عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-May-2026

"فحم أبيض" للجابري.. تأملات شعرية تكشف حاجة الإنسان لفهم ذاته

 الغد

 يبرز ديوان "فحم أبيض"، للشاعر العراقي عبود الجابري بوصفه إضافة نوعية إلى المشهد الشعري المعاصر، إذ يأتي ضمن سلسلة "الإبداع العربي"، التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، وتُعنى بتقديم أصوات إبداعية تواصل تطوير أدواتها وتوسيع أفق التجربة الشعرية. ويؤكد هذا الإصدار استمرار حضور الجابري بوصفه أحد الأصوات التي تراهن على التجريب اللغوي والرؤية الفكرية العميقة.
 
 
ويقدّم الديوان تجربة شعرية تتسم بالكثافة والتأمل، حيث تتداخل فيه الأسئلة الوجودية مع اليومي، وتتقاطع الذات مع العالم في نصوص تنفتح على قراءات متعددة. وتعكس قصائده حساسية عالية في التقاط التحولات النفسية والإنسانية، عبر لغة مشحونة بالمفارقة والرمز، ما يمنحها طابعًا تأويليًا يثري تجربة التلقي ويجعلها قابلة لإعادة الاكتشاف.
كما يندرج هذا العمل ضمن مشروع شعري متكامل يطوّره الجابري عبر إصداراته المتعاقبة، مستندًا إلى تفكيك اللغة وإعادة بنائها بوصفها أداة للكشف عن تعقيدات الواقع وتشظياته. ومن خلال هذا المنجز، يواصل الشاعر مساءلة المعنى واستكشاف الوجود الإنساني في عالم تتزايد فيه أسئلة القلق والاغتراب، دون أن يتخلى عن أفق البحث عن يقين يمنح الكتابة مبررها واستمرارها.
وفي تصريح لـ"الغد"، قال عبود الجابري إن هذا الديوان يأتي بوصفه تجربة شعرية تتسم بحسّ رومانسي دافئ، ينطوي على توتر داخلي عميق، حيث تتقاطع نصوصه مع طبقات من الانفعالات التي تجمع بين التأمل والتوجس، والحنين والسعي المستمر للتحرر من وطأة العزلة التي فرضتها جائحة كورونا، بما حملته من انقطاع قسري عن العالم الخارجي وتأمل مكثف في الذات والعلاقات والماضي.
وأضاف أن المكان في هذا الديوان لا يظهر بوصفه مفهومًا جغرافيًا محددًا، بل يتجلى ككيان شعري طاغٍ يتسلل بين ثنايا النصوص، ليغدو أشبه بظل ممتد للذات الشاعرة. وتتحول الأمكنة إلى حالات شعورية عميقة بدلًا من كونها حدودًا مادية، ما يضفي على النصوص بعدًا رمزيًا مفتوحًا على التأويل، يجعل المكان تعبيرًا عن العزلة بقدر ما هو مساحة للتأمل والفرار منها.
وأوضح الجابري أن قصائد الديوان ولدت من لحظات ووقائع متفرقة، إذ يرتبط كل نص بتجربة أو إحساس عابر يتحول إلى محفّز للكتابة، سواء كانت علاقات إنسانية أو مواقف عاطفية أو آثارًا نفسية خلّفها الآخرون في مساره. وبذلك يمكن قراءة كل نص بوصفه شهادة شعرية توثّق حضورًا أو غيابًا، وتعيد تشكيل الذاكرة واللغة معًا.
وخلص الجابري بالقول إن قصائد الديوان تمتاز بالاقتصاد اللغوي والكثافة، مع انزياحات دلالية تفتح النصوص على إمكانات تأويلية متعددة. وتبرز فيها النزعة التأملية التي تكشف هشاشة الإنسان وحاجته إلى فهم ذاته والعالم من داخل انكساراته، ليغدو "فحم أبيض" عملًا شعريًا يواجه التناقضات عبر التقاط المعنى من قلب العتمة، وإبراز الضوء من مادة تبدو للوهلة الأولى خاضعة للاحتراق وغارقة في الصمت.ويضم الديوان أربعًا وثلاثين قصيدة تتنوع بين التأملات والهموم الذاتية والإنسانية، بلغة مكثفة تتسم بالمفارقة وتعتمد على تشكيل الصور المركبة، ما يعكس خصوصية تجربة الجابري الشعرية القائمة على المزج بين الحس التأملي والطابع الرمزي، وطرح أسئلة عميقة حول العالم بأدوات شعرية دقيقة ومتقنة.
وفي بيانها، قالت الهيئة المصرية العامة للكتاب إن الديوان ينفتح على عوالم معتمة تتقاطع فيها الذات مع قسوة الواقع، كاشفًا عن هشاشة الإنسان وعجزه عن الإمساك بالمعنى، مشيرة إلى أن سلسلة "الإبداع العربي" تهدف إلى دعم التجارب الشعرية العربية المعاصرة وتقديم أعمال تسهم في إثراء المشهد الأدبي وتوسيع آفاقه.
وأضافت أن قصائد الجابري تميّزت بقدرتها على عبور الحدود الثقافية، إذ تُرجمت إلى عدد من اللغات، كما احتفى المركز البريطاني لترجمة الشعر (Poetry Translation Centre) بإبداعه عبر تنظيم ورشة لترجمة مختارات من قصائده. وبلغ تأثيره الفني بعدًا عالميًا حين لحّنت الفنانة البريطانية جوانا مارش قصيدته الشهيرة "أفول"، التي عُرضت على مسارح عالمية ولا تزال تُقدَّم حتى اليوم.وتؤكد الهيئة أن هذه الإصدارات تشكّل مشروعًا شعريًا متفرّدًا يقوم على تفكيك اللغة بوصفها أداة للكشف والتحليل، مستندًا إلى استحضار الواقع عبر رموز متعددة الطبقات، بما يمنح النصوص عمقًا مفتوحًا على تأويلات لا تنتهي. كما يواصل الجابري، إلى جانب تجربته الشعرية، نشاطه في الترجمة، إذ نقل إلى العربية عددًا من النصوص الأدبية والدراسات النقدية والجمالية.
ويستهل الجابري ديوانه بقصيدة "مفتتح"، التي يقول فيها: "اشْتَعَلَتِ الغَابَةُ/ وَتَهَاوَتِ القَلْعَةُ حَجَرًا، حَجَرًا/ وَاكْتَمَلَ القَمَرُ/ كَمَا لَوْ أَنَّهُ يَحُطُّ رِحَالَهُ عَلَى الْأَرْضِ/ بَيْنَمَا كَانَتِ المَصَابِيحُ/ تَتَرَاقَصُ غِبْطَةً/ وَتَهْتِفُ لِشَرَارَةٍ لَمْ تَنْطَفِئْ/ عِنْدَ فِرَارِهَا مِنَ الْمَوْقِدِ".
ويذكر أن عبود الجابري، هو الشاعر والمترجم الذي استقرّ في الأردن منذ عام 1993، يضيف بديوانه العاشر "فحم أبيض" إلى رصيده الأدبي، الذي يضمّ تسع مجموعات شعرية، من أبرزها: "فهرس الأخطاء"، "يتوكأ على عماه"، "متحف النوم"، (الذي تُرجم إلى اللغة الإسبانية)، "فكرة اليد الواحدة"، "تلوين الأعداء"، "أثر من ذيل حصان"، "في البيت وما حوله"، و"فراغ بين فاصلتين".