الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ثيا شاتيل - (تروث أوت) 28/4/2026
في ظل التحولات التي أعقبت سقوط نظام الأسد، يتصاعد الدور الإسرائيلي في جنوب سورية، متجاوزًا الوجود العسكري إلى توغلات استيطانية تحمل أبعادًا أوسع. يسلّط هذا التقرير الضوء على واقع جديد يتشكل في القنيطرة، حيث تتقاطع السيطرة على الأرض والمياه مع مشروع سياسي–أيديولوجي يسعى إلى إعادة رسم الحدود وفرض وقائع دائمة على الأرض.
كان الصحفي السوري عدي فنيخِر على دراية عميقة بالحياة تحت الاحتلال الإسرائيلي. فقد وُلد في كفر حارب، وهي قرية في الجولان السوري، كان قد طُرد منها هو وعائلته بعد أن استولت إسرائيل على المنطقة خلال حرب الأيام الستة في العام 1967.
واليوم، يجد نفسه مرة أخرى في مواجهة القوات الإسرائيلية، بينما إسرائيل "تأخذ أرضنا، وتقتل محاصيلنا، وتختطف آباءنا"، كما يقول. وأضاف فنيخِر متحدثًا إلى موقع "تروث أوت": "إنه احتلال بطيء، لكننا سنفقد قريبًا ما لم يأخذوه بعد".
بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد على يد فصائل المعارضة السورية في كانون الأول (ديسمبر) 2024، لم تُضِع القوات الإسرائيلية وقتًا قبل أن تطلق حملة قصف جوي واسعة على البلاد، دمّرت خلالها نحو 80 في المائة من القدرات العسكرية التي خلّفها نظام الأسد.
كما دخلت القوات الإسرائيلية المنطقة العازلة منزوعة السلاح التي كانت قد أُنشئت بقرار من مجلس الأمن الدولي في العام 1974 بين الجولان المحتل وبقية الأراضي السورية. وقد استولت على تلك المنطقة، ثم أقامت "حزاما أمنيا" يتجاوز خط الفصل الأخير الذي كانت تديره قوات المراقبة التابعة للأمم المتحدة.
أصبحت المنطقة الخاضعة الآن لسيطرة الجيش الإسرائيلي محظورة على المدنيين السوريين وقوات الحكومة. ولم يعد بإمكان المزارعين في تلك المنطقة الاعتناء بأراضيهم، بينما أصبحت آمال مالكي هذه الأراضي في استعادتها ذات يوم تزداد تضاؤلا باطراد. وفي المجموع، تحتل إسرائيل اليوم مساحة إضافية تبلغ 177 ميلًا مربعًا من الأراضي السورية مقارنة بما كانت تسيطر عليه قبل سقوط نظام الأسد.
وقال المحلل السياسي السوري عصام خوري لموقع "تروث أوت": "ربما ستأخذ إسرائيل كل شيء. لديها بالفعل "منطقة آمنة" في جنوب سورية، وقد يكون ذلك في نهاية المطاف الخيار الأفضل بالنسبة لها".
لكن ما يثير قلق فنيخِر أكثر من الوجود العسكري الإسرائيلي في سورية هو ما أصبحت توغلات متكررة للمستوطنين الإسرائيليين في جنوب البلاد.
في 22 نيسان (أبريل)، دخلت مجموعة من نحو 40 مستوطنًا ينتمون إلى حركة "حلوتسي هباشان" اليمينية المتطرفة -أو "رواد باشان"، في إشارة إلى الاسم التوراتي للأراضي الخصبة الواقعة شمال شرق بحيرة طبريا، والتي تقول التوراة أن الملك الطاغية، عوج، كان يحكمها قبل أن يهزمه موسى- إلى الأراضي السورية، وطالبوا الحكومة الإسرائيلية بإضفاء الشرعية على النشاط الاستيطاني هناك.
وبحسب فنيخِر، الذي يعمل على رصد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي السورية منذ سقوط الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، فإن هذه كانت المرة الخامسة التي يتسلل فيها مستوطنون إسرائيليون إلى سورية.
ويقول درور إتكِس أن هذه هي الطريقة التي تعمل بها حركة الاستيطان الإسرائيلية: من خلال "تغيير الوقائع على الأرض" إلى أن يصبح ما كان يومًا غير قابل للتصديق أمرًا واقعًا.
