبحت تدار بها الحروب، إلى حدّ أصبحنا بحاجة لفهم هويّتنا الإنسانية من جديد في ظل تحكم العالم الافتراضي بكافة مفاصل حياتنا، والتساؤل هنا كيف نضمن أننا سنجني منافع هذه التكنولوجيا؟ ما مخاطرها المخفيّة؟ هل ستؤدي التكنولوجيا إلى مساعدتنا وزيادة مقدرتنا، أم أنها سوف تُقيدنا؟
وقبل التفكير بالإجابة أنقل لكم آراء بعضا من المحذرين والمنتقدين لأخطار الثورة الرابعة والمد الرقمي حيث اعتبر الكاتب نيكولا كار صاحب كتاب «تأثير الانترنت على عقولنا» اعتبرها بمنزلة استغباء للجنس البشري، وذكر الفرنسي جاك إلول صاحب في كتابه «خدعة التكنولوجيا»: إن التقنية تمحو مبدأ الواقع، وتفرز اللاواقع الذي يتمّ التعامل معه باعتباره واقعاً، ويصف صاحب موقع «ويكيليكس» جوليان أسانج مواقع التواصل الاجتماعية بأنها أكبر شبكة تجسس عرفها التاريخ لصالح وكالات الاستخبارات العالمية، وأكثر وسيلة مجانية يمكنها توفير معلومات وبيانات عن الأشخاص لوكالات الاستخبارات في العالم.
في ظل هذا التقدم والذي زادت فيه استخدامات الذكاء الاصطناعي حيث تم البدء بتصميم آلات للقيام بأغلب المهام اليومية، بداية من تنظيم المنزل، وتنفيذ الطلبات المختلفة عبر الأوامر الصوتية والإيماءات، وحتى تأدية وظيفتك، بالإضافة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تقوم بتنفيذ عدد كبير من المهام في وقت واحد وبدقة عالية، مثل السيارات ذاتية القيادة، والروبوتات القادرة على تأدية مهام المذيعين، والطائرات بلا طيار، كلها أمور يرغب فيها ملايين من البشر حول العالم لأنها ستوفر لنا قدرا كبيرا من الرفاهية، كما ان الذكاء الاصطناعي بات يُستخدم في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي عالم الانترنت الذي يعيش فيه معظمنا بشكل يومي (عالم جوجل وتويتر  وفيس بوك وهوتميل وأمازون) فقد اصبح بالإمكان من خلال استخدام خوارزميات تحليل البيانات المنشورة على السوشيال ميديا مثلاً تمكن من دراسة الأفكار، والاتجاهات الفكرية والنفسية، والمشكلات والأوضاع والحركات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإنسانية، فضلا عن الأذواق والاختيارات والعلاقات، كما يستخدم جوجل ماب أيضا خوارزميات لاقتراح الطرق الأكثر ملاءمة وتتيح معرفة مواقع الرادارات، وتحذر السائقين من زيادة السرعة لتفادي المخالفات المرورية، وبفضل الذكاء الاصطناعي تقدم منصة نتفلكس اقتراحات وتوصيات لمشاهدة أفلام مبنية على تحليل ما يفضله المشاهد، وتستخدم شركة أمازون تقنية الذكاء الاصطناعي لتحديد ماهية البضائع التي يمكن أن ترغب بشرائها ويظهرها أمامك دون أي تدخل بشري، وغيرها الكثير الكثير. هناك دراسة تبين أن ما يزيد عن 60? من الأشخاص لا يدركون بالفعل أنهم يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناع، لقد أصبحت حياتنا وخياراتنا خاضعة لتأثيرات برمجيات التكنولوجيا الذكية وكل ذلك من أثمن وأهم ما يُستعان به في رسم السياسات والاستراتيجيات الكبرى للتحكم بالمجتمعات والدول.
نعم لم نعد محور الكون والكائنات الأذكى ولم نعد فعلياً سادة الانفوسفير، فأجهزتنا الرقمية، تنفذ أوامر بالتفكير الذكي والتحليل عوضاً عنّا وأفضل منا بالتأكيد، صرنا مجرد كائنات حيّة معلوماتية «إنفورغز» متصلة بعضها ببعض، وجزء لا يتجزأ من البيئة المعلوماتية inforgs: informationally embodied organisms, entities made up of information, that exist in the infosphere.
السؤال: من نحن؟ ومن سنصبح؟ ومن الذي يمكن أن نكونه عندما يتزايد ما نقضيه من وقتنا في الإنفوسفير؟ وهل سيقاس العمر بالهَرَم أم بالقِدَم بحيث ممكن ألّا يصبح الفرد هرماً.
*جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات