عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Sep-2022

تهافت الكتّّاب* موفق ملكاوي

 الغد

منذ العام 2001، وأنا على صلة بالمقالات التي تكتب في وسائل إعلام أردنية وعربية. أحيانا بشكل مباشر، وأحيانا أخرى بحكم المهنة والرغبة في تتبع اهتمامات المجتمعات وردود أفعال الكتاب عليها، وكيف يتناول أولئك الكتاب القضايا الملحة، خصوصا تلك التي تصنف على أنها محورية ومركزية في مجتمعاتهم.
في العالم المتقدم، يمكن لأولئك الكتاب ان يكونوا «موجهي الرأي العام»، أو قادة الرأي العام بلا منازع، فهؤلا من فئة قليلة جدا امتلكت مساحة خاصة في وسائل الإعلام، وبإمكانها أن تمارس التأثير «المطلوب» من خلالها.
لكن الأمر أقل وهجا بالنسبة إلينا. كتاب المقالات في العالم العربي يبدون أقل انخراطا بالشأن العام الحقيقي. اهتماماتهم تنصب على اللحظة الزمنية، ولا يتم تشريح السياق بكامله، بينما جزء آخر منهم مشغول برصد الجانب الآخر من المعادلة، وهو «تفهم» احتياجات السلطة، وكيفية مساندتها في جميع المفاصل التي تصطدم فيها مع الوجدان الشعبي والصالح العام. المسألة ليس أن الكتاب لا يستطيعون دراسة السياقات وتناولها بالتشريح المنطقي، بل إن كثيرا من الكتاب الذين يمتلكون تلك المهارات لا يريدون هذا الأمر، فهم يريدون مكاسب سريعة، لا أن يحفظهم التاريخ كمصلحين!
بإمكاننا أن نخضع المقالات التي كتبت على مدار العقد الماضي، لنكتشف الفخ الذي سقطنا فيه جميعنا، وكيف أن تلك الكتابات جاءت إما ممالئة للسلطة، أو لتعبئة فراغ الصفحات والفضاء الإلكتروني، ونادرا ما نجد كتابات مختلفة تحاول أن تؤسس لفهم آخر للمجتمعات. لكن السخرية تكمن في أن العالم العربي لا يفرز مساحات كتابية للأشخاص على أساس الانتخاب الطبيعي القائم على القدرة والدراية والأحقية، بل إن كثيرا منها هي «أعطيات» لأشخاص بعينهم يمنحون ضوءا أخضر لممارسة العبث والتضليل.
الأمر يتعدى هذا الجانب المهم أيضا، ففي حين يتم تقسيم الكتاب في العالم الحر على أساس أيديولوجي في تناول الشأن العام، والتنظير لشكل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فإن العقل الشقي والساذج في آن للمواطن العربي بعامة، لا يستطيع أن يبحث في مثل عمليات التفكير العليا تلك، فهو يعتبرها متاهات فائضة عن الحاجة، لذلك يقوم التقسيم لديه على مفهومين اثنين لا ثالث لهما، وهما: الموالاة أو المعارضة!
في العالم العربي، عادة ما يكتب هؤلاء من أجل إثبات المثبت، وتأكيد المؤكد، ونفي المنفي بالضرورة. في مثل هذه الكتابات، لا يمكن للقارئ أن يجد بشكل مباشر أو بين السطور ما يشي بـ»خلخلة الواقع».، أو بالمفهوم الأكثر استخداما «نقد البنى القائمة»، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية. غالبا ما يشير الكتاب إلى الواقع على أنه سيرورة مستمرة إلى ما لا نهاية، لذلك لا يقدمون أي تحليل لما هي عليه اليوم، أو ما الذي يمكن أن يكون عليه غدا.
غير أن المعضلة الأساسية في هذه المعادلة لا تكمن في السلطة بحد ذاتها، فأي سلطة لا شك ستمارس الترغيب والترهيب، وستفتح الباب واسعا للاستقطابات والإغراءات. المعضلة في الكاتب الذي يطرح نفسه على أنه «صفقة محتملة»، وهو بذلك يعزز من تسويق نفسه أمام السلطة التي ترغب دائما في أصوات مشاكسة أقل، وأن تتلهى تلك الأقلام بالقضايا الهامشية التي لا تنفذ إلى العمق، ولا تؤدي إلى أي خلخلة في البنى القائمة.