سورية.. أمام لحظة تاريخية*محمود خطاطبة
الغد
سورية اليوم أمام لحظة تاريخية، لحظة إعادة تعريف لهويتها المؤسسية، بعد سنوات من الحروب، واختزال الثروات في قبضة مجموعة من الأشخاص، ساهموا بطريقة أو أُخرى بتحويل مُقدرات المُجتمع إلى استثمارات شخصية.. أي أنها في طور بناء جديد للدولة، ينتقل من السيادة بوصفها أداة قمع، إلى السيادة كإطار للاستقرار والشراكة الاقتصادية، بغض النظر عن الزُمرة الحاكمة الآن، سواء اختلفنا معها أو اتفقنا.
قد يُشكل قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلغاء عقوبات قانون قيصر، محطة مُهمة في مسار التعافي الاقتصادي، لكنه لا يُمثل ضمانة تلقائية للخروج من عنق الزجاجة، فالطريق ما يزال طويلا، ومحفوفا بتحديات تتطلب إدارة دقيقة للتوازن بين الواقع الاقتصادي المُتآكل، والتحولات الاجتماعية العميقة التي أفرزتها سنوات الحرب، إلى جانب القُدرة على الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب البيت الاقتصادي على قاعدة إنتاجية مُستدامة، وتنويع حقيقي في مصادر الدخل.
صحيح أن إلغاء العقوبات يفتح الباب أمام عودة تدريجية إلى النظام المالي العالمي، بما يُسمح بإعادة ضخ السيولة في شرايين الاقتصاد، وخفض كُلفة الاستيراد، وإحياء قطاعات صناعية كانت تُشكل في السابق ركائز أساسية للتشغيل والتصدير، غير أن الرهان على البُنية التحتية وحدها يظل قاصرًا، ما لم يترافق مع تحول رقمي شامل في الإدارة العامة، يحد من البيروقراطية المُزمنة، ويُحاصر الفساد، ويؤسس لقطاع خدمات حديث، يُعزز إنتاجية الاقتصاد ويرفع جاذبيته الاستثمارية.
سنوات الحرب تركت ندوبها العميقة في البُنية السورية، خصوصًا الاقتصادية منها، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 60 بالمائة، مُقارنة بالعام 2010، وتعرضت القاعدة الصناعية لانهيار واسع، وموجات تضخم قاسية تراوحت ما بين 40 و80 بالمائة في بعض الفترات، إلى جانب انكماش حاد في فُرص العمل.
ومع ذلك، يُمكن رصد بدايات تكيف محسوب مع واقع جديد، يتمثل في إعادة ترتيب القدرات الإنتاجية، وتنشيط الأسواق المحلية، واستئناف جُزئي لسلاسل الإمداد، ولو عند حدودها الدنيا، خاصة أن تجارب إعادة الإعمار العالمية تقدم إطارًا مُقارنًا مُفيدًا لفهم حجم التحدي.
وعلى سبيل المثال، فإن اقتصاد البوسنة احتاج أكثر من عقد ليصل إلى نصف مُستواه قبل الحرب، فيما تأخر العراق في إطلاق دورة إعمار فعلية رغم وفرة موارده الطبيعية، بسبب غياب الاستقرار المؤسسي.. وفي الحالة السورية، يبدو التحدي أكثر تعقيدًا، إذ لا يقتصر الأمر على إعادة بناء ما دُمّر، بل يتطلب تأسيس اقتصاد لم يكن موجودًا أصلًا: اقتصاد قادر على استيعاب ملايين خرجوا قسرًا من سوق العمل، أقل ريعية وأكثر إنتاجية، وقادر على تقليص الفجوات الاجتماعية التي كانت من الأسباب العميقة للثورة.
كما أن استعادة سورية لموقعها كعقدة ربط في شبكات النقل والطاقة بين الشرق والغرب، تبقى من أكثر السيناريوهات جمالًا، ليس فقط من منظور الجغرافيا، بل من زاوية الجيوسياسة الاقتصادية، غير أن تحويل هذا الموقع إلى قيمة مُضافة فعلية يمر عبر إعادة بناء الطُرق والموانئ والاتصالات، بالتوازي مع إعادة هيكلة القطاع المصرفي ليكون قادرًا على تمويل المشاريع الصغيرة والمُتوسطة، بوصفها العمود الفقري لأي نمو مُستدام.
التحدي الأكبر في المُحصلة، قد يكون في الانتقال من اقتصاد الظل إلى اقتصاد دولة المؤسسات والقانون، فالمُجتمع الذي فقد جُزءًا كبيرًا من طبقته الوسطى يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يُعيد الاعتبار للكفاءة والعمل المُنتج، ويُشجع عودة الكفاءات المُهاجرة.
وعليه، فإن إلغاء عقوبات قيصر يفتح باب الزنزانة، لكنه لا يرسم طريق الخروج، وهذا الطريق لا يمر إلا عبر استثمارات نوعية في الزراعة الحديثة والتكنولوجيا والمعرفة، كخيار إستراتيجي لإعادة تعريف معنى النمو، وربط الإنتاجية بسوق العمل، وتحقيق تنمية شاملة قادرة على إعادة توزيع العوائد الوطنية بما يُعزز الاستقرار الاجتماعي.
طبعًا، تحتاج هذه المرحلة إلى استيعاب التحولات الديموغرافية التي خلفتها سنوات الحرب، واحتواء شرائح واسعة من الشباب الذين فقدوا فُرص التعليم والعمل، وربطهم بالاقتصاد الحقيقي.