ماريا زريق في "اللي باقي منك".. الأم كعمود للذاكرة الفلسطينية
الغد-إسراء الردايدة
في فيلم "اللي باقي منك" للمخرجة شيرين دعيبس، تقدم الممثلة الفلسطينية ماريا زريق أداء تمهيديا، العمود الشعوري الذي يفتتح عليه السرد.
تؤدي زريق دور الأم في المرحلة الأولى من الحكاية، حيث تُرسَّخ منذ المشاهد المبكرة ملامح الفقد والاقتلاع والانتظار، قبل أن تنتقل القصة عبر الأجيال. هذا الحضور لا يعمل كخلفية زمنية فحسب، بل كمرجع عاطفي تستند إليه بقية طبقات الفيلم، إذ تُقدَّم التجربة الفلسطينية من زاوية معيشة، لا بوصفها خطابا أو شعارا، بل كسلسلة من الخسارات اليومية التي تتراكم داخل الجسد.
الأم بوصفها الوجه الأول للحكاية
الشخصية التي تجسدها ماريا زريق تمثل الصوت الأول للفيلم، والنافذة التي يدخل منها المشاهد إلى التجربة العائلية الفلسطينية. الأم هنا لا تُقدَّم كرمز تجريدي، بل كإنسانة تحمل قصة حب منقطعة ومصيرا معلقا، وتواجه واقعا لا يمنحها ترف اليقين. من خلال هذا الدور، يُظهر الفيلم كيف تُروى القضية الفلسطينية عبر القصص الفردية، وكيف تتحول تجربة اللجوء والاقتلاع من مفاهيم عامة إلى تفاصيل يومية ملموسة، تتجسد في الصمت، وفي الانتظار الطويل، وفي محاولات حماية الأطفال من الانهيار.
الأداء كحامل للذاكرة لا كشخصية معزولة
تتحرك شخصية "منيرة" التي لعبتها زريق بين حدادين متوازيين: حداد شخصي على حبيب غاب ثم يُكشف لاحقا أنه قُتل في مجزرة، وحداد جماعي على وطن مسلوب لا يتوقف عن إنتاج الخسارة. هذا التداخل يجعل كل مشهد مشحونا بطبقتين في آن واحد، حيث تتقاطع قصة الحب المبتورة مع تجربة أرض مهددة دائما بالاقتلاع.
الفيلم لا يتعامل مع هذه التجربة بوصفها حدثا تاريخيا مغلقا، بل كزمن ممتد يعيش داخل الجسد، ويظهر في التفاصيل الصغيرة أكثر مما يظهر في الحوار.
تقول ماريا زريق، خلال مقابلة أجرتها معها "الغد" في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة في دورته الخامسة كانون الأول (ديسمبر) الماضي: "منذ اللحظة الأولى، شعرت أن شخصية منيرة لا يمكن التعامل معها كشخصية فردية أو حالة معزولة، بل كامتداد لذاكرة جمعية كاملة. أكثر ما لفتني في النص أنه لا يقدم المرأة الفلسطينية بوصفها كائنا منكسرا أو تابعا، بل كامرأة تمسك بخيوط العائلة في أصعب الظروف، حتى في غياب الزوج الطويل وعدم وضوح المصير".
وتضيف: "اشتغلت على منيرة باعتبارها امرأة تقود عائلتها من الداخل، امرأة تعرف كيف تبتكر حلولا يومية للبقاء: تبيع مجوهراتها، تتحايل على الواقع، وتجد دائما طريقة لحماية أطفالها من الانهيار. هذه التفاصيل ليست مجرد أفعال درامية، بل خلاصة تجربة تاريخية عاشتها نساء فلسطينيات كثيرات"، مبينة "ما كان يهمني هو أن يشعر المشاهد أن منيرة ليست استثناء، بل نموذج مكثف لذاكرة نسوية فلسطينية قوية، لم تكتب غالبا في السرديات الرسمية، لكنها كانت دائما حاضرة في الواقع".
اقتصاد الأداء وثقل الصدمة المؤجلة
يعتمد الفيلم بصريا على لقطات قريبة ونبرة واقعية خالية من الخطابية، ما يمنح الأداء مساحة داخلية دقيقة. هذا الخيار يتقاطع مع وعي زريق بخطورة الميلودراما في الحكايات المشبعة بالذاكرة التاريخية، خصوصا مع تقاطع الدور مع تجربتها العائلية المرتبطة بمجزرة عيلبون. زريق لا تنكر هذا التقاطع، لكنها تشير إلى حرصها على ضبط الألم وعدم تحويله إلى انفجار عاطفي مباشر.
