عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-May-2020

القنوات الفضائية تلفظ أنفاسها الأخيرة - نعيمة عبد الجواد

 

القدس العربي - كثيراً ما نقرأ عن منشورات تسترجع ذكريات الماضي، وترسم بلهفة صوراً تعبر عن الحنين لها. ومن ضمن تلك الذكريات المحببة ما يتعلق بالتلفزيون وكيفية البث قديماً، حيث كان يقتصر البث على قناتين فقط، وكل واحدة منهما تبث محتواها وفق ساعات معدودة، ومحدودة في الوقت نفسه. وفي كنف التطور المتسارع، امتدت ساعات البث من السابعة صباحاً حتى الواحدة صباحاً، وكان ذلك بمثابة طفرة تسببت في قفزة كبرى في مجال الإعلام المرئي.
ومع نهاية التسعينيات، انتشرت ما تسمى بالقنوات الفضائية، التي لا تعتمد على البث التلفزيوني المحلي، الذي يقدم وجبات إعلامية تقليدية، تعوزها رشاقة وجرأة البرامج المتواجدة على القنوات الفضائية. أضف إلى ذلك، أنها تعمل على مدار الساعة في جميع أيام الأسبوع، بدون توقف أو تأخر. وقد اعتبر المشاهد أن ما يحصل عليه من رفاهية من لمجرد امتلاك «صحن» لالتقاط القنوات هو أقصى أنواع التقدم، وكذلك بسعر زهيد في متناول الأيدي. وكما هي العادة، دوام الحال من المحال. والقنوات التي كانت تبدو براقة بالأمس، صارت باهتة ومملة، ويعوز مادتها الإعلامية التجديد الشامل، على الرغم من زيادة عدد القنوات الفضائية بطريقة صادمة. ومع تضاءل دور المحطات التلفزيونية الوطنية، تم استخدام الكثير من القنوات الفضائية من قبل جهات سيادية حولت فيه المادة المقدمة بها لإعلام موجه، يخدم أغراضا سياسية، فصارت لا تتمتع بالمصداقية، وكذلك الحرية التي كانت مخولة لها في السابق.
لكن الإنسان مجبول على الحرية والتجريب، ويرفض جميع أنواع القيود، ما حتم استحداث متنفس إعلامي وترفيهي آخر. ومن ثم، تحول عالم اليوتيوب الحديث العهد، إلى ثورة كبرى تمكن المرء من رؤية ما يبتغيه. فمن ناحية، يقدم اليوتيوب محتوى أكثر حرية واستقلالية، من برامج ومسلسلات وأفلام بدون قطع أو إعلانات. أضف إلى هذا، هناك مجموعات من الشباب صارت تقدم برامج وأفلاما مخصصة للعرض، من خلال قنوات اليوتيوب، كنوع من الإعلام المستقل البعيد عن القيود. أضف إلى ذلك، عمل اليوتيوب على تشجيع المشاهدين على نبذ الاعتماد على صحن (الستلايت) لالتقاط القنوات الفضائية؛ حيث يتوافر عليه بث مباشر لجميع القنوات الفضائية.
 
صارت منصات البث المباشر،عبارة عن عالم جديد مواز من القنوات الفضائية. فشركة نتفليكس أصبحت منتجاً لبرامج ومسلسلات وأفلام خاصة بها، بل إنها تجتذب أسماء كبرى من نجوم هوليوود – سواء أكانوا مخرجين أو ممثلين – إلى ما تنتجه من أعمال.
 
