عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jan-2026

كلمة السرّ في الإعجاز القَطَري - إبراهيم الابراهيم
صحفي  -
يقولون إن لكل عاصمة في العالم كلمة تعريفية صامتة، تضع الزائر، منذ اللحظة الأولى، أمام توليفة سرّيّة لا تغادر ذاكرته.
إن صحّ ذلك، فإن الدوحة اليوم تُقدّم نفسها كمدينة واثقة من ذاتها، لا تميل إلى الاستعراض بقدر ما تضع إنجازها أمامك بهدوء وأناقة. منذ أن تطأ قدماك أرضها، تلمس انسجاماً أليفاً بين تكامُل العمران والخدمات وإيقاع الحياة اليومية، بجمالٍ يُعززه حضورٌ سياسي وثقافي ورياضي، بات جزءًا من بصمتها الدولية في موقع التميُّز.
هو شعورٌ طاغٍ بالاكتمال المدهش، مدينة حديثة بلا قلق، جميلة بلا تكلّف، وقوية بلا ادّعاء، كأنها تقول لزائرها منذ اللحظة الأولى إن ما يراه ليس طفرة عابرة، بل دولة أُُنجز مشروعها بعقل حكيم وتخطيط طويل الأمد، وتنفيذٍ في فترة زمنية قياسية.
أستعيدُ هذه الدهشة اليوم، وأنا أتذكر زيارتي الأولى للدوحة عام 1972، حين كُلِّفتُ من المغفور له الشيخ جابر الأحمد الصباح، طيب الله ثراه، بمهمة إعداد تقرير اقتصادي. يومها كانت دولة قطر في بداياتها الصعبة، أذكر أن شُحّ المرافق يومها جعلني لا استطيع النوم حتى في أفضل الفنادق، فاضطررتُ للمبيت عند صديق. ولم تكن هناك مطاعم أو مقاهٍ تُذكر، كانت الحياة بسيطة حدّ المشقّة، والخدمات دون المحدودة، والطموح أكبر من الإمكانات.
أما اليوم، فالمشهد لمن زار وشاهد مدن العالم، يُقارن بجدارة، بل ويتفوق على حواضر تاريخية كبرى: فنادق بالمئات، بينها العشرات من فئات ست وسبع نجوم، مرافق وشوارع تتفوق على مثيلاتها الامريكية في التنظيم والجاذبية وسهولة الحركة، وسياحة قد تبدأ ثقافية أو علاجية، لكنها لا تنتهي رياضية، أنفاق المرور يتسع الواحد منها لأربع سيارات، فيما الشوارع والبنايات مضاءة ليلاً: خدمات ومشاهدُ تُثري الوجدان بالرضا والأمان.
حتى إذا خرجتَِ غير بعيد من الدوحة، في جزيرة المها (هي في الواقع شبه جزيرة)، وجدتَ نفسك في نموذج نادر لتكامل الترفيه مع التسوق، والماء مع الفضاء الحضري المفتوح، حيث الأسواق المبهرة والواجهات الأنيقة وتجارب العائلة المتكاملة.
هنا في قطر تكتشف أن المشاريع لا تُبنى منفصلة، بل ضمن رؤية تجعل الإنسان محور المكان.
كمواطن ٍخليجي أعرف قطر جيداً، وزرتها مرارًا في رحلات عملٍ خاطفة، أسجّل انطباعاتي اليوم، كلمةَََ حقٍ مُنزّهةٍ عن الغرض، أتمنى فيها أن يتعمم هذا الأداء العبقري المخلص في منطقتنا.
أرقام هذا الأداء تكفي وحدها للدلالة:
ففي أحدث استقصاء أُممي مُقارَن، احتلت قطر المرتبة الرابعة على مستوى العالم في مستوى التعليم، والأولى على مستوى الدول العربية. وفي متوسط دخل الفرد، تسيّدت' قطر المرتبة الخامسة عالمياً بنحو 121 ألف دولار سنوياً. الطيران القطري تربّع المرتبة الأولى على مستوى العالم، فيما يزخر المشهد الحضري بالتحف المعمارية، ابتداء من «متحف الفن الإسلامي» و«مكتبة قطر الوطنية»، إلى «حي مينا الدوحة». وفي مجملها تتشكل للزائر تجربة جمالية وثقافية متكاملة باحتراف.
هذه التجلّيات المشهودة للتنمية البشرية، والتي تعكس جودة التعليم والصحة والحياة بصورة عامة في قطر، يستطيع المؤمن والمنصف أن يقرأ فيها قول التنزيل الحكيم «وأمّا بنعمة ربك فحدّث». التحدُّث بالنعم الربانية كما فسّرته القيادة القطرية هو إتاحتها خدماتٍ عامة للمواطنين والمقيمين على حدّ سواء.
في زيارتي الأخيرة للدوحة أذهلني المستوى التجهيزي للمستشفيات، بما تمتلكه من معدّات لم أر نظيراً لها في المستشفيات الأوروبية أو في المنطقة. رأيتُ طواقم خبرات أوروبية وعربية مُستقطَبة بسخاء، وبطموحاتٍ تقرأ في الدوحة عاصمة طبية للشرق الأوسط من موقع الاقتدار، وبغير ما استعراض.
في مجال القوة الدولية الناعمة، رصدنا كإعلاميين، كيف رسّخت قطر حضورها الأممي كوسيط موثوق في صناعة السلام، ومنصة حوار عالمية عبر منتدى الدوحة، وكدولة إنسانية في مساعداتها التنموية.
وفي الرياضة، صنعت' إرثًا استثنائيًا: من بطولة كأس العالم 2022، التي أعادت تعريف التنظيم والهوية، إلى كأس آسيا وكأس العرب والبطولات المتواصلة، التي أكدت أن الاستثمار في البنية التحتية ليس حدثًا عابرًا، بل استراتيجية مستدامة.
يقيناً أن كل هذا الإنجاز الأسطوري، الذي تحقق خلال جيلين فقط، وأضحت فيه قطر جوهرة العالم في الأداء الإنساني المترادف، لم يأتِ صدفة، فهو ثمرة لحكمة قيادية جسّدها سمو الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمدّ الله في عمره، وينهض بها باقتدار فذّ سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله.
لهما صاحبا السمو، جزيل التهنئة، وصادق الدعاء بالتعزيز.
ولقطر الشقيقة دوام الريادة والتألق المضاء بِوعدِ المستقبل الأفضل.
 
عن القبس