تشرح زريق دورها، قائلة "العلاقة بين هذا الدور وتجربتي الشخصية كانت عميقة جدا. قصة الفيلم أعادتني مباشرة إلى جدتي، وإلى مجزرة عيلبون، وإلى ذاكرة العائلة التي نحملها أحيانا من دون أن نملك لغة كاملة للتعبير عنها. عندما قرأت السيناريو للمرة الأولى، لم أستطع الفصل بين النص وذاكرتي، وبكيت فعلا".
موضحة: "لكن التحدي الحقيقي كان: كيف أُبقي هذا الألم حاضرا من دون أن يتحول إلى أداء مبالغ فيه؟ هنا جاءت خبرتي المسرحية لتساعدني. أنا واعية تماما لخطورة الميلودراما، خاصة في القصص التي تحمل هذا الثقل التاريخي والعاطفي".
وتشرح "لذلك اخترت طريق الاقتصاد: أن يكون الألم داخليا، مكبوتا، يظهر في الصمت أكثر مما يظهر في الكلام، في نظرة العين، في التردد، في محاولات السيطرة على المشاعر. لم أحتج أن أظهر الألم، لأنه كان موجودا أصلا، ويكفي أن أسمح له بأن يمر بهدوء".
شراكة إخراجية قائمة على التفاصيل
يتقاطع هذا الأسلوب مع رؤية شيرين دعيبس الإخراجية، التي تبتعد عن الخطاب المباشر وتراهن على التفاصيل الدقيقة. تصف زريق هذه العلاقة بوصفها مساحة عمل مفتوحة على الحوار والتجريب: "العمل مع شيرين دعيبس كان تجربة غنية جدا. منذ البداية، كان واضحا أنها تريد تقديم امرأة قوية، لكن قوة غير صاخبة، غير شعاراتية. ما أحببته فيها كمخرجة أنها تمنح الممثل مساحة حقيقية للتجريب، وتستمع فعلا".
تشرح زريق أن العمل على تطوير الشخصية كان قائما على حوار مستمر وتفكيك دقيق لتجربتها الزمنية والنفسية، حيث لم تُبنَ الشخصية بوصفها حالة ثابتة، بل ككائن مثقل بتراكم السنوات وما تركته من أثر داخلي. كانت شيرين تضع الإطار الأولي أو النغمة الأساسية للشخصية، ثم تفتح مساحة واسعة للبحث والتجريب، ما أتاح إعادة المشاهد أكثر من مرة، حذف تفاصيل، أو تبسيط أداء كان يمكن أن يكون أكثر مباشرة. هذا المسار التعاوني جعل الوصول إلى الشخصية عملية بطيئة ومقصودة، تعتمد على الاختيار الهادئ لما هو صادق، لا لما هو الأكثر وضوحا على السطح، مؤكدة: "أنا أثق بشيرين، وهذه الثقة خلقت علاقة تسمح لك بأن تتبعها مائة بالمائة، وفي الوقت نفسه تضيف من ذاتك وتجربتك من دون خوف. المساحة التي أضفتها جاءت من إحساسي الشخصي بالشخصية، ومن علاقتي بتاريخها غير المكتوب".
الحياة اليومية والسياق السياسي من دون خطاب
في "اللي باقي منك"، لا تفصل الحياة اليومية عن السياق السياسي، لكن السياسة لا تقدم كخطاب مباشر. زريق كانت واعية لهذا التوازن، وتعاملت مع الشخصية بوصفها امرأة تعيش تفاصيلها الصغيرة داخل واقع يفرض نفسه قسرا: "كنت حريصة جدا على ألا أتعامل مع منيرة كشخصية سياسية مباشرة.
هي امرأة تعيش حياتها، لكنها تعيشها داخل سياق سياسي قاس يفرض نفسه على كل تفصيلة. السياسة كانت دائما موجودة في الخلفية، لكنها لم تكن محور الأداء".
وتضيف زريق أن مقاربتها للشخصية انطلقت من التفاصيل اليومية البسيطة التي تبدو عابرة ظاهريا، لكنها تحمل ثقلها الداخلي العميق. طريقة الطهي، نظراتها لأطفالها، أسلوبها في إخفاء الخوف، وتصرفها في اللحظات التي تعجز فيها عن تقديم إجابة، كلها عناصر شكلت البنية الحقيقية للشخصية.
بالنسبة لها، هذه التفاصيل الصغيرة لا تعمل فقط على بناء المصداقية الإنسانية، بل تحمل في طياتها بعدا سياسيا أعمق من أي خطاب مباشر، لأنها تظهر أثر الواقع على الحياة اليومية من دون الحاجة إلى التصريح أو الشرح.
وتختم هذا الجانب بالقول "السينما هنا لا تحتاج لأن تشرح التاريخ، بل أن تجعله محسوسا في الجسد والحركة والصمت".
من التجربة الشخصية إلى الذاكرة العامة
مع انتقال الفيلم من العروض الأولى إلى المهرجانات الدولية، تغيرت علاقة زريق بالدور، وانتقل من حيز شخصي ضيق إلى مساحة أوسع تتقاطع فيها قراءات الجمهور وتجاربهم. تقول "نعم، تغير كثيرا. أول مشاهدة كانت حميمية جدا، داخل دائرة صغيرة مع فريق العمل، وكان التأثر شخصيا للغاية. لاحقا، عندما شاهدت الفيلم مع جمهور واسع في مهرجانات مختلفة، شعرت أن الدور خرج من ملكيتي الشخصية".
وتوضح زريق أن علاقتها بالفيلم تغيرت بعد عرضه وتلقيه من قبل الجمهور، إذ لم يعد محصورا في كونه حكاية شخصية مرتبطة بذاكرة عائلية محددة. مع مرور الوقت، أصبح الفيلم جزءا من الذاكرة الجماعية، مفتوحا على قراءات وأسئلة متعددة يطرحها المشاهدون، ما وسع معناه خارج الإطار الذاتي الأول.
هذا الانتقال من الخاص إلى العام جعل الفيلم مساحة تقاطع بين تجارب مختلفة، حيث وجد كثيرون أنفسهم داخل القصة، كل من زاويته الخاصة، وهو ما أعاد تشكيل علاقتها بالعمل بوصفه تجربة مشتركة لا ملكية فردية.
وعن اختلاف التفاعل بين الجمهور العربي والأجنبي، تقول: "الفرق كان واضحا جدا.
الجمهور العربي، وخصوصا الفلسطيني، غالبا لا يكتفي بطرح سؤال، بل يشارك قصة شخصية. تتحول الندوة إلى مساحة ذاكرة مشتركة، لأنهم عاشوا أو سمعوا هذه القصص من أجدادهم"، أما الجمهور الأجنبي، فكانت أسئلته نابعة من الاكتشاف: "هل هذا حقيقي؟ هل حدث فعلا؟". لأن الإعلام الغربي لم يغطّ هذه القصص كما يجب. هناك دهشة، ومحاولة لفهم تاريخ لم يكن واضحا لهم من قبل".
مسيرة فنية خارج الاختزال
ولدت ماريا زريق في حيفا العام 1992، ودرست القانون قبل أن تختار الفن مسارا حيايا عبر المسرح والباليه. برز اسمها سينمايا في "فيلا توما"، الذي نالت عنه جائزة أفضل ممثلة في مهرجان حوض البحر المتوسط، ثم تنوعت أعمالها بين السينما الفلسطينية والدولية، من "السلام عليك يا مريم" إلى "واجب" و"احتجاز"، وصولا إلى "اللي باقي منك".
ورغم حضورها في أعمال ذات بعد سياسي، ترفض زريق اختزالها في هذا الإطار، قائلة: "كوني فلسطينية لا يعني أنني محصورة في هذا النوع من الأدوار. نعم، هويتي حاضرة، لكنها لا تختزلني. لا أرى نفسي فقط كممثلة قضية، بل كفنانة تحب التجربة وكسر الصورة النمطية".
وتضيف: "أنا لا أرى هذا التوتر كصراع دائم. ما يهمني هو ألا أشارك في عمل يناقض أفكاري أو يفرغ القضية من إنسانيتها. خارج ذلك، أريد أن أُقيَّم كممثلة، كفنانة، لها خيارات واعية ومسار مهني متنوع".
في ختام المقابلة، تتوقف زريق عند علاقتها بعائلتها وبالدور الذي أدّته، مشيرة إلى أن الخلفية العائلية شكلت دائما مرجعا أساسيا في اختياراتها الفنية، حيث كان التشديد المستمر على أن تكون القرارات مدروسة، وألا يقبل أي دور بدافع الحضور فقط. وترى أن ارتباط هذا العمل تحديدا بقصة جدتها حمّلها مسؤولية مضاعفة، لكنه في المقابل أعاد تعريف علاقتها بالتمثيل نفسه، ليس كأداء أو مهنة، بل كفعل يحمل معنى شخصيا وأخلاقيا أعمق.