ومع تمكن اليوتيوب من عرض القنوات الفضائية، ضمن باقة خدمات أخرى تتوافر بمجرد توافر اشتراك بالإنترنت، تم القضاء على أسطورة حتمية رجوع المشاهد لشاشة التلفزيون مرة أخرى؛ بحجة أن المحتوى الترفيهي الذي يقدمه اليوتيوب ليس كافياً، ولا تتوافر عليه المواد الترفيهية الحديثة، التي يعرضها التلفزيون حصرياً ولأول مرة. وكذلك انتهت أسطورة أن البث التلفزيوني من قنوات محلية أو فضائية، هما المصدر الذي تتوافر عليه إذاعة نشرات وبرامج إخبارية تقدم نظرة فاحصة على الأحداث اليومية والتطورات العالمية، لكن، مشكلة الهروب من مشاهدة كم هائل من الإعلانات التجارية، حين انتظار متابعة أحداث جديدة من المسلسلات، واللقاءات، والأفلام، على شاشة التلفزيون، كانت لا تزال قائمة.
أما الطفرة الكبرى فكانت ظهور منصات البث المباشر Online Streaming التي كانت تحتكرها شركة نتفليكس Netflix في بداية الأمر. فلقد بدأت شركة نتفليكس التي تم إنشاؤها عام 1997 كشركة رائدة تسعى وراء بث أفكار جديدة، لغزو سوق الترفيه. وكانت بدايتها مع التفكير في وسيلة جديدة لتأجير الأفلام، بدلاً من نوادي الفيديو، التي كان الزحام عليها شديدا، ومن الصعب كثيراً الحصول على أفلام بعينها. ومن ثم، كانت شركة نتفليكس، أول من فكر في تحويل المادة الترفيهية من شرائط الفيديو لأقراص «دي في دي» (DVD) التي صارت تحتوي على الأفلام والمسلسلات والبرامج لقاء دفع إيجار بسيط لكل قرص دي في دي. ومع انتشار أجهزة عرض «دي في دي» ورخص ثمنها حتى صار في متناول الجميع، ازدهر استئجار أفلام دي في دي، التي صار تأجيرها وإرجاعها بسهولة عن طريق البريد. بل إن مؤسس الشركة ريد هاستينجس Reed Hastings قرر أن يحدث طفرة أخرى، عندما طرح فكرة عمل اشتراك شهري زهيد نظير استئجار عدد لا محدود من أقراص DVD. لكن مع انتشار الفكرة وتناقص الأرباح، قرر ريد هاستينجز أن يحول تأجير المواد الترفيهية من أقراص DVD إلى شبكة الإنترنت. ومن ثم، أسس منصة البث المباشر المعروفة عالمياً تحت اسم نتفليكس، ووسع دائرتها لتجمع جميع دول العالم. وعلى غرار فكرته الأولى، صار من السهل التمتع بعدد لا نهائي من المواد الترفيهية من خلال دفع اشتراك شهري ميسور، وساعده في ذلك شراؤه لحقوق عرض المواد الترفيهية بمبلغ زهيد.
وعندما أتت الفكرة ثمارها، فكرت أيضاً الشركات المؤجرة لموادها الترفيهية لشركة نتفليكس، في إنشاء منصات بث مباشر خاصة بها، مثل شركتي ديزني ومارفل. وتلا ذلك استحداث منصات عرض مباشر محلية مثل واتش إت Watch It وشاهد Shahid في العالم العربي. ومؤخراً قامت شركات الموبايل سواء العالمية أو المحلية منها، بعمل منصات بث مباشر خاصة بها.
وفي غضون تلك الأحداث، صار امتلاك شاشة تلفزيون غالباً لا يعني مشاهدة قنوات فضائية. ويلاحظ أن الفئة العمرية من سن 12-35 سنة صارت لا تميل لمشاهدة التلفزيون. فمثلاً، في الصين، صارت مشاهدة التلفزيون تقتصر على من هم أكبر من 45 عاماً، بل إن الكثير من البيوت تقتني تلفزيونا بدون تشغيله. فقد صارت منصات البث المباشر،عبارة عن عالم جديد مواز من القنوات الفضائية. فشركة نتفليكس أصبحت منتجاً لبرامج ومسلسلات وأفلام خاصة بها، بل إنها تجتذب أسماء كبرى من نجوم هوليوود – سواء أكانوا مخرجين أو ممثلين – إلى ما تنتجه من أعمال. أما شركات الإنتاج العملاقة مثل ديزني ومارفيل، فأفلامها ذات الإنتاج الضخم تعج بكوكبة من ألمع نجوم هوليوود. وأضف إلى كل هذا وذاك، صارت تلك المنصات تعرض الأفلام الحديثة بعد ثلاثة شهور من عرضها في دور العرض، وبعد جائحة فيروس كورونا تمت دراسة العرض بعد شهر واحد فقط، علماً بأن بعضا من أفلام الإنتاج الضخم، تم بالفعل عرضها لأول مرة على تلك المنصات.
التحول الضخم لمشاهدة منصات العرض المباشر، هو بمثابة ناقوس خطر يهدد القنوات الفضائية ويضعها في مرتبة تماثل ما حدث مع قنوات التلفزيون الوطني، وأشرطة الفيديو. من الواضح أنه يجب على القنوات الفضائية أن تفكر سريعاً في خطة جديدة، لتضمن بقاءها عنصرا جاذبا ضمن خريطة بث المواد الترفيهية في الفترة المقبلة، وإلا سوف يكون مصيرها صفحات الحنين لذكريات الماضي.
 
٭ كاتبة من مصر
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات