عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Mar-2026

هجوم ترامب على إيران أكبر حدث يشهده العالم منذ 11 سبتمبر

  الغد

بيتر فرانكوبان* - (الإندبندنت) 2026/3/3
 
تدور عجلة التاريخ باستمرار، لكنني منذ سقوط جدار برلين، وربما منذ انهيار برجي التجارة العالمية في 11 أيلول (سبتمبر)، لم أشهد العالم يتبدل بهذا العمق وبهذه السرعة الخاطفة. وقد شكل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وتفكيك قمة القيادة السياسية والعسكرية في طهران لحظة مفصلية قد تكون الأبرز عالمياً منذ هجمات برج التجارة في العام 2001، خاصة أنهما نتجا عن قرار أميركي-إسرائيلي اتخذ عن اختيار لا عن ضرورة، بما يسرع تقويض النظام الدولي القائم. ويشكل شل تسلسل القيادة في إيران، واحتمال اتساع رقعة التصعيد إقليمياً، بالتوازي مع محاولات فتح قنوات حوار مع الولايات المتحدة، كلها مؤشرات على تحول تاريخي متسارع يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة والعالم.
 
 
دائماً ما يكون من الصعب، وربما من الخطأ، أن يحاول المرء تقييم أهمية الأحداث فور وقوعها. وببيع الحال، يوفر لنا التاريخ متسعاً من الوقت لكي نضع الأمور في سياقها بهدوء، بعيداً عن التحديات التي يفرضها إصدار أحكام متسرعة لا تصمد أمام اختبار الزمن.
لكن ثلاث لحظات مرت في حياتي أدركتُ فيها على الفور أن ما أشهده ينطوي على دلالة استثنائية، أثناء حدوثه. كانت المرة الأولى مساء يوم التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1989، عندما احتشدت الجماهير إثر صدور أنباء عن فتح المعابر الحدودية في برلين. وفي تلك الليلة بدأ الجدار في السقوط. وكانت المرة الثانية في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، عندما اتضح لنا جميعاً، ونحن نشاهد ما حدث بعد الاختطاف المنسق لأربع طائرات ركاب وضرب برجي مركز التجارة العالمي، أن العالم سيتغير إلى الأبد.
منذ ذلك الحين، وقع عدد من الأحداث المهمة أو الرهيبة -أو الأمرين معاً. سوف يُنظر إلى هجمات "حماس" في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، على سبيل المثال، على أنها لحظة محورية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط. لكن ما شهدناه خلال نهاية الأسبوع الماضي هو، في رأيي على الأقل، كان حدثاً ستكون له تداعيات وآثار تجعل هذين اليومين الأكثر أهمية خلال ربع قرن.
لقد وجه اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إلى جانب شريحة واسعة من كبار قادة البلاد، ضربة مدمرة للدولة. ويشكل اغتيال رئيس دولة أثناء توليه منصبه على يد قوة أجنبية سابقة استثنائية في العصر الحديث. كما أن اتخاذ الولايات المتحدة وإسرائيل قرار مهاجمة إيران الذي تم اتخاذه بمحض الاختيار لا بدافع الضرورة، يزيد من تفكك نظام عالمي كان، على الرغم من كل عيوبه، قد وفر على الأقل مظهراً من مظاهر بنية قانون دولي على مدى عقود.
في العام 2003، أثناء التدخل في العراق الذي ثبت لاحقاً أنه كان مشوباً بعيوب جسيمة، حاولت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش تبرير موقفها في الأمم المتحدة، وسعت إلى الحصول على موافقة مجلس الشيوخ، وعملت على بناء شبكة من التحالفات مع الشركاء. أما الرئيس ترامب فلم يتكلف عناء أي من ذلك. وبدلاً من ذلك، سئم من انتظار وصول حل دبلوماسي. وقال في إعلانه بدء "عمليات قتالية كبرى" في الساعات الأولى من صباح السبت: "لقد حذرناهم من استئناف سعيهم الخبيث إلى امتلاك أسلحة نووية. سعينا مراراً إلى إبرام اتفاق. حاولنا، كانوا يريدون ذلك، ثم لم يريدوا، ثم أرادوه، ثم لم يريدوه. لم يكونوا يعرفون ما الذي يحدث، كل ما أرادوه هو ممارسة الشر". وهكذا كان الأمر. نفد صبره وأعلن: "لا يمكننا تحمل الأمر بعد الآن".
وفي الساعات التالية، تعرضت القيادة السياسية والدينية والعسكرية الإيرانية لضربة قاصمة، مما أدى فعلياً إلى شل تسلسل القيادة. وقد أعاد الذين بقوا على قيد الحياة تنظيم صفوفهم وأعلنوا تشكيل مجلس قيادة مؤقت لتسيير شؤون البلاد إلى أن يتم اختيار مرشد أعلى جديد، وكانت لديهم أولوية واحدة لا غير: بقاء النظام. وحتى كتابة هذه السطور، يبدو أن الحسابات تشير إلى أن أفضل سبيل لتحقيق ذلك هو إطلاق الفوضى -ليس فقط عبر استهداف إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية، بل أيضاً دول الخليج كافة- على الأرجح أملاً في دفعها إلى استخدام نفوذها لدى ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
غير أن هذا النهج أثار استياء الذين كانوا يسعون إلى الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. فقد ذكر أنور قرقاش، الدبلوماسي الإماراتي المخضرم واسع العلاقات، طهران، بأن "حربكم ليست مع جيرانكم"، مضيفاً "من خلال هذا التصعيد تؤكدون رواية من يرون في إيران المصدر الرئيس للخطر في المنطقة، وفي برنامجها الصاروخي مصدراً دائماً لعدم الاستقرار".
أحد أسباب تعرض جيران إيران للصواريخ والطائرات المسيرة هو أن قدرات القيادة على جمع المعلومات، وقنوات الاتصال، والفاعلية العملياتية كادت تنهار بالكامل وسط ضباب الحرب -وهو أمر غير مستغرب. ولهذا السبب كان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، منشغلاً بإجراء اتصالات اعتذار وطمأنة مع سلطنة عُمان وغيرها، موضحاً "أن الوحدات العسكرية الإيرانية باتت الآن، في الواقع، مستقلة إلى حد ما ومعزولة نسبياً، وتتصرف استناداً إلى تعليمات عامة كانت قد صدرت إليها مسبقاً".
ولهذا السبب أيضاً جرى جس نبض الولايات المتحدة، حيث قال ترامب يوم الأحد: "إنهم (إيران) يريدون التحدث، وقد وافقت على التحدث، لذا سأتحدث معهم". وما يزال ما سيقولونه أو يعرضونه غير واضح، لكن هناك أمراً واحداً واضح: هذه لحظة تدور فيها العجلة الكبرى للتاريخ. قبل أسبوعين، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو "إن العالم يتغير بسرعة كبيرة أمام أعيننا، لقد انتهى العالم القديم". وقد لا يكون هذا الكلام مريحاً -ولا أسبابه، ولا ما قد يفضي إليه. لكن من الصعب إنكار ذلك.
 
*بيتر فرانكوبان Peter Frankopan: مؤرخ بريطاني وأستاذ التاريخ العالمي في جامعة أكسفورد، كما يشغل منصب زميل أول في كلية وُرستر في الجامعة نفسها. تتركز أبحاثه على تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، وتاريخ طريق الحرير، والتاريخ العالمي المقارن. اكتسب شهرة واسعة بكتابه الأكثر مبيعاً "طرق الحرير: تاريخ جديد للعالم" The Silk Roads: A New History of the World، الذي أعاد تفسير تاريخ العالم من منظور آسيا الوسطى والشرق الأوسط بدلاً من المركزية الأوروبية، وتلاه بكتاب "طرق الحرير الجديدة: حاضر العالم ومستقبله" The New Silk Roads: The Present and Future of the World حول التحولات الجيوسياسية المعاصرة. من أبرز المؤرخين الذين يدعون إلى قراءة التاريخ العالمي بوصفه شبكة مترابطة من التفاعلات الاقتصادية والثقافية والسياسية بين الحضارات.