عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jun-2020

رفقًا بالوطن - أ.د.م منذر حدادين
 
الدستور- وعيت على الدنيا بعد ولادتي بثلاث سنوات وما زلت أحمل ذكريات جميلات منذ 1943 في ماعين وحقول قمحها ثم في عمان منذ 1946 وكانت الطريق التي تصل ماعين بعمان معبدة من عمان إلى خريبة السوق أما ما بعدها فكانت طريقاً ترابية لا تطرقها المركبات في الإيام الماطرة وفي ما بعدها بأيام. ولم تقف الطريق الترابية عند ماعين أو مادبا بل استمرت كما هي اليوم إلى الجنوب لتعبر الموجب وتصل الكرك والطفيلة.
 
وكان في عمان عام 1947 للحكومة ثلاث مدارس دون الثانوية ومدرسة ثانوية واحدة أي أربع مدارس للذكور: مدرسة عمان الثانوية بالقرب من السيل إلى الغرب من الجامع الحسيني، والمدرسة العسبلية قبالة «درج فرعون» أي المدرج الروماني وإلى جوار فندق فيلاديلفيا وكانت ابتدائية أي للصف السابع، ثم المدرسة العبدلية في أول طلوع جبل عمان محاددة لقيادة الجيش، والمدرسة الهاشمية في جبل اللويبدة (جناح فراس). وكلاهما للصف الخامس.  أما مدارس البنات فكانت أقل عدداً هي مدرسة الباعونية في جبل عمان ثم مدرسة أروى بنت الحارثوكااهما ابتدائيتان ومدرسة  زين الشرف الثانوية. ومن المدارس الخاصة كانت مدرسة المطران للبنين ومدرسة ال CMS للبنات وبديء بإنشاء الكلية العلمية الإسلامية. وكان عدد سكان المملكة عام 1946 (الضفة الشرقية) 350 ألف نسمة.
 
تقدمنا، طلاب الضفتين، عام 1957، لامتحانات المترك وكان عددنا يزيد قليلاً على 3200 طالب، نجح منا 2228 طالباً، ورغم أني كنت الخامس من العشرة الأوائل في امتحانات المترك. وحتى ذلك العام لم يكن في عمان إلا كلية الحسين مدرسة ثانوية للبنين حكومية، تلتها رغدان في العام التالي ثم مدرسة الأحنف بن قيس. استحقت لي بعثة لدراسة الطب في بغداد حيث كنت الخامس ضمن العشرة الأوائل في المملكة في ذلك الامتحان والأول على الضفة الشرقية. إلا أن البعثة المخصصة لي اختطفها بقدرة قادر من كان ترتيبه متأخراً جدا. وقلت يومها: «بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ». وشاءت الأقدار أن أعود للبلاد لخدمتها ووجدت الديبلوماسي الذي عمل على اختطاف بعثتي قبل 16 عاماً يعمل تحت إمرتي، ولم أذكر له ذلك الموضوع أبداً وبقينا أصدقاء حتى ما بعد تقاعده.
 
أوردت ما هو أعلاه لتتخذ منه الأجيال المعاصرة مرجعية بيانات تقارن وضع البلاد اليوم معها، والتقدم الهائل واضح كل الوضوح، وما كان لهذا التطور الذي أتى بمدارس للذكور وللإناث في المملكة ما لا أستطيع سرده، وبشبكات من الطرق السريعة والرئيسة والطرق القروية حتى لم يعد ساكن يشكو من عدم قدرته الوصول من قريته إلى العاصمة، ناهيك عن المرافق العامة من شبكات المياه والصرف الصحي وشبكات الكهرباء والمستشفيات والعيادات والمطارات والموانئ ووسائل خدمة ما يقارب 11 مليون من السكان في وقتنا الحاضر. وازداد الإنتاج الزراعي بشثيه النباتي والحيواني وتطورت قطاعات الاقتصاد  وارتفع معدل دخل الفرد من 250 دولاراً عام 1952 معظمه من الزراعة البعلية التي تجود عاماً وتمحل أعواما إلى قرابة 3400 دولار عام 2019 من قطاعات الاقتصاد المتنوعة والمتزايدة. ولا مجال هنا لسرد الإنجازات التي حققها للوطن أبناؤه الغر الميامين من بناة وحماة وقادة رأي وقيادة حكيمة.
 
وحريٌّ بهذا الوطن أن تحسده الأعداء  لما حقق من إنجازات أولها الاستقرار والأمن الدائمين، وأن يغبطه الأشقاء لما له من ذكر في المحافل العالمية وعواصم صناعة القرار، وشكراً للإنجازات التي تدعم القيادة الواعية وهي تجوب أقطار الأرض تدعو مستثمريها لطرق أبوابه حتى فاقت سمعة الوطن ووزنه حجمه. وشكراً للدول الصديقة والشقيقة ممن قدم للوطن الدعم المالي من أجل التنمية.
 
