عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Mar-2026

الحروب المنسية..حين يقرر الإعلام والخوارزميات ما يجب أن يراه العالم* رومان حداد
الرأي -
في لحظة دولية مشبعة بالأزمات، لا يبدو أن العالم يرى كل شيء بالقدر ذاته من الوضوح، فمنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، حدث تحول حاد في بوصلة التغطية الإعلامية العالمية، حيث اندفعت كبرى وسائل الإعلام لتكريس مواردها وساعات بثها وتحليلاتها لهذا الصراع، على حساب أزمات أخرى لا تقل خطورة، بل قد تفوقها أهمية إنسانياً في بعض الأحيان، ففجأة، تراجعت تغطية الحروب المستمرة في السودان وأوكرانيا وغزة إلى هامش المشهد، في ظاهرة تعكس ما يمكن أن أسميه بـ(الحروب المنسية).
 
هذا التحول لا يعني أن تلك الحروب قد انتهت أو حتى هدأت، بل على العكس، ما تزال الحرب في السودان تُصنف كواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، مع ملايين النازحين وتقارير متكررة عن انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب ضد النساء والأطفال، ومع ذلك، تراجعت تغطيتها الإعلامية بشكل ملحوظ، وكأنها خرجت من دائرة الاهتمام الدولي.
 
والمشهد ذاته يتكرر في الحرب الروسية الأوكرانية، التي تُعد الأكبر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، لكنها لم تعد تحظى بنفس الزخم الإعلامي الذي كانت تحظى به قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، أما في غزة، فلا يزال الوضع الإنساني والأمني يتدهور، ولا وضوح في دور اللجنة التي تشرف على إدارة قطاع غزة، وصراع الميلشيات مع حركة حماس على المستوى الأمني، وكيف يتم استخدام معبر رفح، فهل يستعد لعودة الغزيين إلى ديارهم أم لتفريغ بطيء لقطاع غزة، في ظل تراجع واضح في حجم التغطية الإعلامية مقارنة بالفترات السابقة.
 
ما يحدث اليوم إعلامياً هو مفهوم يسمى في علم الإعلام والاتصال ب(اقتصاد الانتباه)، وهو أحد المفاهيم المركزية في دراسات الإعلام المعاصر، ويقوم هذا المفهوم على فكرة مفادها أن انتباه الجمهور مورد محدود، وأن وسائل الإعلام تتنافس على توجيه هذا الانتباه نحو أحداث معينة دون غيرها، وبالتالي يصبح الحدث الأكثر سخونة أو الأكثر ارتباطاً بالمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى هو الأقدر على احتكار التغطية الإعلامية، حتى لو كانت هناك أزمات أخرى أكثر إلحاحاً من الناحية الإنسانية.
 
وتلعب المؤسسات الإعلامية الكبرى، خاصة في الغرب، دوراً محورياً في تشكيل هذا التوجه، فبفضل انتشارها العالمي وقدرتها على إنتاج وتوزيع المحتوى، تستطيع هذه المؤسسات أن تحدد إلى حد كبير أولويات أجندة النقاش الدولي، وحتى لا يفهم الأمر على أنه جزء من نظرية المؤامرة، فإن ما يحدث لا يرتبط بوجود غرفة عمليات مركزية تدير المشهد الإعلامي، بقدر ما هو نتيجة تفاعل ثلاثي معقد بين حجم هذه المؤسسات ومصالح الدول التي تنتمي إليها وطبيعة النظام الإعلامي العالمي.
 
وفي يومنا هذا، ساعدت منصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل تدفق الأخبار أيضاً، فمن خلال خوارزميات هذه المنصات لا تعمل هذه المنصات على ترتيب المحتوى فقط، بل تساهم الخوارزميات فعلياً في تحديد ما يجب أن يُرى وما يمكن تجاهله، وغالباً ما تعطي هذه الخوارزميات الأولوية للمحتوى الذي يحقق تفاعلاً أعلى أو يرتبط بحدث عالمي متصاعد، ما يعزز من حضور بعض الأزمات ويُضعف أخرى، وبمرور الوقت، يمكن لهذه الآليات أن تدفع بأزمات كاملة إلى خارج دائرة المشاهدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعني بالضرورة خارج مجال الاهتمام والوعي العام، حتى لو كانت هذه الأزمات أكثر خطورة من غيرها.
 
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن طبيعة الحروب نفسها. فالصراعات التي تنخرط فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر، أو التي تمس مصالحها الاستراتيجية، تميل إلى جذب اهتمام إعلامي أكبر، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من بينها ثقل المؤسسات الإعلامية الأميركية ودور وكالات الأنباء الكبرى إضافة إلى تأثير شركات التكنولوجيا العملاقة التي تتحكم في منصات توزيع المحتوى.
 
وبالتالي، مع تطور قدرات الإعلام التقليدي وظهور الإعلام الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، ظهرت نتيجة معاكسة، فعوضاً عن دمقرطة الإعلام وتنوع المصادر، فإن الجمهور لم يعد يتلقى الأخبار بشكل محايد أو عفوي، بل أصبح جزءاً من منظومة معقدة تتم فيها صياغة الأجندة الإعلامية عبر تفاعل الحكومات والمؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا.
 
ومع تسارع تدفق المعلومات، أصبحت ظاهرة (الحروب المنسية) و(القضايا المنسية) أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، حيث ينتقل الاهتمام العالمي بسرعة من أزمة إلى أخرى، تاركاً خلفه صراعات مستمرة لا تجد من يسلط الضوء عليها.