الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بينوي كامبمارك* – (كاونتربنش) 2/3/2026
ثمة كثيرون في الولايات المتحدة يدركون بالكاد الفرق بين إيران والعراق؛ كلتاهما قائمتان على حضاراتٍ عتيقة ضاربة في القِدم إلى حدٍّ يجعلها تبدو ضربًا من الخيال. وإذا لم يكن الشيء عجائبيًا، فهو- في نظرهم- لا يستحق الدهشة. لكنَّ بعدًا خياليًا آخر دخل على المنظور في أواخر شباط (فبراير)، حين أعادت الولايات المتحدة وإسرائيل لعب دورهما كمارقين عالميين ومُحطّمي أواني، بمهاجمة إيران للمرة الثانية في أقل من عام، في حملة مشتركة حملت اسم "عملية زئير الأسد" و"الغضب الملحمي". وفي اتباع للكتاب الإرشادي المبتذل المألوف لتغيير الأنظمة الذي استخدمته ضد العراق العام 2003 القوات التي قادتها الولايات المتحدة، يجري اليوم تطبيق نسخة معدّلة من الثيمة ذاتها ضد إيران.
الاختلاف هذه المرة هو أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا مستعدّتَين لإرسال قوات برية. وستعمدان بدلًا من ذلك إلى تصفية قادة وشخصيات أساسية في النظام الإيراني، تاركتَين لمقاومة غير متبلورة ضد رجال الدين أن تغتنم اللحظة. ويُقال إن المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، قد قُتل، بينما وصفه رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، بأنه "أحد أكثر الأشخاص شرًا في التاريخ". كما تزعم إسرائيل أنّ الضربات الافتتاحية أسفرت عن مقتل سبعة من كبار مسؤولي الدفاع والاستخبارات، من بينهم كبير مستشاري الأمن لدى خامنئي، علي شامخاني؛ وقائد "الحرس الثوري الإيراني"، محمد باكبور؛ ووزير الدفاع، عزيز ناصر زاده؛ ورئيس الاستخبارات العسكرية الإيرانية، صالح أسدي.
وفي بيان نشره ترامب على منصة "تروث سوشيال" في 28 شباط (فبراير) في شكل فيديو مدته 8 دقائق، أعلن أن الهدف من الهجوم هو "الدفاع عن الشعب الأميركي من خلال القضاء على التهديدات العاجلة القادمة من النظام الإيراني". وكان هذا التصريح مثيرًا للدهشة، بالنظر إلى الهجمات الأميركية- الإسرائيلية السابقة في حزيران (يونيو) 2025، التي قيل إنها "دمّرت برنامج إيران النووي في فوردو وناطنز وأصفهان". وبعد ذلك، ثمة جهود يُفترض أنه بذلها للتوصل إلى اتفاق لمنع إيران من متابعة تطوير أسلحة نووية. "حاولنا. أرادوا أن يفعلوا ذلك. لم يريدوا أن يفعلوا ذلك. مجددًا أرادوا أن يفعلوا".
في هذه الغمرة من الالتباس، خلص ترامب إلى أن طهران قررت، بعد كل شيء، "إعادة بناء برنامجها النووي ومواصلة تطوير صواريخ بعيدة المدى يمكنها الآن تهديد أصدقائنا وحلفائنا في أوروبا، وجنودنا المنتشرين في الخارج، وقد تصل قريبًا إلى الأراضي الأميركية". وتم إعلان أن صناعة الصواريخ الإيرانية سيتم تدميرها، وبحريتها ستُمحى، ووكلاءها سيعاقَبون، وأن أعضاء "الحرس الثوري" سيحصلون على حصانة كاملة إذا أسقطوا أسلحتهم، "وإلا فستواجهون موتًا محققًا". أما "الشعب الإيراني العظيم والفخور" غير المحدد، فينبغي عليهم البقاء في ملاجئهم أثناء استمرار القصف. وعندما تنتهي العملية، "ستكون الحكومة بين أيديكم لتأخذوها".
وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أيضًا أن الهدف هو إنهاء "تهديد نظام آيات الله في إيران"، مشيرًا إلى أن هذا النظام قمع مواطنيه داخليًا، "وغرس الخوف في قلوب شعوب المنطقة"، وأنشأ شبكة إرهابية عالمية، و"استثمر موارد هائلة لتطوير قنابل ذرية وعشرات الآلاف من الصواريخ التي كانت تهدف، كما عرّفها النظام، إلى محو إسرائيل من خريطة العالم". كما سلّحوا "وكلاء إرهابيين".
بطريقة أكثر حدة وتطرفًا من ترامب، أعاد نتنياهو التأكيد على تلك المواضيع المتعلقة بالتهديد الوجودي وعدم الثقة، وهي السمات المميزة لما وصفه بـ"الشر الفارسي". وعلى الرغم من "الضربة الحاسمة" التي وُجهت للنظام ووكلائه في حزيران (يونيو) الماضي، "لم يتوقف المفترس الجريح عن محاولاته للتعافي، لنفس الغاية، لتدميرنا". (من الواضح إذن أن تلك الضربة لم تكن حاسمة). وبعد أن كرّر كل عام على مدى سنوات أنه في غضون وقت قصير ستطور إيران الوسائل لتدمير إسرائيل، أضاف حبكة خيالية أخرى: لم يكن الطغاة "يخططون لإعادة بناء قدراتهم النووية والصاروخية" فحسب، بل كانوا يضعونها "تحت الأرض، حيث لا يمكننا الوصول إليها. إذا لم نوقفهم الآن، سيصبحون منيعين".
