الضم التدريجي.. وعواقب تدمير الهوية الفلسطينية*د.ابراهيم بدران
الغد
لا بد من التأكيد بداية أن الحرب المفتوحة في الضفة الغربية وغزة تحمل من الأخطار أكثر بكثير مما يبدو على السطح. فعمليات التدمير للمنازل والمساكن والمرافق تجبر الأهالي على الرحيل من بيوتهم إلى مكان آخر. ومن هنا تبدأ عمليات النزوح والتي عانى منها حتى اليوم أكثر من 100 ألف فلسطيني في الضفة الغربية، وأكثر من 2 مليون مواطن في غزة. وما تفعله إسرائيل اليوم هو تطبيق لخطة «التهجير القسري المغلف»، حيث يبدأ التهجير بتدمير الأحياء جزئياً ثم كلياً وإجبار ساكنيها على الرحيل، وبعد النزوح تبدأ عملية الهجرة لانقطاع أسباب المعيشة وتوقف الأعمال وضياع فرص العمل أو الدراسة أو حتى المعالجة الطبية من خلال الحواجز التي تعدت الألف حاجز في الضفة، والرسوم والمصادرات وإحراق المزارع وتقطيع الأشجار. يجري ذلك من خلال الجيش تارة، ومن خلال مليشيا صهيونية مدربة عسكرياً، ويطلق عليها اسم المستوطنين أو شباب التلال. وقد تم توزيع الأسلحة عليهم من حكومة الاحتلال مباشرة وبالمجان بعد تدريبهم. وفي كل عمل ضد الفلسطينيين تقوم به المليشيا ترافقها قوى داعمة من الجيش أو الشرطة المسلحة. لقد أصبحت الجرافات والبلدوزرات هي القطع الميكانيكية الأكثر ظهوراً في العمليات العسكرية في القطاع والضفة، بل وجنوب لبنان، لأن تدمير العمران وهدم المرافق والبيوت والمدارس ودور العبادة والمستشفيات والمصانع هي الهدف الرئيسي لكيان الاحتلال لخلق واقع جديد. يرافق ذلك حرمان السلطة الوطنية الفلسطينية من أموالها التي دفعها الفلسطينيون كضرائب، وبالتالي الضغط باتجاه تعميق حالة الفقر والعوز لدى المواطنين الفلسطينيين. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، يسارع الاحتلال في إنشاء المستعمرات في كل بقعة أرض في فلسطين، وشق الطرق بتجريف المزارع والمساكن لربط المستعمرات الواحدة بالأخرى، حتى تظهر الضفة الغربية وكأنها عشرات من المستعمرات يسكنها مئات الآلاف من اليهود وبينهم تجمعات سكنية فلسطينية متقطعة الأوصال بهدف تحويلها مستقبلا إلى جيتوهات.
وتردد وسائط الإعلام الصهيونية والدولية عموما، وتتبعها الكثير من وسائط الإعلام العربية، بأن وجود هذه المستعمرات والطرق الواصلة بينها وتدمير القرى والمخيمات الفلسطينية، والذي هو أمر مخالف لجميع الاتفاقيات الدولية واتفاقيات السلام، يعني نهاية حل الدولتين. هذا في الوقت الذي تُعرّف إسرائيل نفسها بأنها دولة لليهود فقط ولا دولة للفلسطينيين. ومن المتوقع أن تسحب إسرائيل الجنسية من كل من هو ليس يهوديا، ليصبح الفلسطينيون مجرد «غرباء مقيمين» يمكن الطلب منهم المغادرة في أي وقت. إن القول بانتهاء حل الدولتين بسبب المستعمرات والطرق هو ادعاء قائم على التزييف والتسطيح والرغبة في زرع فكرة (انتهاء حل الدولتين) في العقل الفلسطيني والعربي والدولي، لتبدأ بعدها المرحلة التالية وينشغل فيها الجميع، ألا وهي البحث عن دول لديها الاستعداد لقبول المهاجرين، وهذا مكمن الخطورة.
وبالتالي لا بد من الإشارة إلى النقاط الرئيسة التالية:
أولاً: إن استمرار الحرب الإسرائيلية غير المعلنة في الضفة والقطاع وجنوب لبنان وسورية من شأنه أن يعمق عمليا التطرف اليميني الإسرائيلي ليتحول المجتمع في إسرائيل كلية إلى العقلية العنصرية النازية، تماما كما كانت الحالة في ألمانيا الهتلرية، التي كانت ترى في القضاء على يهود ألمانيا أمراً عادياً. وهذا ما يعيشه المجتمع الإسرائيلي اليوم بكل التفاصيل.
