الدستور
لم تعد السياسة العالمية ساحة مبادئ، بل أشبه ما تكون بطاولة مفاوضات حادة الزوايا، يحكمها منطق، ماذا سنجني؟. واليوم، وعلى هذه الطاولة يتقابل الآن رجلان مختلفان شكلا، متشابهان روحا، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والأمريكي دونالد ترمب.
الأول، ضابط سابق في الاستخبارات السوفياتية، لا يرى في المباحثات سوى سلّم للنصر. والثاني، نجم عقارات ورجل صفقات، ينظر إلى السياسة كامتداد لطاولة تفاوض تجارية. فهما وبينما يتحدثان عن السلام، تدور في الخلفية حسابات معقدة حول، رفع العقوبات، صفقات اقتصادية ضخمة، خطوط غاز، ومحطات نووية. والضحية بالطبع هي أوكرانيا، ومعها ثقة الشعوب في نزاهة السياسة.
درس بوتين شخصية ترمب كما يدرس الخبيرُ كتاباً عتيقاً، واكتشف أن طريق التأثير في الرئيس الأميركي تمر عبر صفقات مغرية وأرباح واعدة، ولعب على وتر المديح. وهكذا تحوّلت المحادثات بينهما إلى مزيج مربك من لغة الدبلوماسية ورطانة السوق العقارية.
لكن ماذا لو كانت هذه «الصفقات» مجرد طُعم؟ مجرد وعود براقة تُمكّن الكرملين من العودة لاعبا محترما على المسرح الدولي؟ بوتين يدرك، أن ترمب يتوق إلى مجد سريع خاطف، ولو عبر صفقة تتيح له الفوز بجائزة نوبل، أو تغربه أكثر عن أوروبا المتشددة في موقفها من روسيا.
المشهد أعقد مما يبدو. فروسيا، رغم العقوبات، لم تركع ولم تتراجع. إنها تلتف حول الحصار وتتجاوزه، وتصدر نفطها إلى الهند وتستورد التكنولوجيا من جوارها السوفياتي القديم. ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد الروسي مضغوطا؛ لذا، فإن رفع العقوبات ليس مكافأة فحسب، بل ضرورة إستراتيجية لبوتين.
في الخلفية، خطوط الغاز تنتظر من يعيد تشغيلها، ومحطات نووية أوكرانية مطروحة للحديث، وصفقات معادن لا تحمل قيمة فعلية تُذكر، لكنها تُقدّم على أنها كنوز المستقبل. كل ذلك يُدار في ظل غيابٍ شبه تام لصوت الضحية، لأوكرانيا، التي تُجرّد من سيادتها على طاولة لا كرسي لها عليها.
ربما يكون ترمب مدفوعا بطموح شخصي، وربما يكون بوتين مدفوعاً بحلم القيصر. لكن الحقيقة الوحيدة المؤلمة هي أن الشعوب، مرة أخرى، تُختصر في بندٍ من بنود التفاوض.