عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Apr-2019

بأيادٍ روسية.. هل اقتربت نهاية حكم الأسد؟! - عبدالحليم عباس
على الرغم من استعصاء الحل السياسي على المدى القريب، والغموض الذي يكتنف سبل الخروج من جحيم الأزمة السورية، فإن دلائل و مؤشرات بدأت بالظهور وخاصة بعيد إحكام النظام سيطرته على جل الجغرافيا السورية، تنبئ عن توجه روسي للتخلي عن الأسد ونظامه. فمع كل الدعم الذي قدمته من دفاعها المستميت عن النظام في المحافل الدولية، واستخدامها حق النقض لمنع إدانة جرائمه المروعة التي ارتكبها، ناهيك عن دعمه عسكرياً ولوجستياً في مواجهته المعارضة المسلحة، فإن روسيا أظهرت لاحقاً تباعداً ملحوظاً عن الأسد ومن معه على الرغم من انتصارهم المزعوم في صراعهم الوجودي من أجل البقاء في السلطة، وتقارباً متزايداً من مواقف الدول الفاعلة ومصالحها في تسوية الأزمة السورية. 
 
ففي نهاية عام ٢٠١٨، وبينما كان النظام يبسط سيطرته على معاقل المعارضة الكبرى، صدر تصريحان لافتان عن شخصيتين مقربتين من دوائر صنع القرار في موسكو. إذ صرح الدبلوماسي السابق في الخارحية الروسية فيتشسلاف ماتوزوف لأحد القنوات العربية قائلاً: "إن أكثر شخص في العالم يدرك إستحالة أن يحكم الأسد سوريا.. هو الأسد نفسه" بينما قال المحلل السياسي المقرب من الكرملين يفغيني سيدروف لصحيفة نوفيتشي الروسية: "لقد أحدثت الحرب في سوريا شرخاً مجتمعياً يصعب معه تخيل أن يعود شكل الحكم إلى ما كان عليه قبلاً.. لم تتدخل روسيا لمنع سقوط الأسد، بل لضبط ذلك السقوط.. فالفرق شاسع بين هبوط المظلة الهادئ، وسقوط النيزك المدمر، مع أنه سقوط في كلتا الحالتين". وبغض النظر عن مدى أهمية هذين التصريحين ودرجة ارتباطهما بوجهة النظر الروسية الرسمية، إلا أن دلائل عديدة سأوردها تباعاً تظهر إنسجامهما بشكل لافت مع طريقة تعامل موسكو مع النظام السوري ورئيسه. 
 
انتفاء المصلحة الروسية من بقاء نظام الأسد
كانت أولى دلائل التقرب من السنة هو اعتراف روسيا بالمعارضة السياسية والعسكرية ودخولها في مفاوضات معها، وهي ذات المعارضة التي دأب الأسد على وصفها بالإرهابية
فيما وصف بأنه تسليم لسوريا من أجل سلطته، قدم الأسد لروسيا منذ تدخلها للحيلولة دون سقوطه كل ما تحتاجه لتأسيس وجود راسخ لها في البحر الأبيض المتوسط في مواجهة الناتو. وسلمها مفاتيح الجيش والأمن التي طالما كانت مصدر قوة الأسد ونظامه، ناهيك عن إعطائها حق حصري في إدارة الأزمة والإستئثار بالقرار السياسي. فماذا يمكن أن يقدم رأس النظام لروسيا أكثر من ذلك؟ حقيقة الأمر أن الأسد قد استنفذ أوراقه وسبل إقناعه للروس بارتباط مصالحهم بإستمرار حكمه. وبدا واضحاً أن بقاء الأسد ونظامه سيعرقل جهود روسيا الرامية إلى فرض حل مستدام بسوريا يضمن عودة ملايين اللاجئين إلى وطنهم تزامناً مع إنتخابات حرة تفضي إلى حكومة ذات مصداقية. وهو الشرط الأساسي الذي وضعته دول الإتحاد الأوروبي لتمويل إعادة الإعمار الذي تريد منه روسيا تحسين صورتها وغسل معالم جرائمها وتحقيق تقارب مع أوروبا يقيها تبعات العقوبات الاقتصادية الأمريكية. 
 
 
تغيير تركيبة الجيش والمنظومة الأمنية
مع تراجع وتيرة العمليات العسكرية، عملت روسيا على إعادة هيكلة الجيش السوري، لا على صعيد ترميمه أو تسليحه، بل على صعيد تركيبته وولائه. فمنذ الإطاحة بوزير الدفاع السابق العماد فهد جاسم الفريج، واستبداله بالعماد علي أيوب، عمدت القوات الروسية إلى حجب منصب رئاسة الأركان لمدة ١٥ شهراً، وذلك في سابقة لم يعرف لها مثيل في تاريخ المؤسسة العسكرية السورية منذ تأسيسها عام ١٩٤٦، وكان السبب وراء ذلك هو أن أياً المرشحين لشغل هذا المنصب لم ينل موافقة روسيا التي كانت تنفذ خطة شاملة لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السورية، وتعزيز شبكة الضباط الموالين لها. حيث أحكمت قبضتها على القطاعات والأسلحة المختلفة، وعلى رأسها: سلاح الجو، والدفاع الجوي، والفيالق: الثاني والرابع والخامس، بالتزامن مع حل الميلشيات التابعة للنظام وفي مقدمتها مليشيا الدفاع الوطني المدعومة من الحرس الثوري الإيراني والتي كان لها دوراً بارزاً في قمع السوريين. وفيما ظهر أنه تحجيم للفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، تم تشكيل الفرقة الخامسة وتقوية نفوذها بتسليح وتمويل روسي صرف ومن ضباط سوريين كانوا قد خضعوا لدورات تدريبية في موسكو. وفي ذات السياق، شهدت أجهزة الأمن والمخابرات -ذراع الأسد الضاربة- تغييرات كبرى أطاحت بكبار الضباط الموالين للأسد ليحل محلهم آخرين أكثر ولاءاً لروسيا.
 
 
مغازلة الأكثرية السنية
عملت روسيا وما زالت على استمالة سنة سوريا الذين ثاروا على الأسد ونظامه وكانوا الفئة الأكثر تضرراً من جرائم النظام وكذلك من تدخلها الذي قلب موازين المعارك لصالح الأسد. كانت أولى دلائل التقرب من السنة هو اعتراف روسيا بالمعارضة السياسية والعسكرية ودخولها في مفاوضات معها، وهي ذات المعارضة التي دأب الأسد على وصفها بالإرهابية. وفيما ظهر أنه طمأنة للسنة، اعتمدت روسيا على كتائب من شرطتها العسكرية الشيشانية المسلمة "السنية" لضمان الأمن في المناطق التي انسحبت منها المعارضة كبديل للمليشيات الشيعية ذات السمعة السيئة والحقد الأيديولوجي. كما جاء المقترح الروسي لدستور سوريا الجديد محابياً للأكثرية السنية على حد وصف مقربين من النظام، لا سيما في مادته التي تشير إلى ضرورة أن يكون الحكم معبراً عن نسب التوزيع الطائفي في المجتمع السوري. وهو أمر يعطي السنة دوراً سياسياً وازناً في أية حكومة مستقبلية. 
 
 
 
 
تقويض النفوذ الإيراني
كان التناحر واختلاف الإستراتيجيات هي أبرز الصفات التي طبعت علاقة الروس مع الإيرانيين على الأرض السورية. وبدا أن التحالف بينهما ضد معارضي الأسد لا يعدو عن كونه تكتيكياً. فمع انتهاء العمليات العسكرية الكبرى وانتفاء حاجتها لقوات إيران ومليشياتها التي حاربت على الأرض، سمحت روسيا لإسرائيل باستهداف مراكز إيران ونقاط تمركزها، ولعبت دوراً محورياً في إبعادها عن حدود الدولة العبرية لعمق يقارب المائة كيلومتر. كما قامت القوات الروسية في شهر مارس/ آذار الماضي بتطهير منطقة السيدة زينب والريف الجنوبي لدمشق حتى مطار دمشق الدولي، وتفكيك عشرات الثكنات ومراكز التدريب والحواجز العسكرية التي أقامها الإيرانيون تحت إشراف ماهر الأسد، وتسليمها إلى الفيلق الخامس. كان ذلك يتزامن مع انسحاب حزب الله -حليف إيران القوي- من معظم مناطق سيطرته صوب الجانب اللبناني من الحدود. 
 
الحصار الاقتصادي والموقف الروسي منه
يرى كثير من المراقبين في الحصار الاقتصادي الذي سيفرض على النظام السوري، أنه المسمار الأخير في نعشه. وخاصة أنه يطال حليفته إيران التي دفعت خلال ثمان سنوات ما يزيد عن ثمانين مليار دولار من أجل الحفاظ على الأسد ونظامه. بدأت بوادر الحصار -الذي لم يعلن عن سريانه بعد- تظهر في الأزمة التي تضرب الاقتصاد السوري وانعكاساتها المؤلمة على الشعب فيما يخص الانخفاض الحاد في إمدادات الطاقة من نفط وغاز وما تبعها من انخفاض قيمة الليرة وغلاء الأسعار ونقص متوقع في الخبز والدواء. ومع توقع الخبراء استحالة صمود الاقتصاد السوري المتداعي أصلاً، تقف روسيا الغنية بنفطها وغازها موقف المتفرج على معاناة الشعب وارتباك النظام دون إبداء أية نية على تقديم أي شكل من أشكال الدعم أو المساعدة. بل إن وسائل الإعلام الروسية نفسها، قد بدأت تسلط الضوء على تردي الأوضاع الاقتصادية والحالة المعيشية للسوريين موجهة إنتقادات لاذعة لأداء الحكومة في تناغم مع ما أبدته الفئة المؤيدة للأسد من تململ ونفاذ صبر.
 
تستكمل روسيا إذاً بموقفها الصامت من الحصار الاقتصادي على النظام ما بدأت به منذ تدخلها في سوريا من إضعاف الأسد وتقييد سلطته. ويبدو أن الروس يريدون أن يجمعوا السوريون مؤيدين ومعارضين على هم الجوع وصعوبة العيش بعد أن فرقتهم السياسة. الأمر الذي يصبح معه غياب الأسد أو تغييبه مطلب شعبي لا سياسي، وإجماع وطني لا طائفي ولا فئوي، بين من كان يقف يوماً إلى جانبه، ومن كان يقف ضده. لم يعد للنظام من سلطته شيئاً، هذا ما أرادته روسيا، تحقيقاً لمصالحها ورغبة منها في طي صفحة حرب سوداء كانت شريكاً فاعلاً فيها. فهل تطوى صفحة الأسد قريباً؟
 
الجزيرة
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات