الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيرالد سوسمان* - (كاونتربنش) 6/4/2026
"لقد استوليت على منطقة القناة وتركت الكونغرس يتناقش".
- تيودور روزفلت، 1911
"أنا لا أبحث عن حرب، لكنها إذا وقعت، فإنها ستكون إبادة لم ترَوا مثلها من قبل".
- دونالد ترامب، 2019
***
بتنسيق وثيق مع النظام الإسرائيلي، تبنّى دونالد ترامب أسلوب روزفلت في استخدام دبلوماسية الزوارق الحربية، من دون تفويض مسبق من الكونغرس الأميركي أو إعلان حرب -وإنما بدرجة أكبر بكثير من العنف والتدمير. ولم يدخل هذا الرجل عالم السياسة من دون انضباط ومن دون التزام بقيود وإجراءات المنصب الرئاسي أو الدستور فحسب، وإنما دخله أيضًا بمستوى من النرجسية والأنانية يرقى إلى أن يكون حالة اعتلال نفسي خطير يعاني منها شخص يمتلك أسلحة دمار شامل هائلة. ويبدو أن اللحظة الحالية هي أدنى نقطة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، اختار ترامب أشخاصًا لإدارة الشؤون الخارجية ليس لديهم أي تدريب ولا خبرة في العلاقات الدولية أو الدبلوماسية، واعتمد في اختياره على الولاء الشخصي فقط. وكما لاحظ مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان بويل، فإن جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، اللذين اعتمد عليهما ترامب بشكل أساسي في اتخاذ قرار بدء الحرب على إيران، ليسا سوى "أصول إسرائيلية"، ببساطة.
من المعروف أن كوشنر وويتكوف كليهما من الصهاينة المتحمسين. ومثل ترامب، استخدما مفاوضات الشرق الأوسط لإبرام صفقات تجارية شخصية بمليارات الدولارات في المنطقة، منتهكين بصورة غير قانونية وبلا خجل المادة الأولى، القسم التاسع، الفقرة الثامنة من الدستور الأميركي، المعروفة ببند المكافآت. وقد أدّيا أدوارًا رئيسية في تصميم عمليات "راية زائفة" هدفت إلى صرف الأنظار وخداع القيادة الإيرانية، وإقناعها بأن الولايات المتحدة جادة في التفاوض على اتفاق يحول دون تمكُّن إيران من تطوير أسلحة نووية.
ومن جهتها، لا تتكلف الحكومة الإسرائيلية حتى عناء التظاهر بأنها تفاوض. وبحسب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي، فإن الإسرائيليين عمومًا ينظرون إلى العسكرة بوصفها الخيار الأول، وليس الأخير، في التعامل مع الخصوم. ونموذجهم في التعامل مع الدول الإسلامية أو العربية -التي يُنظر إليها جميعًا، وفق تصوُّر نتنياهو، كـ"عماليق" محتملين- هو "الحل النهائي" الذي تم اعتماده في غزة.
ثمة وفرة من التقارير الحقوقية والأدلة المادية التي أكدت أن إسرائيل تقوم -باعتماد "نموذج غزة"- باستهداف وتدمير المنازل والمستشفيات والعيادات، والمدارس والملاعب، والشركات والمقاهي والبنية التحتية المدنية، فضلًا عن اغتيال كبار القادة والمفاوضين الإيرانيين. وبكل وضوح، لم يكن هدفها التفاوض. كان الهدف هو محو إيران كدولة وكشعب، كجزء من مشروعها للهيمنة الكاملة على المنطقة، كما فعلت سابقًا في سورية وكما تحاول أن تفعل دائمًا في لبنان.
يذكِّر الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران بالغزو الألماني للاتحاد السوفياتي في العام 1941، عندما تم إرسال القوات النازية إلى الجبهة لإحراق القرى -وإنما مع تقليل مفرط من شأن العدو ومن دون موارد كافية لكسب حرب بهذا الحجم. وربما لا تكون إيران روسيا، لكنها أيضًا ليست العراق أو ليبيا أو فنزويلا. وكما تبين مع تطور أحداث الحرب، فشل ترامب ونتنياهو فشلًا ذريعًا في إنجاز مهمتهما الأساسية -تدمير الدولة الإيرانية. وكان ما فعلاه بدلًا من ذلك هو المقامرة بجلب نهاية العالم للاقتصاد العالمي.
