عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Nov-2021

تحملوني واعذروني على الإطالة، ولكنها قصة حقيقية لا بد من سردها* زيد عمر النابلسي

فيسبوك -

في الصف الرابع ابتدائي في مدرسة المطران (1980)، دخل علينا أستاذ الدين ذات حصة حُفِرَت في ذاكرتي ولن أنساها في حياتي...

 
أتذكر إسمه الكامل و أتذكر شكله وأحتفظ بصورة له، فقد دخل تلك الحصة متجهماً وعيناه تلمع بالدموع والجزع وكأنه رأى الجن، فسألناه نحن الأطفال الأبرياء ما الذي فعل بك كل هذا يا أستاذ فلان؟
 
بدأ على الفور بالضغط على وجناته وعينيه وهو يبلع ريقه ويتمالك نفسه، ثم أخذ يروي قصة عن جارته التي قال لنا أنها توفيت قبل أسبوعين، إلا أنه وأثناء خروجه من بنايته صباح ذلك اليوم، صادفها أمام مدخل البناية التي يسكن فيها وهي مُحَجَّبة على غير ما كان يعرفها!!
 
نعم، أقسم لكم أن هذا ما حدث، لقد قال أستاذ الدين لتلاميذه الأطفال أن جارتهم المتوفية عادت إلى الحياة بعد أسبوعين من الموت، وكان يروي القصة بكل جدية محتفظاً بذات تعابير الوجه الوَجِلة التي تكاد أن تذرف الدموع من شدة الخشوع...
 
سأل أستاذنا جارته ماذا رأت في مماتها، فأجابته أنها رأت النساء معلقات من شعرهن على أسياخ من نار، فسألها عن السبب، فقالت إنه عذابهن لأنهن لم يكن محجبات في الدنيا، إلا أن الله منحها فرصة ثانية في الحياة، فقررت عدم خلع الحجاب في حياتها خوفاً من أن يتم ربطها من شعرها بأسياخ من نار...
 
في حصص الدين وقتها، كان الطلاب المسلمون من الشعبة (أ) ينتقلون عندنا إلى الشعبة (ب) بينما يذهب المسيحيون من شعبتنا إلى زملائهم في الشعبة (أ)، أو بالعكس، فيتاح لنا أن نغير مقاعدنا، وبما أنني كنت دائماً أجلس في الخلف بسبب طولي، كنت أحياناً أحب أن أجرب المقعد الأمامي أثناء حصة الدين...
 
تَسمَّرت في مقعدي وأنا أسمع هذه القصة العجيبة، فنحن لم نكن نتخيل أو نشك أن الأستاذ المؤتمن على تدريسنا دين الرحمة والصدق بإمكانه أن يكذب على طلابه أو يختلق القصص، فأصابني الرعب وقتها وخفت على والدتي غير المحجبة أطال الله في عمرها، وتخيلتها مربوطة من شعرها على سيخ من أسياخ جهنم...
 
وكأي طفل كان يعبث بأعواد الكبريت ويعرف كيف يحترق الشعر ويتبخر بسرعة البرق إذا تعرض لأي لهب، سألت الأستاذ السؤال التالي:
 
"أستاذ، كيف تبقى النساء معلقات من شعورهن إذا كان السيخ من نار؟ ألا يحترق شعرهن فيسقطن؟"
 
وفي لحظتها اختلفت نظرة الأستاذ، وبدأ بالمشي البطيء نحوي في الصف الأمامي وأنا أنتظر الجواب بلهفة، إلى أن وصل إلى حيث أجلس وأنا أحملق فيه النظر قلقاً على مصير والدتي، فما كان منه إلا أن توقف أمامي ونظر في عيني، ثم وجه لي صفعة على وجهي بكل ما آتاه الله من قوة، صفعة لا زالت تدوّي في أذني من شدتها كلما تذكرت هذه الحادثة...
 
في اليوم التالي، أخذتني أمي إلى الطبيب لتشكو له من انتفاخ خدي الأيسر لانتشار ما كان يسمى مرض "أبو دغيم" وقتها، ولكن الطبيب قال لها هذا لا أبو دغيم ولا ما يحزنون، إبنك ماكل هواية جامدة على راسه وعينه وفي حدا معتدي عليه، وأنا من شدة صدمتي لم أجرؤ أن أعترف لأمي بما حصل معي، فأنا كنت أتعذب أصلاً لما سيسومها هي من عذاب وحرق بسبب شعرها غير المغطى بحجاب...
 
هكذا تربت أجيال في بلدنا بسبب الغزو الوهابي الذي بدأ في مناهجنا بعد اعتماد كتب أبي الأعلى المودودي كأساس لها في 1974...
 
فقصتي هذه حصلت في مدرسة المطران المسيحية في عمان الغربية، ولك أن تتخيل ماذا كان يحدث في باقي مدارس الحكومة في مدننا وقرانا وأريافنا...
 
الشتامون الذين أشبعوا لاعبات منتخب كرة السلة سباباً ولا يزالون هم للأسف نتاج غسيل دماغ لثقافة تقول له أن كل امرأة أو بنت غير محجبة هي إنسانة فاسقة سافرة سيعذبها رب العباد ويحرقها بالنار، فهو تم تلقينه أن ينظر نظرة دونية واحتقارية على من لا يشبهه في المظهر أو اللباس...
 
تعديل المناهج وحده لا يكفي ولن يحل المشكلة، فأساس الداء هم أولئك الذين يزرعون الكراهية والخوف في عقول وقلوب الطلبة داخل المدرسة وخارجها...
 
الطريق وعرة ومليئة بالصعاب والتحديات، إلا أنها معركة مصيرية لا بد من خوضها مهما كلف الأمر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجيال هذا الوطن ومن أجل تخليصهم من براثن الوهابية المقيتة التي تم حشوها في عقول أبنائنا، فقد حان الوقت لمحاربتها واقتلاعها، وآن الأوان لتطهير هذا البلد من آفاتها وشرورها ودعاتها ومحرضيها، كما فعلت وتفعل السعودية اليوم في مسقط رأسها وفي وسط منبعها، وإلا فسنندم كثيراً حين لن ينفع الندم...