"791".. حين يتحول الرقم إلى حكاية إنسان في رواية صفاء الحطاب
الغد-عزيزة علي
تستعيد رواية "791 – معسكر الاعتقال رقم 1" للقاصة والروائية صفاء صبحي الحطاب. صفحة أقل تناولًا في السرد الأدبي من تاريخ النكبة الفلسطينية، مسلطة الضوء على تجربة معسكرات الاعتقال والعمل القسري التي أقامها الاحتلال للفلسطينيين بعد العام 1948. من خلال مزج الوثيقة التاريخية بالسرد الروائي.
وتحاول الحطاب في الرواية الصادرة عن دار المأمون للنشر والتوزيع، تحويل الأرقام الجامدة إلى حكايات إنسانية حية، مستحضرة الذاكرتين الفردية والجمعية، وما تركته تلك التجارب القاسية من أثرٍ عميق في حياة الأسرى وذاكرتهم. وتسعى الرواية، إلى إعادة إحياء صوت إنساني غُيّب طويلًا في الوثائق والأرشيف.
وفي الإهداء كتبت الروائية: "بعد مرور فترة غير قصيرة على إعلان الحرب واحتلال فلسطين، تحولت قرية إجليل القبلية إلى معسكر لاحتجاز الأسرى العرب الذين أسرتهم منظمة الهاغاناه. وقد نقل مراسل صحيفة نيويورك تايمز في 11 تشرين الأول (أكتوبر)، أن نحو نصف الأسرى العرب، البالغ عددهم خمسة آلاف أسير، الذين أسرهم الجيش الإسرائيلي منذ أيار (مايو)، كانوا محتجزين في مخيم أُقيم على عجل فوق الرمال وبعض العشش في وادٍ صغير، مجاور لهذه القرية التي كانت ذات يوم قرية عربية.
وكان المخيم يقع على مقربة من طريق تل أبيب – حيفا، وعلى بعد بضع مئات من الأمتار من البحر، ويضم أكثر من مائتي خيمة كبيرة، وعُرف باسم معسكر الاعتقال (791).
كما أشار المراسل، إلى أن سلطات المخيم نفسها لم تكن متأكدة من العدد الدقيق للسجناء، وكان بعضهم من أفراد الجيوش العربية. وكان من بينهم نحو 250 فلسطينياً أُلقي القبض عليهم بعد الاستيلاء على قراهم".
وتستعير الروائية نبذةً تاريخية عن قرية إجليل القبلية– يافا من كتاب "لكي لا ننسى" للمؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، الذي يصف حال القرية اليوم بقوله: "يُستخدم موقع القرية اليوم مكبًا للنفايات، ومن العسير تمييز معالمها الأصلية. وعلى رقعة صغيرة من التل – لم تغمرها النفايات بعد – تظهر بقايا منازل حجرية قرب صهريج لتخزين البنزين، إضافة إلى أجمة من النباتات البرية والصبّار.
وعلى بعد نحو مائة متر شرقي الصهريج، يقوم منزل مهجور بالقرب من بقايا بناء مهدم تهديمًا كاملاً". وتختم المؤلفة إهداءها بعبارة مؤثرة: "إلى تلك الأرواح… أهدي هذا العمل".
الرواية جاءت في فصلين رئيسيين؛ حمل الفصل الأول عنوان "القدس"، وتناول عدداً من المحطات والأماكن المرتبطة بالمدينة وما حولها، منها: القدس – حي الطالبية 30/4/1948، قرية بتير / قضاء القدس 1936، القطمون / القدس الغربية 1937، القدس – حي الطالبية 1938.
أما الفصل الثاني، فجاء بعنوان "معسكر الاعتقال 791"، ويتناول مجموعة من العناوين والمحطات السردية، منها: معسكر الاعتقال 791 (حزيران 1948)، معسكر الاعتقال الصهيوني 791 – نافذة على الخارج، معسكر الاعتقال الصهيوني 791 – دير مار إلياس، بداية الرحلة 1948 – دير مار إلياس، معسكر الاعتقال الصهيوني 791 – الانتظار، دير مار إلياس – خريف 1948، يافا – رصيف الميناء، دير مار إلياس – رسالة سلامة، قرية بتير / قضاء القدس، ودير مار إلياس – الرسالة الأخيرة. كما ألحقت الرواية بملحق يضم مجموعة من الصور التوثيقية.
وفي تصريح للروائية صفاء الحطاب لـ"الغد"، قالت "إنها عندما بدأت العمل على روايتها "791 معسكر الاعتقال رقم 1"، كانت في الأصل تبحث في موضوع يتعلق بمدينة القدس، رغبةً منها في كتابة عمل روائي يتناول ذاكرة المدينة بوصفها امتدادًا لمشروعها الروائي، الذي ينشغل بالمكان والذاكرة الجمعية، وبالأسئلة التي يطرحها التاريخ في لحظة تقاطع مع الإنسان".
وأضافت الحطاب تنقلتُ بين موضوع وآخر داخل الأرشيف؛ إذ بدأتُ بالبحث في تاريخ إذاعة هنا القدس، ثم قادتني الوثائق والمواد الأرشيفية إلى موضوع معسكرات الاعتقال والعمل القسري التي أقامها الاحتلال للفلسطينيين بين العامين 1948 و1949. وقد عثرتُ على عدد من المصادر والكتب التي تناولت هذا الموضوع، إلى جانب وثائق أرشيفية أُفرج عنها حديثًا.
وتابعت "مع تعمّقي في البحث، واستماعي إلى شهادات قليلة لناجين من تلك المعسكرات، اكتشفت أن هذا الملف – على أهميته التاريخية الإنسانية – لم يُتناول في المتن الأدبي من قبل، ولم يُقارب روائيًا، على الرغم من حضوره في الوثائق الرسمية.
وقالت الحطاب "إنها شعرت حينها بمسؤولية أخلاقية ومعرفية تدفعها إلى تقديم هذه المادة عبر السرد الروائي، من خلال تحويل الوثيقة إلى حياة، والرقم إلى إنسان". وأوضحت أنها سعت إلى تقديم ذلك ضمن رواية توثيقية معرفية تراعي في الوقت نفسه، الشروط الفنية والجمالية للعمل الروائي.
وأضافت لهذا خلقتُ عالمًا موازيًا وشخصيات متخيلة تشكل مرآة إنسانية لأولئك الذين عاشوا ذلك الهول، كي يصل صوتهم إلى العالم، وكي نرى ما الذي جرى للإنسان في ظل ظروف سياسية معقدة وحروب قاسية، وكيف تشكلت ذاكرة أولئك الناس تحت وطأة الصدمة. كما أردت أن أترك للقارئ مساحة خاصة ليشتبك مع هذا العالم بفكره ووجدانه.
وأكدت الحطاب أن عنوان الرواية "791"، جاء بوصفه رقمًا باردًا بلا دلالة لغوية أو رمزية مباشرة، سوى كونه رقمًا للإحصاء. وقالت "إنها أرادت من خلاله أن تعكس مأساة أولئك الذين تحولت أسماؤهم إلى أرقام، ووجدوا وطنهم الكبير يتحول إلى معسكر ضيق يحمل رقمًا.
وأضافت أنها رواية عن محاولات طمس الذاكرة، ومحو الهوية، واستبدال الاسم بالرقم، والإنسان بالتصنيف.
وأوضحت الحطاب أن الرواية تهدف إلى إضاءة التفاعلات النفسية العميقة لهؤلاء الناس، وهول الصدمة التي تعرضوا لها. لكنها، رغم الألم الذي تحمله، تفتح أيضًا أفقًا للأمل، إذ تؤكد أن الإنسان إذا عرف ذاته، وتمسك بذاكرته، وحافظ على هويته حية في وجدانه، يستطيع مقاومة الطغيان ومحاولات المحو مهما بلغت قسوتها. وأضافت أن أولئك الذين لم يُعرف عنهم الكثير بعد، وعلى الرغم من قسوة ما مروا به، كانوا وما يزالوان مصدر أمل.
وخلصت، إلى أن من أبرز تحديات كتابة الرواية – في ظل بقاء القضية حية واستمرار الاحتلال– المحافظة على توازن دقيق بين المعرفة والسرد، بين الوثيقة والخيال وبين الأمانة التاريخية والاشتراطات الفنية للرواية. لكنها أكدت أن ذلك كان ضرورة إبداعية وأخلاقية في آن واحد، من أجل استعادة الصوت الإنساني من قلب الرقم، وإبقاء الذاكرة حية ما بقي الإنسان على هذه الأرض.