عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jan-2026

إسرائيل في طريق الانحدار: كيف تقود سياسات نتنياهو الدولة إلى مأزق تاريخي*حسن الدعجة

 الغد

لم تعد أزمة إسرائيل اليوم أزمة جبهة أو حرب مؤقتة أو خلاف سياسي عابر، بل تحوّلت إلى مأزق بنيوي شامل يطال شرعية الدولة، تماسك المجتمع، استقرار الاقتصاد، ومكانة إسرائيل في النظام الدولي. هذا المأزق لا ينتج عن "تهديد خارجي" بقدر ما هو ثمرة مباشرة لمسار سياسي اختارته حكومة بنيامين نتنياهو السادسة، التي تخلّت عن منطق الدولة لمصلحة منطق البقاء في الحكم، وعن الرؤية الاستراتيجية لمصلحة إدارة أزمات متلاحقة بلا أفق، تقود إسرائيل تدريجيا إلى العزلة، والانقسام، والإنهاك، وتحوّل السياسة من أداة لإدارة المصالح إلى أداة لإدارة المخاوف، ومن وسيلة لبناء المستقبل إلى وسيلة لتأجيل الانفجار.
 
 
منذ تشكيل الحكومة الحالية، تحوّل الاستيطان من ملف خلافي قابل للإدارة إلى سياسة مركزية تُستخدم لفرض وقائع لا رجعة عنها. شرعنة 55 بؤرة استيطانية، والمصادقة على ما يقرب من 69 مستوطنة جديدة، والترويج لنحو 30 ألف وحدة سكنية في عام 2025 وحده، وتسريع البناء عبر إنشاء 144 مزرعة وموقعا استيطانيًا على نحو مليون دونم لم تعد تعبيرًا عن حاجة أمنية أو حتى عن مشروع أيديولوجي متماسك، بل أصبحت وسيلة سياسية لإرضاء شركاء الائتلاف الأكثر تطرفًا وربط مصير الحكومة بمسار لا يمكن التراجع عنه. هذا التوسع لا يعمّق الصراع مع الفلسطينيين فحسب، بل يضع إسرائيل في مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي، ومع قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي، ويحوّل الاحتلال من حالة مؤقتة إلى نظام دائم بلا أفق سياسي، ما يجعل الدولة عالقة في إدارة صراع لا يمكن حسمه ولا إنهاؤه، ويحوّل القوة العسكرية من أداة ردع إلى أداة استنزاف مستمر.
في الوقت نفسه، تتآكل مكانة إسرائيل الخارجية بوتيرة متسارعة. الحرب الطويلة في غزة، وما رافقها من دمار واسع وأزمة إنسانية عميقة، ومنع منظمات الإغاثة من العمل، وإلغاء تراخيص مؤسسات دولية كانت تسهم في منع الانهيار الكامل للحياة المدنية، كلها عوامل أعادت تعريف صورة إسرائيل في العالم. لم تعد تُرى كدولة ديمقراطية مضطرة للدفاع عن نفسها، بل كقوة ترفض أي مساءلة، وتهاجم كل نقد بوصفه عداءً أو نزعًا للشرعية. هذا التحوّل يهدد مستقبل علاقاتها الاقتصادية والعلمية والثقافية، ويضعف قدرتها على الاستفادة من العولمة، في وقت تعتمد فيه بشكل متزايد على الأسواق الخارجية، والاستثمارات، والتكنولوجيا، وتحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى شرعية دولية لا يمكن استبدالها بالقوة.
في الداخل، تعيش إسرائيل أحد أعمق الانقسامات في تاريخها. الانقلاب القضائي، تسييس مؤسسات الدولة، الحرب المستمرة، الإعفاءات من الخدمة، اختلال توزيع الأعباء، والتديين المتسارع للفضاء العام، كلها مزّقت الثقة بين الدولة ومواطنيها، وكسرت الإحساس بأن القانون إطار جامع فوق السياسة لا أداة في يدها. لم تعد المحكمة، ولا الجيش، ولا الخدمة العامة تُرى كمؤسسات مشتركة تمثل الجميع، بل كمساحات صراع حزبي وهوياتي، تُعاد صياغتها وفق ميزان القوة داخل الائتلاف لا وفق منطق المصلحة العامة. العقد الاجتماعي الذي قام على فكرة التضامن، وتقاسم المخاطر، والمساواة النسبية أمام القانون، يتفكك تدريجيا، ويُستبدل بعقد غير مكتوب يقوم على الامتياز، والولاء، والاصطفاف.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة موجات الهجرة العكسية بوصفها ظاهرة اقتصادية فقط، بل مؤشرًا سياسيًا واجتماعيًا على تآكل الإيمان بالمستقبل. فوفق معطيات مكتب الإحصاء المركزي لعام 2025، غادر إسرائيل 69.300 شخص ولم يعد إليها سوى 19.000، وحتى بعد إضافة نحو 24 ألف مهاجر جديد يبقى الميزان سلبيًا بنحو 20 ألف مغادر في عام واحد. كما أن أعداد المهاجرين الجدد ولمّ شمل العائلات أدنى مما كانت عليه سابقًا، ما يعني أن الخروج لا يُعوَّض بالدخول. ويُقدَّر عدد المواطنين الإسرائيليين المقيمين خارج البلاد بنحو مليون شخص، كثيرون منهم من الفئات المتعلمة والمهنية التي تُشكّل قاعدة الاقتصاد والمجتمع. هذا النزوح ليس انتقالًا فرديًا، بل تصويت صامت بالأقدام ضد شعور متنامٍ بأن الدولة لم تعد مشروعًا جامعًا ولا مكانًا مستقرًا لبناء المستقبل.
في الوقت نفسه، تحوّل بنيامين نتنياهو من رجل دولة إلى رهينة ائتلافه، وبات بقاؤه مشروطا بإرضاء قوى متطرفة تقوّض استقلال القضاء وتكرّس السيطرة الدائمة. هكذا تُدار السياسة بمنطق النجاة اللحظية وتعبئة الخوف لا بمنطق المصلحة العامة وبناء الثقة.النتيجة هي دولة قوية عسكريًا لكنها ضعيفة أخلاقيًا، متفوقة تكتيكيًا لكنها تخسر استراتيجيًا، قادرة على إلحاق الدمار لكنها عاجزة عن إنتاج أفق سياسي أو أخلاقي أو اجتماعي جامع. إسرائيل لا تواجه خطر الزوال، لكنها تواجه خطرًا أشد عمقًا: خطر التحول إلى كيان محاصر، منبوذ دوليًا، منقسم داخليًا، يعتمد على القوة وحدها لإدارة وجوده، ويفقد تدريجيًا عناصر قوته الحقيقية: الشرعية، التماسك، الثقة، والانفتاح، والقدرة على تجديد نفسه من الداخل.
هذا المسار لا يقود إلى انهيار دراماتيكي مفاجئ، بل إلى تآكل بطيء، صامت، لكنه عميق. تآكل في صورة الدولة، في ثقة مواطنيها بها، في مكانتها في العالم، وفي قدرتها على أن تكون مشروعًا جامعًا لا مجرد آلة إدارة صراع دائم. هذا هو الخطر الحقيقي الذي تقود إليه سياسات الحكومة الحالية: ليس الدمار في ضربة واحدة، بل الانحدار الطويل الذي يجعل الدمار في النهاية أمرًا ثانويًا، لأن المعنى نفسه يكون قد فُقد قبل ذلك.