يرى المستوطنون الإسرائيليون أنفسهم على أنهم ينفذون تكليفًا دينيًا توراتيًا، حيث يعتبرون هذه الأراضي السورية جزءًا من أرض إسرائيل القديمة. ومع ذلك، أدان الجيش الإسرائيلي هذا التوغل، واصفًا إياه بأنه "جريمة تعرّض المدنيين وجنود الجيش للخطر".
لكن إتكِس، وهو من أبرز المراقبين الإسرائيليين لحركة الاستيطان، وقاد سابقا مشروع "مراقبة المستوطنات" في منظمة "السلام الآن"، ثم أسس منظمة "كيرم نافوت" التي تتابع عمليات الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، يقول أن ما يحدث ليس مفاجئا.
وأضاف: "لم يعد هناك ما يثير الدهشة، ليس بعد ما حدث في غزة. لقد حدثت أشياء كثيرة لم أكن أعتقد أنها ستحدث، ولذلك أعتقد أنه ينبغي أن أكون حذرًا جدًا عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بما سيحدث في هذا البلد".
تابع إتكِس مشاهدة المستوطنين وهم يقيمون أولى البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية في ستينيات القرن الماضي. ثم شاهد لاحقًا، بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بناء جدار الفصل العنصري. وأضاف: "لو سألتني قبل 10 سنوات، أو خمس سنوات، أو حتى سنتين -ناهيك عن 50 عاما- عمّا إذا كان نصف مليون يهودي سيعيشون في الضفة الغربية، أو ما إذا كان سيكون لدينا 350 أو 360 أو 370 بؤرة استيطانية هناك، لما كان أحد بالطبع ليقول ’نعم‘".
وبحسب إتكِس، هذه هي الطريقة التي تعمل بها حركة الاستيطان الإسرائيلية: من خلال "تغيير الوقائع على الأرض" إلى أن يتحول ما كان غير قابل للتخيّل إلى حقيقة. ويقول أن هذا هو الهدف الأساسي للحركة -سواء في سورية، أو لبنان، أو غزة، أو الضفة الغربية.
وليست "روّاد باشان" المنظمة الاستيطانية الوحيدة التي تدخل مناطق عسكرية مغلقة للضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل تقنين الاستيطان في أراضٍ خارجية.
في جنوب لبنان، تعمل مجموعة تُدعى "أوري تسافون" على بناء حركة تهدف إلى إقامة بؤر استيطانية في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حاليًا. وقد أطلقت هذه المجموعة طائرات مسيّرة داخل الأراضي اللبنانية، داعية السكان إلى المغادرة، وزرعت أشجارًا لترسيخ مطالبها بالأرض.
وكان الأمر مشابهًا في غزة مع حركة "تزاف 9" اليمينية المتطرفة، التي حاولت في أكثر من مناسبة منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 دخول القطاع وإقامة بؤر استيطانية.
ببطء وثبات، تتوسع حدود الخيال الإسرائيلي -تمامًا كما تتوسع الحدود الفعلية للدولة- بفعل حركة الاستيطان. وفي كثير من الحالات، جرت هذه التوغلات بدعم ضمني من الجيش الإسرائيلي. وبحسب كل من إتكِس وفنيخِر، كان من المستحيل على المستوطنين دخول الأراضي السورية من دون موافقة ضمنية على الأقل من القوات الإسرائيلية. حيث تفصل مئات الأميال من الأسوار بين الجولان الخاضع لسيطرة إسرائيل والأراضي السورية، وهي معززة بمئات آلاف الألغام.
وأضاف فنيخِر أن هناك عددًا من البوابات في هذه الأسوار تتيح للجيش الإسرائيلي العبور إلى داخل المنطقة العازلة منزوعة السلاح وما بعدها، وهو ما مكّن "روّاد باشان" من دخول الأراضي السورية.
من جهته، قال الجيش الإسرائيلي في بيان عقب احتجاز المستوطنين ومرافقتهم إلى مناطق خاضعة لسيطرة إسرائيل أن "الاستيطان في باشان ضروري للحفاظ على إنجازات الحرب".
يُعتبر الدفع نحو إنشاء هذه المستوطنات جزءًا من مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يسعى إلى توسيع حدود إسرائيل لتصل -بحسب ما يدّعيه بعض المستوطنين والقوميين الدينيين- إلى حدود "مملكة إسرائيل القديمة"، وهي رؤية توراتية يطعن فيها علم الآثار السائد، تتخيل كيانًا يمتد من نهر الفرات إلى نهر النيل، ويشمل أجزاءً من السعودية والأردن والعراق ومصر.