ثانياً: إن إسرائيل وبدعم أميركي كامل وغير معلن ستعمل على مدى زمني ربما سوف يمتد لعشرين سنة تأمل خلالها أن تصبح الهجرة وخاصة نحو البلاد العربية المجاورة، الأردن ومصر وسورية والعراق والسعودية، تصبح مطلباً للمواطن الفلسطيني وساحة واسعة للضغط الأميركي على هذه الدول لقبول ذلك، لإتاحة الفرصة للمواطن الفلسطيني للخروج من جحيم الإبادة والتجويع والقهر والتدمير.
ثالثاً: يحاول إعلام إسرائيل والمنظمات الصهيونية أن يموهّ حقيقة أن ما يقوم به الاحتلال من بناء المستعمرات في الأراضي الفلسطينية هو غير قانوني، وأن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية كقوة احتلال لا يعطي لأعمالها أي صفة شرعية، حتى لو صدرت قوانين بذلك عن الكنيست. تماماً كما كان هتلر يصدر القوانين من البوندستاغ.
رابعاً: تسعى إسرائيل وخلفها الولايات المتحدة لأن تتبنى الدول العربية والأجنبية فكرة استحالة قيام الدولة الفلسطينية بسبب وجود 180 مستعمرة و190 بؤرة استيطانية متجاهلين أن عدد القرى والبلدات الفلسطينية بالمئات وعدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية فقط 3.7 مليون نسمة مقابل 750 ألف مستعمر يقال إنهم يقطنون في المستعمرات التي يقيمها الاحتلال بجنون.
خامساً: يظن البعض أن قرار الكنيست بإلغاء قانون الأراضي الأردني في الضفة الغربية من شأنه أن يحول الضفة من أراضٍ محتلة إلى أراض متنازع عليها. وهو ادعاء او افتراض خاطئ، لأن اتفاقية جنيف الرابعة والاتفاقيات الدولية الأخرى تجعل كل ما يقام من سلطة الاحتلال من تغيير يعتبر غير قانوني.
سادساً: هل اغتصاب الأرض بالقوة (حسب القرارات الدولية) يحوّل الأرض إلى موضع نزاع؟ أم تبقى الأرض ملكا لأصحابها؟ بالتأكيد إن الاحتلال بقوانينه وإجراءاته لا يغير من الحقيقة الخاصة بحقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال، شريطة صمود هذا الشعب وإصراره على استرجاع حقوقه وإخراج المحتل مهما كان الثمن. الأمر الذي يستدعي انطلاق حملة إعلامية سياسية برلمانية عربية إسلامية على مستوى العالم لدحض الادعاءات الإسرائيلية.
سابعاً: إن العقل السياسي الإستراتيجي الإسرائيلي الصهيوني يرى أنه من الممكن إعادة إنتاج التجربة اليهودية في ألمانيا باستبدال الفلسطينيين مكان اليهود، وإشغال المنطقة والعالم بحروب مفتعلة تديرها أميركا، كما يحاول أن يفعل نتنياهو إزاء إيران. إن العقلية النازية العنصرية واحدة تتقمصها اليوم الضحية لتقوم بدور الجلاد. وهذا يعني أن إسرائيل سوف تبذل شتى أنواع الحيل والأساليب والمؤامرات والحروب والخداع لتمكينها من تهجير الفلسطينيين.
وأخيراً فإن الاكتفاء بالاستنكار والرفض والإدانة لا يجدي. ولا بد من تشديد الضغط العربي والدولي الفعال على إسرائيل لوضع حدود لهوسها بالسيطرة، وعلى الولايات المتحدة الأميركية لتوقف الغطاء السياسي والدبلوماسي والعسكري لإسرائيل. ولا بد للسلطة الوطنية الفلسطينية أن تسرع بإصلاح وتجديد ذاتها، وللفصائل الفلسطينية أن تظهر للعالم موحدة متماسكة حتى يتمكن الجميع من دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه. ولا بد من الإسراع العربي نحو المحاكم الدولية والمحافل السياسية والإنسانية والبرلمانية في كل مكان للمساهمة الفعلية في دعم الفلسطيني، ليقيم دولته على ترابه الوطني رغماً عن الاحتلال.