عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Jan-2026

"وكأني لا زلت هناك" لصبري ربيحات.. رحلة في السيرة والمجتمع

 الغد-عزيزة علي

 نظمت لجنة العلوم الاجتماعية في رابطة الكتاب الأردنيين حوارية ثقافية مع وزير الثقافة الأسبق والأكاديمي الدكتور صبري الربيحات، حول كتابه الأخير "وكأني لا زلت هناك"، الذي يمزج بين السيرة الذاتية والتاريخ الاجتماعي، ويسلّط الضوء على حياة الناس وأحياء عمان الشعبية.
 
 
وشارك في اللقاء كل من الكاتب والمسرحي مفلح العدوان، والدكتور مجد الدين خمش، فيما أدارت الحوار القاصة سامية العطعوط، أمين سر الرابطة.
وصف الدكتور مجد الدين خمش كتاب الربيحات بأنه يجسّد روح العصامية بأبهى صورها، حيث ينقل الكاتب تجاربه الشخصية وعلاقاته مع الناس، من قرية "عيمة" الأردنية إلى الطفيلة والكرك وعمان، مسجّلًا بذلك تاريخ جيل كامل من أبناء الوطن، إلى جانب نمو المؤسسات الأكاديمية والسياسية والأمنية.
وأضاف خمش أن حي الطفايلة في عمان، وسكانه الطيبون المكافحون، شكّلوا مصدر إلهام له منذ منتصف السبعينيات، حين اختاره موضوعًا لمشروعه البحثي في مادة "المجتمعات الريفية والحضرية" في الجامعة الأردنية. مستندًا إلى مفاهيم علم الاجتماع وعلم النفس والتربية، أجرى مقابلات ميدانية مع الأسر وكبار السن والشباب، لتعزيز تحليلاته حول التاريخ والعلاقات الإنسانية والهوية.
وقد أنجز الربيحات من خلال ذلك بحثًا متماسكًا يُعد من أوائل الدراسات الاجتماعية التي تناولت أحياء عمان الشعبية، المدينة التي تجمع بين مختلف الأصول دون تفرقة.
وأوضح خمش أن سردية الربيحات تمزج بين السيرة الذاتية والجماعية والمكانية والتحليل الاجتماعي-التاريخي، موثقة حياة الكاتب كعصامي ناجح وجيلًا من العصاميين المرتبطين به، وحيًا شعبيًا في عمان وفر لهم الدعم والفرص للصعود الاجتماعي والسياسي. ويستعرض الأحداث والأمكنة والتحولات الزمنية بأسلوب قصصي يجمع بين الملاحظة والتحليل الاجتماعي والنفسي، معبّرة عن الحنين والأمل والانتماء.
أشار خمش إلى أن الربيحات يستعرض في كتابه ذكرياته في الجامعة الأردنية، من أساتذته المميزين وانخراطه الأكاديمي والأنشطة المصاحبة، إلى أعمال التطوع مع الدكتور سري ناصر في مراكز التنمية الاجتماعية، معبّرًا عن حيوية الستينيات والسبعينيات في عمان. كما تتوافق هذه الذكريات مع سردية أحمد سلامة في "آل.. عمان"، التي تصور الحياة الطلابية والاجتماعية والسياسية، وتبرز النمو الشخصي والمجتمعي وجهود الدولة في التنمية.
وخلص خمش إلى أن صبري الربيحات يظل قريبًا من الناس، يكتب عنهم ولهم في عشرات الأحياء والقرى، مستفيدًا من خبرته الأكاديمية والسياسية والاجتماعية لإبراز تميزهم النفسي والاجتماعي وأماكنهم وأزمنتهم. ورغم أن السارد هو المسيطر على النص، تشارك الشخصيات والأمكنة في السرد عبر "المقابلات المعمقة"، ما يضيف أصواتًا وتجارب متنوعة ويغني تصور السرد عن الحياة والمستقبل. هذه "التعددية الصوتية" إلى جانب الأساليب السوسيولوجية تجعل السردية أقرب إلى الناس وأكثر جاذبية.
من جانبه قال المسرحي والكاتب مفلح العدوان إن الربيحات في كتابه "وكأني لا زلت هناك"، يحن إلى ذكرياته ويستدعيها بحميمية، مسردًا أدق التفاصيل بسرد بديع وصادق. يستعيد الجغرافية البكر والذاكرة النابضة والتاريخ المزدحم، معيدًا ترتيب مراحل حياته في أبواب تمثل كل مرحلة، لكنها تتداخل بسلاسة مثل أبواب بيت شامي تطل على نافورة قلب محب وياسمينة عطرة ولمّة الأهل والأصدقاء والأحباب.