لكن هذا التوجه التوسعي لا يتعلق بالأرض فقط، بل بالمياه أيضًا. وقد أشار فنيخِر إلى سد المنطرة، وهو أكبر سد في محافظة القنيطرة السورية، والذي يتحكم في تدفق المياه إلى نهر اليرموك الذي يشكل بدوره مصدرًا مائيًا حيويًا لجنوب سورية.
قبل أن يصبح صحفيًا، كان فنيخِر يملك مطعمًا يطل على السد. وقد أُغلق المطعم منذ أن وسّعت القوات الإسرائيلية احتلالها للمنطقة -وهو ما شكّل ضربة مالية كبيرة له ولعائلته، على الرغم من تأكيده أنه يظل في وضع أفضل من كثيرين غيره.
دمّرت القوات الإسرائيلية المتوغلة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية باستخدام المبيدات خلال عملية إنشاء البؤر الاستيطانية، كما أقامت حواجز -بما في ذلك حواجز جوية- لتنظيم حركة السوريين قرب المنطقة العازلة.
وقال فنيخِر: "هناك عبء نفسي ثقيل، يقع بشكل خاص على الأطفال وكبار السن. نحن نتحدث عن قرى هجّرت منذ العام 1967، وعن عائلات ما تزال تعاني عبر أجيال، وتعيش الآن تجربة احتلال جديد".
وأشار إلى الضفة الغربية بوصفها نموذجًا لما قد تصبح عليه محافظة القنيطرة قريبًا. فقد سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية لفترة طويلة إلى حد أن كثيرًا من الفلسطينيين والإسرائيليين هناك -وأكثر من ثلثهم من الأطفال- لا يتذكرون زمنًا كانت فيه المنطقة خالية من البؤر الاستيطانية والمستوطنات. واليوم، وبحسب "مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان"، توجد أكثر من 279 مستوطنة غير قانونية ونحو 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية.
تتباين التزامات حركة الاستيطان، لكنّ هناك في طليعتها من يرون فيها مهمة شخصية لإعادة السيادة اليهودية على الأرض التي يعتبرونها "إسرائيل الكبرى"، حتى لو كان الثمن دمًا.
وقال إتكِس: "مرّ ما يقرب من 58 عامًا على بدء هذا المشروع. وكلّه بدأ في الأصل بشكل غير قانوني أو شبه قانوني، ومن دون تفويض رسمي. هذا هو النموذج الذي يحاولون نسخه في سورية ولبنان. إنهم الأشخاص أنفسهم، القادمون من الأماكن نفسها، ومن الحواضن الأيديولوجية ذاتها".
وحذّر فنيخِر من أن القوات الإسرائيلية تكثّف توغلاتها في منطقة القنيطرة: فهي تدخل القرى، وتنفذ اعتقالات -حيث يقدّر أن أكثر من 70 سوريًا من محافظة القنيطرة يقبعون حاليًا في السجون الإسرائيلية- وتقيم الحواجز، ثم تنسحب.
لكن فنيخِر يخشى أن يكون تثبيت بقائها مسألة وقت لا أكثر. ويعتبر وجود حركة "روّاد باشان" أحد المؤشرات المقلقة. وقال: "إنهم ينتصرون"، في إشارة إلى القوات الإسرائيلية. وحتى بالنسبة لإتكِس، فإن الأمل ضئيل في توقف محاولات الاستيطان في جنوب سورية. وأضاف: "انظر إلى ما حققوه خلال 58 عامًا في الضفة الغربية. لديهم أسباب وجيهة جدًا ليكونوا متفائلين للغاية".
*ثيا شاتيل Theia Chatelle: صحفية ومصوّرة مستقلة تغطي قضايا النزاعات وحقوق الإنسان والتهجير في أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة. تقيم في القدس، وتكتب عن الحروب والحركات الاجتماعية، مع تركيز خاص على القصص الإنسانية والتحقيقات المتعلقة بسلطة الدولة. نُشرت أعمالها في عدد من المنابر، منها "ذا فوروارد" و"ذا نيشن" و و"هآرتس" و"وكالة الأنباء اليهودية". تحمل درجتي البكالوريوس والماجستير في الدراسات الأميركية من جامعة ييل. كانت زميلة في العام 2025 في "المؤسسة الدولية لإعلام المرأة".
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Far Right Israeli Settler Movement Enters Syria in a Push for “Greater Israel”