تبدو شبكة الأكاذيب المتضمنة في كلا التصريحين لافتة للنظر وعصية على التصحيح. يبدو أن عملية "مطرقة منتصف الليل" لم تُدمِّر المنشآت النووية الإيرانية تدميرًا كاملًا، ما يوحي بأنها كانت غير فعّالة، أو متساهلة، أو حتى تنمّ عن قدر من عدم الكفاءة. ثم ما جدوى الإبقاء على الحوار الأميركي-الإيراني حول برنامج طهران النووي إذا أثبت الحل العسكري كونه حتميًا في نهاية المطاف؟ بالنسبة لرئيسٍ يتباهى بقدرته على إبرام الصفقات، كان عدد الصفقات التي أُنجزت في الآونة الأخيرة قليلًا للغاية.
استخدمت كل من إسرائيل والولايات المتحدة نفس الصيغ اللفظية السابقة: بالِغ في تضخيم قدرات إيران من أجل حشد التأييد لحرب غير شرعية؛ بالِغ في تصوير براعة عسكرية إيرانية هائلة ذات أبعاد إنجيلية- والتي هي غير موجودة، ببساطة. مرة أخرى، ثمة أوجه تشابه مقلقة للغاية مع النمط الذي اتبعته إدارة جورج دبليو بوش قبل الهجوم الاستباقي الذي شُن على العراق في آذار (مارس) 2003. في ذلك الحين أيضًا كانت "التهديدات الوشيكة" جزءًا لا يتجزأ من الخطاب الهستيري الذي استُخدم آنذاك لتبرير الإطاحة بصدام حسين.
بحثًا عن مبررات مستلة من العدم، سعت الحكومة الأميركية إلى الحصول على أدلة مساندة من المملكة المتحدة. وعندئذٍ قدم رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، توني بلير، الملف الشهير سيء الصيت في العام 2002 الذي تضمن الادعاء المروّع بأن القوات العراقية يمكنها نشر واستخدام أسلحة كيميائية وبيولوجية في غضون 45 دقيقة من لحظة إصدار الأوامر. (وجاء ذلك كتكملة رائعة للادعاء الملفق بأن صدام حسين كان يسعى أيضًا إلى تطوير برنامج أسلحة نووية من خلال شراء 500 طن من مسحوق اليورانيوم الأصفر من النيجر). وقد انتحر المسؤول الرئيسي عن ذلك الملف، خبير الأسلحة المخلص ديفيد كيلي، في نهاية المطاف بسبب اليأس والاشمئزاز، بعد أن طُلب منه تضمين الادعاء عن الـ45 دقيقة. ولم يُعثر على أي من هذه الأسلحة أبدًا، وتهاوى أحد المبررات المركزية للغزو. وبذلك ثبت أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وطاقم متنوع من أعضاء التحالف كانوا مجرد قطّاع طرق.
سوف تثير الضربات، بلا شك، بعض البهجة داخل إيران- بشكل خاص بين الشباب الذين عانوا من نظام ديني استبدادي. وسوف يتظاهر حلفاء واشنطن بالموافقة القسرية، مُستشهدين بوحشية النظام الإيراني، ومتجاهلين انتهاكات القانون الدولي التي يتغاضون عنها. (كان رد فعل أستراليا مُشينًا للغاية بشكل خاص). سوف يُختبر الانقسام السني الشيعي، مع تعرُّض قواعد أميركية وأصول عسكرية في دول الخليج مُسبقًا لضربات من نظام يُحاول البقاء. وستستمر معاملة الأمم المتحدة كعجوز طريحة الفراش، فقدت فتنتها وتأثيرها منذ أمد بعيد، بطريقة أكثر ازداء حتى من العام 2003، حين أبدت دول غربية عديدة، على الأقل، تضامنها برفضها استخدام الولايات المتحدة وحلفائها القوة في غياب قرار من مجلس الأمن.
وفي الأثناء، ينبغي لكل من يسمع الدبلوماسيين الأميركيين، بينما يفتحون أفواههم الواسعة بعرض جبهتهم العريضة، مدّعين الحرص على السلام والمفاوضات، أن يبحث عن سلاحه.
* بينوي كامبمارك Binoy Kampmark: باحث ومحاضر أسترالي متخصص في العلاقات الدولية والسياسة العالمية، وعضو سابق في برنامج زمالة الكومنولث في كلية سيلوين بجامعة كامبريدج. يعمل حاليًا محاضرًا في المعهد الملكي للتكنولوجيا في ملبورن. يشتهر بتحليلاته النقدية للسياسات الأميركية والإسرائيلية، وخاصة فيما يتعلق بالتدخلات العسكرية والنزاعات الإقليمية، ويكتب بانتظام مقالات وأبحاثًا تتناول القوة، الحرب، والسياسة الأخلاقية على الصعيد الدولي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان Mendacious Rationales: The Lies Behind Operation Lion’s Roar