وقال العدوان إن كتاب الربيحات يقدم سردًا جميلًا وصادقًا يمزج بين السيرة الذاتية والتاريخ الاجتماعي، حاملاً تجربة إنسانية وشهادة حية. تبدأ محطاته في قريته عيمة بالطفيلة، ثم تمتد إلى الدراسة والتعليم الجامعي والسفر والعمل الأكاديمي والإداري والنشاط الثقافي والسياسي، مع تفاصيل دقيقة تعكس صدقية الكاتب وتأثير المكان في تشكيل وعي الإنسان.
وأضاف العدوان أن قراءته لكتاب "وكأني لا زلت هناك"، لم تكن محايدة، إذ تأثر بعين المحب المتفاعل مع سيرة صبري الربيحات، الذي يفيض حنينًا وصراحة في استحضار الماضي. يعكس عنوان الكتاب رغبته في إبقاء الماضي حاضرًا، مستدعيًا أيامه الأولى والتالية بإخلاص المؤتمن على ذاكرة "بلاد الجبال" واحتضان عيمة الدافئ، رغم صعوبات العيش وقلق الناس.
قال العدوان إن الربيحات يعود بحدس عالم الاجتماع إلى بئر الذاكرة الأولى، ليبني معمار الحياة حين كانت البيوت تتفاعل مع بعضها، والدروب تنبض بخطوات المشاة، والتراب والأشجار والحجارة تنطق بطيب القلوب. هذه الذاكرة تشكل صفحات أعمار نقشت بالعرق والدم والرضا والدأب، لتكون أساسًا لحياة أعمق وأكثر حضورًا وجدوى.
وأضاف العدوان أن "وكأني لا زلت هناك"، إنها سيرة وطن بقدر ما هي سيرة شخص، فقد خط الربيحات من خلالها نموذجًا لجيل حفر عميقًا قبل الوصول إلى نبع الماء الذي يخصب كل شيء، فتتحول الحكاية إلى نهر، والأحداث إلى أسطر تعكس ما كان، كبوصلة تشير إلى الأيدي التي ساهمت في بناء الواقع الذي نعيشه اليوم.
وللأرض قيمة عليا لدى الربيحات، يتجلّى ذلك في حبه لقرية عيمة واندفاعه الحميمي لامتلاك قطعة أرض قرب عمان، في العالوك، التي اشترى وعمّر فيها، فصارت مجمع الأهل والأصدقاء وعنوانًا له في المدينة. تعكس تفاصيل شراء الأرض شغفه وارتباطه بأصوله، كما تحضر أول ملكية له أيام عمله كضابط في الأمن العام، حين جمع ثمن سيارة فولكس فاجن برتقالية من راتبه ومساهمة أخته، لتصبح السيارة رمزًا للانتصار على الفقر وامتلاك المستقبل، وتجربة عائلية تتجاوز كونها مجرد مركبة.
وخلص العدوان إلى أن المستقبل يمثل للربيحات قفزة لحياته من طقوس القرية وقطاف زيتون عيمة إلى دراسة عليا في لوس أنجلوس، ثم العودة للعمل الإداري والأكاديمي والمشاركة الفاعلة في الحياة الثقافية والسياسية. رغم النجاح والانتقال إلى مواقع المسؤولية العليا، بما فيها الدوار الرابع وسدة الوزارة، ظل حنينه لأصوله ومرابعه الأولى في الطفيلة وعيمة حاضرًا دائمًا في ذاكرته ووجدانه.
من جانبه، قال الدكتور صبري الربيحات إن فكرة الكتاب الأولى وُلدت بشكل تشاركي مع الناس؛ فقد كان يكتب ويضع نصوصه على الفيسبوك ليستفيد من آراء الآخرين وأفكارهم. وأضاف: "الكتاب ليس عني، بل عن الناس، وهو حديث عن شخصيات شخص يُدعى المبروك، الذي يعتقد البعض أنه مجنون. كما يقول أهلنا: مجنون يحكي، وعاقل يسمع".
وأوضح الربيحات أنه تناول في الكتاب أربع شخصيات من قريته، مضيفًا: أما المحور الثاني فيتعلق بطفولتي، وكنت أتأمل كثيرًا كيف سأكتب عن هذه المرحلة. كنت أنظر إلى صخرة تتساقط على القرية، حي الطفايلة، وأرى فيها إخلاص أهلها لغزة، وكنت أبحث عن هذا السلوك النبيل لدى هؤلاء الناس.