كان الشيء الذي أصاب ترامب ونتنياهو نفسيهما بالصدمة والرعب، على الرغم من الرقابة الذاتية التي فرضتها على نفسها وسائل الإعلام الأميركية السائدة، هو أن إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط تعرّضت لقصف عنيف من مخزون يبدو أنه لا ينتهي من الصواريخ البالستية الإيرانية الدقيقة والطائرات المسيّرة، إلى جانب ما يُرجح أنها أنظمة توجيه دقيقة بمساعدة روسية. وبالنسبة للروس، تشكل هذه المساعدة التي يقدمونها لإيران في جزء منها ردًّا على ما قدّمته الولايات المتحدة للجيش الأوكراني من استخبارات اتصالات عسكرية، وأسلحة، وقدرات استهداف، ودعم لوجستي لشن هجمات صاروخية على روسيا.
بحسب الوضع الراهن آن كتابة هذه السطور، شنّت القوة الجوية المشتركة لترامب ونتنياهو هجومًا خاطفًا وعنيفًا على المدن الإيرانية، لكنها ظلت عاجزة عن فرض الاستسلام. وبينما تكبّدت إيران خسائر مدنية هائلة حقيقية، فإنها نجحت فعليًا في استدراج القوتين الإمبرياليتين إلى حرب يتم فيها استنزاف ترسانتيهما، وجعلتهما غير قادرتين على منع إغلاق مضيق هرمز.
لقد وضع ترامب نفسه في موقع يبدو فيه أشبه بدمية بيد نتنياهو، وقد تكون الخطوة (اللا)منطقية التالية إرسال قوات برية إلى داخل البلد، وهو ما سيؤدي إلى خسائر أميركية كبيرة (علمًا بأن الإسرائيليين لطالما استخدموا القوات الأميركية كمرتزقة). وسوف تثقل مثل هذه الخطوة كاهل دافعي الضرائب الأميركيين بزيادات هائلة في الإنفاق العام غير المنتج. يبدو أننا نشاهد الآن تكرارًا لمشهد نشعر بأنه سبق لنا وأن رأيناه من قبل.
يبدو أن المجهود الحربي الأميركي يفتقر الآن إلى أي استراتيجية متماسكة، حيث تتغير تصريحات ترامب بشأن هذه المسألة يومًا بعد يوم. وبدلًا من ذلك، أصبح كل ما نشهده في عموم منطقة الشرق الأوسط هو الذيل الإسرائيلي بينما يحرّك الكلب الأميركي. وقد تكهّن كثيرون بمدى النفوذ الذي يبدو أن نتنياهو والموساد يمتلكانه ويمارسانه على ترامب، وباحتمال امتلاك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية موادّ للابتزاز والمساومة ضد الرئيس الأميركي ضمن ملفات إبستين.
إذا كان ترامب جادًا حقًا بشأن مسألة تغيير النظام في إيران، فإنه يكون قد ارتكب خطأً فادحًا وأوقع نفسه في فخّ لا مخرج منه -سوى أحد خيارين: إما اعتراف استثنائي بالفشل الأميركي -حتى لو صيغ على أنه انتصار- أو اللجوء إلى خيار الإبادة النووية.
من الصعب في الواقع تصوّر أن تكون لدى ترامب وفريقه من دعاة الحرب استراتيجية بعيدة المدى ذات مصداقية، والتي يُفترض أنها موجّهة نحو الصين. وكانت لديه كل الأسباب الوجيهة للانسحاب بعد أن أمّن استثمارًا بقيمة ملياري دولار قدّمته السعودية لصندوق الأسهم الخاص الذي يملكه جاريد كوشنر.
إذا كانت ثمة سياسة طويلة الأمد -ومن غير المرجّح أن يكون ترامب أو الذين عيّنهم يفكرون بهذه الطريقة- فإنها يجب أن تتعلق بالتهديد المتزايد المتمثل في احتمال أن تقوم إيران بالاتجار بالنفط مستقبلًا خارج نظام العملة الاحتياطية القائم على الدولار، وأن تشجّع دول الخليج الأخرى على أن تحذو حذوها. وبما أن السعودية وغيرها من الأنظمة الغنية بالنفط تدعم الاقتصاد الأميركي وتخفف العجز الذي يعاني منه من خلال مشتريات ضخمة من الأسهم والسندات وأذونات الخزانة وأنظمة الأسلحة والعقارات، فإن الابتعاد عن "البترودولار" يغلب أن يكون مدمّرًا.
في الوقت نفسه، يرتبط ترامب -شأنه شأن غيره من الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين السابقين- بمجموعة من المليارديرات الصهاينة مثل ميريام أديلسون، التي يُزعم أنها عرضت عليه 250 مليون دولار لتمويل ولايته الثالثة في المنصب. ويهيمن الصهاينة على قائمة أكبر المانحين الأفراد لكلا الحزبين. كما تتفاخر "لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية" (آيباك) علنًا بنجاحها في شراء السياسيين الأميركيين. وتميل وسائل الإعلام السائدة، بما فيها صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، بشدة، إلى تبني الرواية الإسرائيلية في ما يتعلق بالفلسطينيين وحركات المقاومة الأخرى في الشرق الأوسط، وتُخضعهم لتصنيف مهين بوصفهم بـ"الإرهابيين".
ثم هناك تأثير قطاع الدفاع الأميركي. في العام 2025، بلغت مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية وحدها من بين دول الخليج نحو 142 مليار دولار. ومع ذلك، إذا أثبتت الولايات المتحدة كونها عاجزة عن حماية درع الحماية نفسه المكون من القواعد الأميركية في تلك الدول النفطية، فإن تلك الدول ربما تجد مبررًا أكبر للسعي إلى السلام مع إيران، والاقتراب أكثر من حليفي إيران - الصين وروسيا. وقد يعني ذلك إلغاء اتفاقيات وجود القواعد الأميركية على أراضيها، وإنهاء مشتريات الأسلحة من المجمع الصناعي العسكري الأميركي.
وبالنسبة لإيران، بالنظر إلى تجربتها مع الهجوم الأميركي-الإسرائيلي الغادر والوحشي عليها، من غير المرجح أن تقبل بأقل من إزالة التهديدات العسكرية والاقتصادية المستقبلية ضدها. وقد يستلزم ذلك قيامها بتطوير أسلحة نووية لتكون وسيلة ردع.
من المهم التذكير بالتدخل الأميركي في إيران الذي يعود إلى الانقلاب الذي دبرته وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. إيه) في العام 1953، والذي أطاح بحكومة منتخبة ديمقراطيًا ونصّب ديكتاتورًا قاسيًا هو الشاه بهلوي، الذي انتهى حكمه بالثورة الإسلامية في العام 1979. ولا يبدو أن الجمهوريين أو الديمقراطيين يفهمون هذا التاريخ، أو يمتلكون الأفق الأخلاقي للاعتراف بأن إيران، بدلًا من أن تكون تهديدًا لمنطقة غرب آسيا، تعرّضت لإساءات مستمرة وتدخل دائم من التحالف الأنغلو-أميركي، الذي يشمل إسرائيل.
لحسن الحظ، ثمة أغلبية كبيرة من الأميركيين تعارض هذه الحرب، بينما أصبحت معدلات تأييد ترامب من بين الأسوأ في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة. ومع ذلك، بالنظر إلى حالة ترامب الواضحة من الانفصال عن المعاناة الإنسانية في إيران، التي تشجعها المواقف الإبادية الأكثر برودة قلب ووحشية لدى شركائه في الموساد، لا يمكن التنبؤ بما قد يحدث لاحقًا ومعرفة ما هو مخبأ في الجِراب، بما في ذلك احتمال التصعيد إلى شن هجمات نووية. وبالنسبة لإسرائيل، ليس هناك شيء مثل حلّ دبلوماسي على أساس "كاسب-كاسب"، يمكن أن يفيد الطرفين.
على المدى القريب، لا يملك المرء سوى أن يأمل في أن تغيير النظام الذي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فرضه على إيران، سيحدث قريبًا في بلديهما.
* جيرالد سوسمان Gerald Sussman: أكاديمي أميركي وأستاذ فخري في دراسات المدن والدراسات الدولية في جامعة ولاية بورتلاند. متخصص في قضايا التنمية الحضرية، والاقتصاد السياسي الدولي، والإعلام والسياسة العالمية، وتركز أبحاثه على تأثير العولمة، ودور الشركات متعددة الجنسيات، والعلاقات بين الشمال والجنوب في تشكيل التحولات الاقتصادية والاجتماعية. ألّف وشارك في تأليف وتحرير عدد من الكتب والدراسات حول الإعلام والهيمنة الثقافية، كما عُرف بتحليلاته النقدية للسياسات الدولية وعلاقتها بالبنى الاقتصادية العالمية. من أحدث كتبه "السياسة الانتخابية البريطانية والأميركية في عصر النيوليبرالية: مسارات متوازية" British and American Electoral Politics in the Age of Neoliberalism: Parallel Trajectories، (روتلدج 2025).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The US-Israel Culture of Annihilation