عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Jan-2026

وقف إطلاق النار.. هذه الإشاعة لم تصل إلى سكان غزة

 الغد

هآرتس
بقلم: ميخائيل سفارد
 
 
 
قبل بضعة أيام سمعت مقدم نشرة الأخبار الرئيسة في قناة تلفزيونية وهو يقول بأنه بعد سنتين من الحرب إسرائيل أخيرا تعود إلى روتين الحياة.
 
 
 كانت هذه مقدمة تقرير عن الذين يخدمون في الاحتياط وعائلاتهم "الذين بالنسبة لهم الحرب لم تنتهِ".
 هاتان الجملتان تشيران إلى أن هناك تناقضا بين "الروتين" الذي أخيرا تعود إليه إسرائيل، وبين "الحرب" التي لم تعد موجودة، ولكنها بالنسبة لرجال الاحتياط لم تنتهِ حقا. هذا النص المبتذل يثير أسئلة عميقة مثل: ما هي الحرب؟ هل حقا انتهت؟ بالنسبة لمن؟ لقد مرت ثلاثة أشهر منذ تم الإعلان عن وقف إطلاق النار، وآخر المخطوفين الأحياء أعيد، والجيش الإسرائيلي انسحب إلى الخط الأصفر. ولكن يتبين أن كلمة "وقف" في تعبير "وقف إطلاق النار"، رغم أنها تشير إلى قطع حاد وواضح، فإنها بالفعل مفهوم مرن ونسبي.
 في ظل "الوقف" لإطلاق النار قُتل حتى الآن في القطاع أكثر من 460 شخصا وأصيب ما يقارب 1200 شخص (حسب بيانات وزارة الصحة في غزة)، وكل ذلك بالنار المتوقفة كما يبدو للجيش الإسرائيلي.
 في المقابل، استكملت إسرائيل تدمير النصف الشرقي من القطاع بتدمير ممنهج لكل المباني فيه.
 معبر رفح لم يُفتح بعد، وإعادة تأهيل الـ33 مستشفى من بين الـ36 مستشفى الموجودة في غزة والتي تضررت في السنتين الأخيرتين، لم يبدأ بعد، وأكثر من 2 مليون شخص من سكان القطاع ما يزالون يعيشون في عوز شديد، الكثيرون منهم في خيام لا تستطيع الصمود أمام أمطار ورياح الشتاء.
ما هو الأمر بالضبط إذاً؟ وقف لإطلاق النار أم استمرار للحرب؟ في الوقت الذي لم تصل فيه لمئات القتلى الفلسطينيين وأبناء عائلاتهم، شاع الحديث عن وقف إطلاق النار، والـ2 مليون فلسطيني في غزة، فإن الحصار والنقص هما تجربة حربية متواصلة، فإنه بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، منذ اللحظة التي أُعيد فيها المخطوفون أحياء، توقفت مظاهرات السبت في ميدان المخطوفين وميدان بيغن، وانتهت التجربة الحربية. ربما إذن لم تعد هذه حرب "بين"، بل حرب "ضد"، لكنها ما زالت حربا.
 من هنا، فإن محرري نشرات الأخبار الذين صاغوا النص الذي بحسبه إسرائيل عادت إلى الروتين بعد الحرب، لم يتعمقوا بما فيه الكفاية في واقع القطاع أو في معنى كلمة "حرب". لأنه يوجد نوعان مختلفان من الحروب. ولكن عندما نفحص نشاطات إسرائيل العسكرية، فإنه لا يمكن تجنب التوصل إلى استنتاج بأن الروتين لم يحل محل الحرب، بل الحرب أصبحت روتينا.
 منذ اللحظة التي عاد فيها المخطوفون أحياء، فإن ما بقي من اهتمام الإسرائيليين بغزة تلاشى (باستثناء الذين يسيل لعابهم على الضم والطرد والاستيطان)، والحرب تغلغلت داخل روحنا وتقلصت إلى نوع من الطنين الثابت الذي يعتادون عليه إلى أن يتوقفوا عن سماعه. الحرب التي هي ليست فقط القصف في غزة ومحاصرتها، بل أيضا قتل الفلسطينيين في الضفة الغربية والتطهير العرقي والتهجير القسري لتجمعات فقيرة في غور الأردن وفي جنوب جبل الخليل، والاقتحامات العنيفة للمستوطنين بالزي العسكري أو المدني أو لـ"نص نص" للقرويين الموجودين في أطراف الضفة ومصادرة ممتلكاتهم الضئيلة. كل ذلك هو الآن روتين إسرائيلي. روتين من التفوق اليهودي، روتين من القمع والإهانة، روتين من حرب ضد كل ما هو فلسطيني.
 
الروتين، كما هو معروف، ليس خبرا. الروتين يبعث على الملل. في يوم الأحد الماضي مثلا، قُتل ثلاثة فلسطينيين بنيران الجيش الإسرائيلي في القطاع. وفي المساء السابق، في منتهى السبت، قُتل شاكر فلاح الجعبري (58 سنة) بنيران الجنود في الخليل. في يوم الخميس قُتل تسعة أشخاص، بينهم ثلاث نساء، في قصف إسرائيلي في دير البلح. تقريبا في كل أيام الأسبوع يقتحم المستوطنون تجمعات فلسطينية ضعيفة وصغيرة في مناطق مختلفة في الضفة الغربية، وفي غزة آلاف المرضى والمصابين يواصلون المعاناة وحتى الموت بسبب منع العلاج الطبي الذي ينبع من سياسة إسرائيل. كل ذلك هو أمثلة على الروتين، روتين، روتين، روتين. الأخبار تنشغل بما هو جديد، وهذه ليست جديدة. المخطوفون الأحياء عادوا. ترامب أعلن أن السلام قد حل، يمكن أن نتصفح ونرى. ليس هناك ما نراه، يمكنكم الانصراف.
هذه هي المرحلة النهائية وربما الحاسمة من تدهور المجتمع الإنساني وتحوله إلى مجتمع يسوده الظلام واللاإنسانية. عندما تصبح الفظائع التي نرتكبها أمرا عاديا لدرجة أنها تختفي تماما من وعينا، لأن ضحاياها هم نفس الكيان عديم الحجم والوزن الإنساني الذي يسمى "فلسطينيون"، فإن هذه علامة على أننا وصلنا إلى هذه المرحلة.
في المجتمع الأخلاقي فإن قتل الناس، خاصة المشتبه ببراءتهم، يعتبر حدثا كبيرا جدا. في هذا المجتمع يشكل أي قتل كهذا ضجة لا يمكن تجاهلها، وتُلزِم الرأي العام بالانتباه إليه. أما في مجتمعنا فإن قتل الفلسطينيين ومعاناتهم وصوتهم، تتم تصفيتها بواسطة آلية عنصرية لإلغاء الضجة، التي تحولت إلى شبه معيار إسرائيلي، ثم يتم رميها في غياهب النسيان. ولكن حتى في بحر الجرائم هناك أمواج تتلاطم على الشاطئ مد وجزر وجثث تطفو وتنجرف إلى الشاطئ.
 إن جرائم السنتين الأخيرتين لن تبقى في أعماق المياه، منسية لمجرد أن الروتين عاد إلى حياة الكثير من الإسرائيليين، وأن العالم برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أصيب بالجنون ولم يعد يطالب إسرائيل بأي محاسبة على أفعالها.
 الظلم لا يختفي من تلقاء نفسه، بل هو يبقى في الهواء كتلوث ويسمم الواقع إلى أن يتم الاعتراف به، وإلى أن يتم تفعيل آلية العدالة من أجل القضاء عليه.
كلما واصلنا إقناع أنفسنا بأن الحرب قد انتهت وأن الحياة عادت إلى طبيعتها، وكلما واصلنا تجاهل الملايين الذين دمرنا حياتهم، وكلما واصلنا تدمير ما تبقى، فإن تعافينا يصبح أكثر صعوبة وربما مستحيلا. عندها ستثبت صحة مقولة فرقة الحمى القلاعية: "هنا تنتهي قصتنا".