قال لي رئيس لجنة التخصيصات في مجلس النواب الأميركي عام 1976 وقد تراءى له الغور باخضراره من منح قدمتها للأردن الولايات المتحدة، قال: إن هذا المنظر أجمل ما رأيت من ثمار مساهماتنا في البلدان بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادي، وواضح أن ثمرة كل مليون دولار تظهر للعيان عندكم. فما الذي اعترانا لنشهد غير الذي كنا نسمعه؟ وما الذي يدفع ببعض أبناء الوطن لمهاجمته من كل حدب وصوب؟
 
أيظن هذا البعض أنهم يخدمونه وهم يطعنون في سمعته ويكيلون التهم يمنةً ويسرةً، تهماً يندى لها الجبين، فذلك ما لا يحق ولا يجوز. وأنا لا أنفي اعوجاج مسارات بعض أبناء الوطن من رسميين ومن قطاع خاص، ولكني لا أجرؤ على اتهام أي منهم دون دليل دامغ. وكيل التهم يمنة ويسرة ليس غيرة على الوطن ومسيرته بقدر ما هو تعبير عن حقد دفين. وأسمع ذلك من منصات أجتماعية في داخل الوطن وأخرى خارجه تتطاول على تاريخه وهي لا تعرف تاريخه. وتمرغ سمعته في التراب وقد شرب المشرفون على تلك المنصات من مائه وعاشوا في أكنافه ردحاً من الزمن. 
 
أوَيدري هؤلاء المرجفون أن الضرر الذي يلحقونه بالوطن يوازي إن لم يزد عن الضرر المالي الذي ألحقه الفاسدون به؟ والوطن بين هؤلاء وأولئك يقف حائراً ويسأل: أحقاً أن هؤلاء، من الطرفين، أبنائي؟ فإن هم كذلك فلا بد أن تلوثاً تسرب إلى حليب أمهاتهم، أو أن سماً نقيعاً لوّث فكرهم وأفكارهم. أذ كيف يكون ابناً للوطن من قدم روحه ودماءه دفاعاً عنه، ويكون ابنه من يطعن في أنجازاته واستقراره؟
 
لم يقدم الوطن لي بعثات للجامعات استقت لي، وأكملت الدراسة الجامعية وتابعتها للدراسات العليا في بلاد الغرب البعيدة، كل ذلك بالجهد الذاتي ودعم شقيقاتي العاملات  حتى بلغت من التحصيل الأكاديمي أقصى ما هو معروض، وبدأت في إجراء البحوث المتقدمة ونشرها في الدوريات العلمية المحكمة ونلت أول جائزة دولية لما نشرته. ولما نادى الوطن عام 1970 هرعت إليه غير ملتفت إلى المكاسب الذاتية وذلك ما يذكرني بقصة «نداء البرية» حين أصغى ذئبٌ تربى في كنف عائلة وأصبح أليفاً ورفيقاً لها أصغى إلى عواء الذئاب ليلاً ( Call of the wild) هجر مضجعه الوثير وتوجه صوب الذئاب البرية حيث هويته والتحق بها.
 
ويتحمل وزر النكوث بالعهود للوطن، الفاسدون من أبنائه وهم في حدسي قلة من ضمائر لا تبقي ولا تذر، ويعرف المختصون كيف يتدعثر هؤلاء بنصوص القانون وكيف يعالجون بعيداً عن الضوضاء والعيون. ويتحمل وزراً أكبر أولئك المطلقون الإتهامات ، المروجو الإشاعات دونما دليل رغم نهي رب العالمين عن ذلك بقوله: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.» (الحجرات 6). فلندع علاج الفساد للدوائر المختصة والمحاكم وقضاتها وفيهم ثقتنا وأملنا بتحقيق العدالة. 
 
وللوطن، كما للبيت الحرام، ربٌ يحميه، وهو في أفئدة أبنائه الغر الميامين، يغفرون له ما يبدو من زلات، ويعشقون منه الماء والأهلين والنبات، ويفتدون منه الأرض والتراب الذي سيضم رفاتهم في نهاية المآب، ولا ألوم أحد أبنائها الغر الميامين الذي نالته بالسوء منصات التواصل وادعت أن حجزاً ألقي على أمواله البالغة قيمتها أربعين مليون دينار، في حين أن ما له من ثروة لا تعادل واحدا بالألف مما ذكرته تلك المواقع، وتبين أن هذا الادعاء يجيء من باب التطاول وتشويه السمعه والنيل منها، فمن يقبل بتشهير كهذا مبني على ادعاء باطل؟ إذ لم يحجز على أموال ذاك الأردني الأصيل. ورغم كل ذلك أكاد أسمعه يردد:  
 
بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ          ولو أنني أعرى بها وأجوعُ
 
أأجعلها تحت الثرى ثم أبتغي         خلاصاً لها، إني إذن لوضيعُ
 
وما أنا إلا المسك في كلّ بلدةٍ            أضوع وأما عندكم فأضيعُ
 
وليس لي إلا أن أصرخ صرخة أردنية مدوية أن ارفقوا بالوطن، وحمسوا أبناءه لخدمته وبناء مجده وعزه، فما يدور حولنا من نكايات وإشاعات لا يقبلها العقل السليم ولا الوطني الغيور، ومن قد يكون بيننا من معوجين فلهم عقابهم القانوني في الدنيا ولهم عقاب أكبر في الآخرة. والله على كل شيء قدير.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات